أرامكو تدرس فصل أعمال الغاز في كيان قد تتجاوز قيمته 100 مليار دولار
أرامكو تفتح بابًا جديدًا أمام تقييم أصول الغاز
تدرس شركة أرامكو السعودية احتمال إعادة تنظيم أنشطة الغاز الطبيعي في كيان مستقل، في خطوة قد تمنح هذا النشاط تقييمًا يقترب من 100 مليار دولار أو يتجاوزه، بحسب ما أوردته تقارير مالية دولية خلال الأيام الأخيرة. وحتى الآن لم تصدر الشركة إعلانًا رسميًا عن تنفيذ الصفقة أو طرح الوحدة الجديدة للاكتتاب، لكن الفكرة بحد ذاتها تعكس حجم التحول داخل أكبر شركة طاقة في المنطقة، مع انتقال الغاز من دور تشغيلي مساند إلى ركيزة استثمارية قائمة بذاتها.
بالنسبة لأسواق الخليج، لا تبدو هذه مجرد إعادة ترتيب داخلية. ففصل أعمال الغاز — إذا تم — قد يتيح لأرامكو إبراز القيمة المستقلة لهذا النشاط أمام المستثمرين، خصوصًا في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بالغاز الطبيعي باعتباره وقودًا انتقاليًا أقل كثافة كربونية من النفط والفحم في عدد من الاستخدامات الصناعية ومحطات الكهرباء.
لماذا الغاز تحديدًا؟
السبب الرئيسي واضح في استراتيجية الشركة نفسها. أرامكو أعلنت رسميًا أنها تستهدف زيادة طاقة إنتاج غاز البيع بنحو 80% بحلول عام 2030 مقارنة بمستويات 2021. كما تؤكد الشركة أن طاقة إنتاجها الإجمالية من الغاز والسوائل المصاحبة يُفترض أن تصل إلى ما يقارب 6 ملايين برميل مكافئ نفطي يوميًا ضمن هذا المسار التوسعي. وهذا يعني أن الغاز لم يعد نشاطًا هامشيًا داخل محفظة الشركة، بل جزءًا محوريًا من قصة النمو المستقبلية.
وتعتمد هذه الخطة بدرجة كبيرة على تطوير حقل الجافورة، الذي تصفه أرامكو بأنه أكبر حقل غاز غير تقليدي غني بالسوائل في الشرق الأوسط. وتقول الشركة إن مساحة الجافورة تبلغ نحو 17 ألف كيلومتر مربع، مع موارد مقدّرة بنحو 229 تريليون قدم مكعبة قياسية من الغاز الخام و75 مليار برميل من المكثفات. هذه الأرقام تفسر لماذا أصبح ملف الغاز عنصرًا رئيسيًا في تقييم الشركة وخططها الرأسمالية.
الجافورة في قلب المشهد
في فبراير 2026، أعلنت أرامكو بدء الإنتاج من الجافورة، إلى جانب تشغيل مصنع تناجيب للغاز، ووصفت الخطوتين بأنهما تقدم كبير في تنفيذ استراتيجية التوسع الغازي. ثم عادت الشركة في نتائج النصف الأول من 2026 لتؤكد أن المرحلة الأولى من مصنع غاز الجافورة تحافظ على إنتاج مستقر من غاز البيع والمكثفات، بينما تستمر أعمال المشتريات والإنشاء في المرحلة الثانية على أن يُتوقع اكتمالها في 2027.
هذه التطورات مهمة جدًا لقرّاء السوق في مصر والمنطقة، لأن أي توسع سعودي واسع في الغاز ينعكس على خريطة الطاقة الإقليمية، سواء في تجارة الغاز، أو توازنات اللقيم الصناعي، أو حتى تنافسية الصناعات البتروكيميائية والأسمدة في الشرق الأوسط.
ماذا قد يتضمن الكيان المستقل؟
المعطيات المتاحة تشير إلى أن أي كيان غازي مستقل محتمل قد يجمع بين أصول التطوير المحلي للغاز داخل المملكة، وبين الاستثمارات الخارجية ذات الصلة بالغاز الطبيعي المسال. مثل هذا الهيكل يمنح المستثمرين صورة أوضح عن إيرادات الغاز، ونفقاته الرأسمالية، وآفاق نموه، بدل بقائها ممزوجة داخل النشاط النفطي الأوسع.
ومن زاوية التمويل، فإن فصل الأعمال لا يعني بالضرورة بيعها بالكامل. السيناريوهات المحتملة قد تشمل إعادة هيكلة داخلية، أو إدراج حصة أقلية في مرحلة لاحقة، أو استخدام الكيان الجديد كمنصة لعقد شراكات وتمويلات موجهة لمشروعات الغاز والبنية التحتية المرتبطة به.
