الإقتصادي

أرباح سامسونج تقفز بقوة لكن السهم يتراجع بفعل مخاوف الذكاء الاصطناعي

سامسونج تسجل طفرة في الأرباح وسط اختبار صعب لثقة المستثمرين

أعلنت سامسونج إلكترونكس تقديراتها الأولية لنتائج الربع الثاني من عام 2024، كاشفة عن قفزة ضخمة في الربح التشغيلي إلى نحو 10.4 تريليون وون كوري، مقابل مستوى متدنٍ للغاية قبل عام، ما يعكس تعافيًا قويًا في دورة أشباه الموصلات وارتفاع الطلب على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما قدّرت الشركة الإيرادات الفصلية عند نحو 74 تريليون وون، قبل أن تؤكد في نتائجها الكاملة الصادرة في 31 يوليو 2024 إيرادات بقيمة 74.07 تريليون وون وربحًا تشغيليًا بلغ 10.44 تريليون وون.

ورغم قوة الأرقام، لم يكن رد فعل السوق بالحماسة نفسها. فالسهم تعرض لضغوط لأن المستثمرين لم ينظروا فقط إلى حجم القفزة الحالية، بل إلى السؤال الأهم: هل تستمر موجة الذكاء الاصطناعي بالوتيرة نفسها خلال الأرباع المقبلة؟ هذا التردد يفسر لماذا قد ترتفع الأرباح بسرعة في البيانات المحاسبية، بينما يبقى تقييم السهم رهينًا بتوقعات أكثر تحفظًا بشأن النصف الثاني من العام.

ما الذي دفع الأرباح إلى هذا الصعود؟

السبب الرئيسي وراء التحسن كان عودة قطاع الرقائق إلى الربحية، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الذاكرة بعد فترة طويلة من الضعف في 2023. سامسونج أوضحت في إفصاحاتها أن الطلب ظل قويًا على حلول الذاكرة المتقدمة مثل HBM وDDR5 وخوادم SSD، وهي منتجات تستفيد مباشرة من التوسع العالمي في مراكز البيانات وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.

وفي النتائج التفصيلية للربع الثاني، قالت الشركة إن قسم Device Solutions، الذي يضم أعمال أشباه الموصلات، استفاد من الطلب على ذاكرة الخوادم عالية القيمة، بينما حقق قطاع الهواتف المحمولة والشبكات 27.38 تريليون وون إيرادات و2.23 تريليون وون ربحًا تشغيليًا. هذا يعني أن التحسن لم يكن محصورًا في نشاط واحد فقط، لكنه تركز بشكل واضح في دورة الذاكرة التي استعادت زخمها بفضل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

لماذا تراجع السهم رغم الأخبار الإيجابية؟

الأسواق المالية عادة لا تكتفي بالنظر إلى ما حدث، بل تسعّر ما قد يحدث لاحقًا. وفي حالة سامسونج، كان القلق مرتبطًا باحتمال تباطؤ وتيرة صعود أسعار بعض أنواع الذاكرة، لا سيما المنتجات التقليدية، حتى مع بقاء الطلب القوي على الشرائح المرتبطة بخوادم الذكاء الاصطناعي. مؤسسة TrendForce كانت قد أشارت في أواخر يونيو 2024 إلى أن أسعار عقود NAND Flash في الربع الثالث قد ترتفع بوتيرة أهدأ تتراوح بين 5% و10%، في ظل زيادة الإنتاج وضعف الطلب النهائي في بعض أسواق الإلكترونيات الاستهلاكية.

هذه النقطة مهمة للمستثمر المصري والعربي الذي يتابع الأسهم العالمية: فالسوق لا يعاقب الشركة على النتائج الحالية، بل على أي إشارة تفيد بأن ذروة الاستفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي ربما تكون أقل سخونة مما كان متوقعًا. بكلمات أخرى، الأرباح كانت ممتازة، لكن التوقعات كانت أعلى من ذلك أيضًا.

