الإقتصادي

إتش إس بي سي: الذهب مرشح للصعود حتى نهاية 2026

الذهب يحتفظ بجاذبيته رغم الرياح المعاكسة

لا تزال النظرة طويلة الأجل للذهب تميل إلى الإيجابية في تقديرات بنك إتش إس بي سي، حتى مع تعرض المعدن النفيس لضغوط قصيرة الأجل ناتجة عن قوة الدولار الأمريكي وارتفاع عوائد سندات الخزانة. الفكرة الأساسية التي يستند إليها البنك بسيطة: العوامل الهيكلية الداعمة للذهب لم تختفِ، بل ما زالت حاضرة عبر استمرار شراء البنوك المركزية، وتزايد استخدام الذهب كأداة لتنويع المحافظ، إلى جانب استمرار اهتمام المستثمرين بصناديق المؤشرات المدعومة بالذهب.

هذه الرؤية تأتي في وقت يتحرك فيه الذهب عالميًا داخل نطاق شديد الحساسية لأي تغيّر في توقعات الفائدة الأمريكية. ففي تداولات 6 يوليو 2026، تراجع السعر الفوري قليلًا إلى نحو 4160 دولارًا للأونصة بعد أن لامس أعلى مستوى له في أسبوعين، مع صعود طفيف للدولار، بينما بقيت خسائره محدودة بفضل انحسار رهانات التشديد النقدي الأمريكي بعد بيانات وظائف أضعف من المتوقع في الولايات المتحدة.

لماذا يراهن إتش إس بي سي على استمرار الصعود؟

من بين أكثر النقاط التي تدعم النظرة الإيجابية للذهب، استمرار الطلب الرسمي من البنوك المركزية. هذا النوع من الطلب يختلف عن المضاربات السريعة، لأنه يعكس قرارات استراتيجية مرتبطة بإدارة الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار في بعض الحالات، فضلًا عن البحث عن أصول دفاعية في بيئة عالمية تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين الجيوسياسي والمالي.

بيانات مجلس الذهب العالمي أظهرت أن البنوك المركزية أضافت 166 طنًا إلى احتياطياتها من الذهب في الربع الثاني من 2025، ورغم أن الوتيرة أبطأ من بعض الفترات السابقة، فإنها ما زالت مرتفعة تاريخيًا. كما أشار المجلس إلى أن 95% من مديري الاحتياطيات الذين شملهم استطلاع 2025 يتوقعون ارتفاع إجمالي احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا خلال الاثني عشر شهرًا التالية. هذا المؤشر مهم لأنه يعكس أن الطلب الرسمي لم يعد مجرد موجة مؤقتة.

إلى جانب ذلك، يرى إتش إس بي سي أن الذهب ما زال يؤدي وظيفة المنوّع الاستثماري داخل المحافظ، خاصة في الفترات التي تتذبذب فيها الأسهم أو تتراجع الثقة في السندات طويلة الأجل. البنك أشار في تقريره الاستثماري Think Future 2026 إلى أن المعدن الأصفر لا يزال مدعومًا بطلب قوي من البنوك المركزية واستمرار الاهتمام بصناديق الذهب، مع توقع بقاء المسار الصاعد قائمًا بشكل تدريجي بعد فترات من التذبذب.

صناديق الذهب تعود لاعبًا رئيسيًا

العامل الثاني الذي يعزّز قصة الذهب هو عودة التدفقات إلى الصناديق المتداولة المدعومة بالمعدن النفيس. مجلس الذهب العالمي ذكر أن صناديق الذهب سجلت تدفقات داخلة قدرها 170 طنًا في الربع الثاني من 2025، ليصل إجمالي التدفقات في النصف الأول من العام إلى 397 طنًا، وهو أعلى إجمالي نصف سنوي أول منذ 2020. هذه الأرقام تشير إلى أن المستثمرين المؤسسيين عادوا لاستخدام الذهب بشكل أكبر كأداة تحوط واستفادة من الزخم السعري.

أهمية هذه التدفقات أنها تمنح السوق دعمًا ماليًا واسعًا، ولا سيما عندما تتزايد المخاوف من تباطؤ النمو أو من تقلبات السياسات النقدية. وفي الفترات التي تنخفض فيها الثقة في قدرة الأصول التقليدية على تحقيق عائد حقيقي جيد بعد احتساب التضخم، يميل جزء من السيولة إلى الانتقال نحو الذهب.

لكن ما الذي يضغط على الأسعار الآن؟

في المقابل، لا يتحرك الذهب في خط صاعد مستقيم. فالسوق تواجه بالفعل ضغوطًا مباشرة من عوائد سندات الخزانة الأمريكية ومن قوة الدولار. وكلما ارتفعت العوائد الحقيقية، تصبح حيازة الذهب أقل جاذبية نسبيًا لأنه أصل لا يدر عائدًا دوريًا مثل السندات. كما أن صعود الدولار يجعل شراء الذهب أكثر تكلفة للمستثمرين من خارج الولايات المتحدة.