هل الرقم منطقي؟
عند الحديث عن تقييم قد يصل إلى 100 مليار دولار، يجب وضعه في سياق الحجم الكلي للشركة الأم. بيانات السوق السعودية أظهرت في سبتمبر 2026 أن القيمة السوقية لأرامكو تدور في نطاق تريليونات الريالات، بما يعادل نحو 1.6 إلى 1.7 تريليون دولار تقريبًا وفق تقديرات السوق في تلك الفترة. من هذا المنظور، فإن تقييم نشاط غازي ضخم بهذا الحجم لا يبدو بعيدًا عن المنطق، خاصة مع ضخامة احتياطيات الجافورة والتوسعات الجارية في المعالجة والشبكات.
كما أن أرامكو نفسها تؤكد في موادها الرسمية أن قدراتها لمعالجة الغاز الخام بلغت نحو 19.6 مليار قدم مكعبة قياسية يوميًا بنهاية 2025، مع استمرار التوسع في مرافق المعالجة وخطوط الإمداد. وكلما زادت البنية التحتية الجاهزة والقدرة على تحويل الموارد إلى تدفقات نقدية، أصبح من الأسهل على السوق منح هذا النشاط تقييمًا منفصلًا أعلى.
ماذا يعني ذلك لأسواق الخليج؟
إذا تقدمت أرامكو في هذا الاتجاه، فقد تكون الخطوة واحدة من أبرز صفقات إعادة تشكيل الأصول في قطاع الطاقة الخليجي خلال السنوات الأخيرة. فالسوق اعتادت رؤية إدراجات أو صفقات مرتبطة بالبتروكيماويات، والخدمات، وخطوط الأنابيب، لكن فصل نشاط غازي بهذا الحجم يفتح الباب أمام معيار جديد لتسعير أصول الطاقة في المنطقة.
وقد يدفع ذلك شركات طاقة خليجية أخرى إلى دراسة نماذج مشابهة، خصوصًا مع تنامي الطلب المحلي على الغاز لتوليد الكهرباء وتحلية المياه والصناعة، ومع السعي الإقليمي لتقليل حرق السوائل وتحسين كفاءة مزيج الطاقة. بالنسبة لمصر، التي تتابع عن كثب تحركات منتجي الغاز الكبار في الشرق الأوسط، فإن توسع السعودية في هذا الملف يضيف بعدًا جديدًا للمنافسة والتكامل في آن واحد داخل سوق الطاقة الإقليمي.
الزاوية المصرية: لماذا يهم الخبر القارئ في مصر؟
الخبر لا يخص السعودية وحدها. مصر نفسها تعمل على تعزيز أمن الإمدادات الغازية وتسريع الاستكشافات الجديدة، في وقت تظل فيه حركة الغاز في شرق المتوسط والخليج عاملًا مؤثرًا على الأسعار والعقود والاستثمارات. لذلك فإن أي قرار من أرامكو يمنح أعمال الغاز وزنًا استثماريًا مستقلًا سيكون له صدى مباشر لدى المتابعين في القاهرة، سواء في دوائر الأعمال أو الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
كذلك فإن نجاح نموذج تقييم مستقل للغاز في السعودية قد يشجع المستثمرين الإقليميين والدوليين على إعادة النظر في كيفية تسعير أصول الغاز، وليس فقط النفط، داخل المنطقة العربية.
ما الذي نعرفه رسميًا حتى الآن؟
- لا يوجد إعلان رسمي من أرامكو حتى الآن يؤكد إنشاء شركة غاز مستقلة أو تحديد موعد إدراج لها.
- أرامكو تواصل تنفيذ استراتيجية توسع ضخمة في الغاز حتى 2030.
- الجافورة يمثل المحرك الأكبر لهذه الخطة، وقد بدأ الإنتاج بالفعل.
- المرحلة الثانية من مصنع غاز الجافورة ما زالت قيد التنفيذ مع توقعات بالاكتمال في 2027.
- أي خطوة لفصل النشاط قد تستهدف إبراز القيمة وتعزيز المرونة التمويلية أكثر من كونها تغييرًا تشغيليًا فقط.
الأنظار على تصريحات الإدارة
يقود الشركة المهندس أمين حسن الناصر، الرئيس وكبير الإداريين التنفيذيين لأرامكو، الذي يشرف على استراتيجية الشركة في النفط والغاز والتوسع عبر سلاسل القيمة. وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم تصدر عنه إفادة علنية تفصيلية تؤكد هيكل الصفقة المحتملة أو توقيتها، لكن مسار الشركة المعلن خلال 2026 يظهر بوضوح أن الغاز أصبح من أهم محركات النمو داخل أرامكو.
الخلاصة أن الحديث عن كيان غازي مستقل بقيمة قد تتجاوز 100 مليار دولار ليس مجرد تكهن عابر؛ بل تطور منطقي في ضوء الاستثمارات الضخمة، والانطلاق التشغيلي للجافورة، والرغبة في إبراز قيمة الأصول أمام المستثمرين. أما ما إذا كانت الفكرة ستتحول إلى إدراج فعلي أو تبقى في إطار الدراسة، فذلك سيعتمد على ظروف السوق، وتسعير الطاقة، وأولويات التمويل لدى الشركة والمملكة خلال المرحلة المقبلة.