منافسة شرسة في سباق ذاكرة الذكاء الاصطناعي

وراء الحذر المحيط بسامسونج عامل آخر لا يقل أهمية، وهو المنافسة المتزايدة في سوق الرقائق المتقدمة، خاصة شرائح الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي HBM. هذا السوق أصبح نقطة ارتكاز أساسية لسلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي العالمية، مع صعود شركات مثل SK hynix كمورد رئيسي في هذا المجال. لذلك، فإن المستثمرين لا يراقبون فقط نمو أرباح سامسونج، بل ينظرون أيضًا إلى مدى قدرتها على ترجمة هذا الزخم إلى حصة أقوى في المنتجات الأعلى ربحية.

وبالنسبة إلى سامسونج، فإن المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد ارتفاع أسعار الرقائق. فالشركة تحتاج إلى الحفاظ على توازن دقيق بين توسيع الإنتاج، وضبط المعروض، وتسريع تقديم منتجات أكثر تطورًا، من دون الإضرار بالهوامش إذا تباطأ الطلب في قطاعات الإلكترونيات التقليدية مثل الهواتف وأجهزة الكمبيوتر الاستهلاكية.

ماذا تعني هذه النتائج للأسواق العالمية؟

نتائج سامسونج ليست مجرد قصة شركة واحدة، بل تُعد مؤشرًا حساسًا على اتجاه صناعة التكنولوجيا العالمية. عندما تتحسن ربحية أكبر شركات الذاكرة في العالم، فهذا غالبًا ما يعكس تحسنًا في دورة أشباه الموصلات ككل، وهو ما يؤثر في أسهم التكنولوجيا الآسيوية، وسلاسل التوريد، وشركات الحوسبة السحابية، وحتى شهية المستثمرين للمخاطرة في الأسواق الناشئة.

ومن منظور مصري، تظل سامسونج اسمًا حاضرًا بقوة ليس فقط كمصنّع عالمي للهواتف والإلكترونيات، بل أيضًا من خلال وجودها الصناعي في بني سويف. وخلال السنوات الأخيرة، عززت الشركة بصمتها الإنتاجية في مصر، في وقت تسعى فيه الدولة إلى تعميق التصنيع المحلي للإلكترونيات. كما حصلت Samsung Electronics Egypt على الرخصة الذهبية لإنشاء وتشغيل مصنع لتصنيع الهواتف المحمولة في بني سويف، في خطوة تعكس أهمية السوق المصرية ضمن الشبكة الصناعية الإقليمية للشركة.

قراءة أعمق: هل هذه بداية دورة صعود طويلة؟

الإجابة المختصرة: ربما، لكن بحذر. الأرقام الفصلية القوية تشير بوضوح إلى أن أسوأ مراحل الهبوط في قطاع الذاكرة باتت خلف سامسونج، وأن الذكاء الاصطناعي منح الصناعة دفعة استثنائية. لكن استمرار الدورة الصاعدة سيعتمد على عدة عوامل:

  • استمرار الإنفاق العالمي على مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
  • قدرة سامسونج على تعظيم استفادتها من المنتجات الأعلى قيمة مثل HBM.
  • وتيرة تعافي الطلب الاستهلاكي على الأجهزة الإلكترونية خارج قطاع الخوادم.
  • استقرار أسعار الذاكرة من دون تخمة معروض جديدة.

لذلك، فإن قراءة المستثمرين للنتائج كانت مزدوجة: هناك إعجاب واضح بحجم التعافي، لكن هناك أيضًا حذر من أن السوق ربما سبق وسعّر جزءًا كبيرًا من هذا التحسن قبل صدور الأرقام.

الخلاصة

سامسونج قدمت في الربع الثاني من 2024 واحدًا من أقوى تحسنات الأرباح في قطاع التكنولوجيا العالمي، مدفوعة بانتعاش الرقائق وازدهار تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لكن تراجع السهم في المقابل أظهر أن الأسواق لا تكافئ النتائج الماضية فقط، بل تزن استدامة المستقبل. وإذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي قد أنعشت أرباح الشركة بقوة، فإن الاختبار الحقيقي سيبقى في قدرة سامسونج على الحفاظ على هذا الزخم وسط منافسة حادة ومخاوف من تباطؤ بعض شرائح الطلب في سوق الذاكرة العالمية.