الإقتصادي

استحواذ «إم بي للهندسة».. هل يوقظ تجميع أسهم الكهرباء؟

استحواذ «إم بي للهندسة» على «مافن».. صفقة صغيرة نسبيًا بإشارة أكبر من حجمها

عاد ملف أسهم الصناعات الكهربائية في البورصة المصرية إلى دائرة الاهتمام بعد إتمام شركة «إم بي للهندسة» الاستحواذ على 51% من شركة «مافن للكابلات الكهربائية» بالشراكة مع «ديابكو إليكتريك». أهمية الصفقة لا ترتبط فقط بكونها توسعًا تشغيليًا لشركة مقيدة، بل لأنها جاءت في قطاع يرتبط مباشرة بالإنفاق على البنية التحتية، ومشروعات الطاقة، والتشييد، والتوسع الصناعي داخل مصر.

وبحسب الإفصاحات التي تناولتها الصحافة الاقتصادية المحلية، جرى نقل ملكية حصة الأغلبية في سوق خارج المقصورة، مع تولي «إم بي للهندسة» إدارة «مافن» والتحكم في سياساتها المالية والتشغيلية. كما أشارت البيانات المنشورة إلى أن القيمة العادلة لـ«مافن» بلغت 146 مليون جنيه، بينما تم الاستحواذ عليها عند 105 ملايين جنيه، وهي فجوة تسعيرية يقرأها المستثمرون عادة باعتبارها محاولة اقتناص أصل صناعي عند تقييم جاذب نسبيًا، لا مجرد شراء حصة مالية صامتة.

ماذا نعرف فعليًا عن الصفقة؟

التفاصيل المتاحة مهمة لأنها تمنح السوق أساسًا واقعيًا للتحليل. «إم بي للهندسة» قالت إن الصفقة أُنجزت بعد الدراسات اللازمة، بينما لعبت «سينرجي كابيتال» دور المستشار المالي الحصري، وحددت «إيجل كابيتال» القيمة العادلة للشركة. كذلك ذُكر أن «مافن» تأسست عام 2020 ضمن مجموعة التبارك للتشييد والأعمال الهندسية، وتملك طاقة إنتاجية تصل إلى 3500 طن. هذه الأرقام مهمة لأن السوق لا يتعامل مع شركة ناشئة على الورق، بل مع أصل إنتاجي قائم في صناعة الكابلات وأسلاك البناء.

الأهم أن المتابعة الأحدث لنتائج «إم بي للهندسة» أظهرت استمرار الرهان على الصفقة. ففي تغطية منشورة مطلع يونيو 2026، أُشير إلى أن هناك اتفاقًا بين «إم بي» وباقي أعضاء التحالف على ضخ 102 مليون جنيه لتمويل رأس المال العامل اللازم لتشغيل «مافن للكابلات الكهربائية». وهنا تظهر الإشارة الأهم: الاستحواذ لم يكن نهاية العملية، بل بدايتها. المستثمر المحترف يهتم عادةً بما يأتي بعد الشراء أكثر من خبر الشراء نفسه، لأن ضخ السيولة التشغيلية يعني أن هناك خطة لرفع الطاقة البيعية والإنتاجية، لا الاكتفاء بتسجيل أصل جديد في القوائم.

لماذا يهم ذلك لمتابعي «بورصة مصر»؟

في السوق المصرية، تتحرك أسهم القطاع الصناعي أحيانًا قبل ظهور الأثر الكامل في الأرباح، لأن المستثمرين يحاولون استباق دورة الأعمال. وصفقة «إم بي للهندسة» تفتح ثلاثة أسئلة في آن واحد:

  • هل بدأت الشركات المتوسطة في بناء كيانات أكثر تكاملًا داخل الصناعات الكهربائية؟
  • هل أصبح قطاع الكابلات هدفًا مفضلًا لعمليات الاستحواذ بسبب الطلب المتوقع من مشروعات الطاقة والتطوير العمراني؟
  • وهل يدفع ذلك المستثمرين إلى إعادة تسعير الشركات المقيدة المرتبطة بسلسلة القيمة نفسها؟

الإجابة المختصرة: ربما نعم، ولكن بشكل انتقائي وليس كموجة عشوائية تشمل كل الأسهم. فالصفقة نفسها تُظهر منطقًا صناعيًا واضحًا؛ «إم بي للهندسة» تعمل أصلًا في الأنظمة والمعدات الكهربائية ولوحات التوزيع وأجهزة الحماية والتحكم، وأكدت في مارس 2026 عند تدشين مجمعها الصناعي الجديد في السادات أن استثماراته التوسعية تتخطى 500 مليون جنيه، وأن المجموعة تتجه إلى تعميق التكامل في الصناعات الكهربائية، بما يشمل أيضًا الأسلاك والكابلات. هذا يعني أن الاستحواذ على «مافن» ليس حدثًا منفصلًا، بل جزء من بناء منصة صناعية أوسع.