وشهد مطلع يوليو 2026 مثالًا واضحًا على هذا الضغط، إذ استقر الذهب قرب أدنى مستوى في سبعة أشهر يوم 1 يوليو مع ارتفاع العوائد الأمريكية وتزايد الرهانات على تشدد الفيدرالي، قبل أن يستعيد بعض الزخم لاحقًا مع صدور بيانات عمل أمريكية أضعف. هذا السلوك السعري يوضح أن السوق تتحرك حاليًا بين قوتين متعاكستين: ضغوط مالية قصيرة الأجل، ودعم هيكلي طويل الأجل.

هل يمكن أن يستمر المساران معًا؟

نعم، وهذا ما يفسر لهجة إتش إس بي سي. فالبنك لا ينفي وجود تقلبات أو فترات هدوء، لكنه يرى أن الاتجاه الأكبر ما زال يميل إلى الأعلى حتى نهاية 2026. بمعنى آخر، قد تشهد الأسعار تصحيحات مرحلية بفعل الدولار أو العوائد، لكن الطلب الاستثماري والرسمي يمكن أن يعيد تثبيت الاتجاه الصاعد كلما انخفضت المخاوف المتعلقة بالفائدة أو تصاعدت المخاطر الجيوسياسية.

ما أهمية ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للمستثمر أو المدخر المصري، تظل متابعة الذهب العالمي ضرورية، لأن السوق المحلية ترتبط أساسًا بسعر الأونصة عالميًا ثم بسعر صرف الجنيه أمام الدولار. ووفقًا لتصريحات هاني ميلاد، رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرف التجارية، فإن تسعير الذهب في مصر يعتمد بالدرجة الأولى على السعر العالمي المحسوب بالدولار ثم يُحوَّل وفق السعر الرسمي.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية مع تراجع أثر تقلبات العملة محليًا مقارنة بفترات سابقة، في ظل تحسن السيولة الدولارية وارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي المصري إلى 53.134 مليار دولار بنهاية مايو 2026، بحسب بيانات نقلتها تقارير محلية استنادًا إلى بيانات البنك المركزي.

وفي السوق المصرية، أشارت تقارير محلية حديثة إلى أن الأسعار تحركت صعودًا في الأيام الأخيرة بالتوازي مع الموجة العالمية. وذكر تقرير منشور في 4 يوليو 2026 أن الذهب في مصر ربح نحو 135 جنيهًا خلال أسبوع، مع توقعات بأن يقترب سعر جرام الذهب عيار 21 من 6 آلاف جنيه إذا استمرت مؤشرات ضعف سوق العمل الأمريكي وتراجعت احتمالات مزيد من رفع الفائدة.

هل ما زال الذهب مناسبًا في المحافظ الاستثمارية؟

في بيئة تتسم بعدم اليقين، يبقى الذهب بالنسبة لكثير من المؤسسات المالية أصلًا دفاعيًا أكثر منه مجرد رهان سعري. لذلك تركز بيوت الأبحاث، ومنها إتش إس بي سي، على دوره داخل المحفظة بدلًا من النظر إليه فقط كأصل للمضاربة. هذا مهم خاصة مع بقاء ملفات مثل الدين الأمريكي، وتباطؤ النمو العالمي، والتوترات الجيوسياسية، وتقلبات أسواق الأسهم، كلها عوامل تمنح المعدن الأصفر مساحة للاستمرار.

  • الدعم الأول: مشتريات البنوك المركزية واعتبار الذهب جزءًا استراتيجيًا من الاحتياطيات.
  • الدعم الثاني: عودة التدفقات إلى صناديق الذهب المتداولة بعد سنوات من الفتور النسبي.
  • العائق الأبرز: ارتفاع عوائد السندات الأمريكية وقوة الدولار في الأجل القصير.
  • النقطة الحاسمة: أي تراجع في تشدد الفيدرالي أو ضعف إضافي في البيانات الأمريكية قد يعيد الزخم سريعًا إلى الذهب.

الخلاصة

رسالة إتش إس بي سي إلى الأسواق تبدو واضحة: الذهب لم يفقد مقومات الصعود، حتى لو واجه تقلبات مؤقتة بفعل الدولار والعوائد. وفي ظل استمرار الطلب الرسمي، وتحسن تدفقات الصناديق، واحتفاظ المعدن بدوره الدفاعي داخل المحافظ، يبقى السيناريو المرجح لدى البنك هو تسجيل مكاسب إضافية حتى نهاية 2026. بالنسبة للمتابع المصري، فإن أي تحرك عالمي في الأونصة سيظل عنصرًا حاسمًا في تحديد اتجاه السوق المحلية، ما يجعل متابعة السياسة النقدية الأمريكية وبيانات الذهب العالمية أمرًا لا يقل أهمية عن متابعة سعر الجرام في الصاغة.