هل نحن أمام موجة تجميع جديدة فعلًا؟

مصطلح «التجميع» في البورصة المصرية يُستخدم كثيرًا، لكنه لا يصبح دقيقًا إلا إذا ظهرت عدة مؤشرات متزامنة: صفقات استحواذ أو توسع رأسمالي، ارتفاعات تدريجية في السيولة المتداولة على الأسهم المرتبطة بالقطاع، وتحسن في السردية الاستثمارية حول القطاع نفسه. في حالة الصناعات الكهربائية، هناك بعض الشواهد التي تسمح بالحديث عن إشارة مبكرة، وليس عن موجة مؤكدة بعد.

أولًا، الصفقة تحمل منطق التكامل الرأسي، وهو ما يميل السوق إلى مكافأته عندما يكون قابلاً لترجمة سريعة في المبيعات. «إم بي للهندسة» كانت قد توقعت بعد الاستحواذ أن تتخطى مبيعاتها المليار جنيه خلال 2025 مستفيدة من هذه الخطوة. حتى لو اختلفت السرعة الفعلية لتحقق هذا الهدف، فإن الرسالة وصلت بوضوح: الشركة لا تشتري أصلًا هامشيًا، بل تبني قدرة أكبر على خدمة سوق الكهرباء والإنشاءات.

ثانيًا، القطاع نفسه يضم أسماء ثقيلة مثل «السويدي إليكتريك» و«الكابلات الكهربائية المصرية». النتائج المعلنة عن عام 2025 تكشف تباينًا مهمًا داخل القطاع؛ السويدي إليكتريك حققت إيرادات تقارب 281.05 مليار جنيه وصافي ربح بنحو 19.18 مليار جنيه، ما يعكس قوة نموذج الأعمال واتساع النشاط. في المقابل، أعلنت الكابلات الكهربائية المصرية تراجع صافي الربح المجمع إلى نحو 500.31 مليون جنيه في 2025 مقابل 1.32 مليار جنيه في 2024. هذا التباين يعني أن أي موجة تجميع، إن حدثت، ستبحث عن الشركات التي تملك قصة تحول أو إعادة هيكلة أو أصلًا تشغيليًا يمكن تحسينه، لا مجرد الانتماء الاسمي إلى القطاع.

من قد يستفيد أكثر داخل القطاع؟

1) الشركات ذات التكامل الصناعي

السوق عادة يفضل الكيانات التي تمتلك أكثر من نقطة داخل سلسلة القيمة: تصنيع، توزيع، خدمات، أو قدرة على تغذية مشروعات البنية التحتية. من هذه الزاوية، تبدو «إم بي للهندسة» في موقع يسمح لها بتحويل الاستحواذ إلى قصة نمو إذا نجحت في تشغيل «مافن» بكفاءة ورفع الاستفادة من طاقتها الإنتاجية.

2) الشركات ذات الأصول القابلة لإعادة التقييم

عندما تُنفذ صفقة عند سعر يقل عن القيمة العادلة المعلنة، يبدأ المستثمرون في البحث عن شركات أخرى ربما تتداول عند خصومات مشابهة، سواء بسبب ضعف التغطية البحثية أو بسبب تعثر تشغيلي مؤقت. هنا تظهر جاذبية بعض أسهم الصناعة الأقل وزنًا مقارنة بالأسهم القيادية.

3) الأسهم المرتبطة بالطلب المحلي على الكهرباء والتشييد

الطلب على الكابلات والمنتجات الكهربائية في مصر لا يتحدد فقط بحركة العقارات، بل أيضًا بمشروعات الطاقة، والمناطق الصناعية، وشبكات التوزيع، ومشروعات الإحلال والتجديد. لذلك فإن تقييم المستثمرين للقطاع يتأثر كثيرًا بتوقعات النشاط المحلي وليس بالأداء التاريخي فقط.

لكن لماذا قد لا تتحول الإشارة إلى موجة واسعة؟

هناك فارق بين صفقة دالة وبين اتجاه سوقي كامل. حتى الآن، ما نراه هو واقعة قوية من حيث الدلالة، لكن ليس بالضرورة أنها كافية وحدها لخلق موجة تجميع عامة في كل أسهم الصناعات الكهربائية المقيدة. السبب أن السوق المصري بات أكثر انتقائية؛ المستثمرون يفرقون بين شركة تشتري أصلًا لتكامل واضح وشركة لا تزال تفتقد التمويل أو الرؤية التشغيلية. كما أن نجاح الصفقة سيُقاس لاحقًا بمدى ظهور أثرها في الإيرادات، وهوامش الربح، والدورة النقدية، وليس بخبر الاستحواذ وحده.

كذلك فإن وجود شركات كبيرة راسخة مثل «السويدي إليكتريك» يجعل المقارنة صعبة أمام اللاعبين الأصغر، بينما تُظهر نتائج «الكابلات الكهربائية المصرية» أن القطاع نفسه ليس محصنًا ضد ضغوط الربحية وتقلبات التكلفة. لهذا قد يكون الأقرب للدقة القول إننا أمام بداية فرز جديدة داخل القطاع، أكثر من كوننا أمام صعود جماعي لكل الأسهم.

الخلاصة: إشارة مبكرة نعم.. لكن بشروط

استحواذ «إم بي للهندسة» على 51% من «مافن للكابلات الكهربائية» مع خطة ضخ 102 مليون جنيه في رأس المال العامل، وبعد صفقة قُيّمت فيها «مافن» عند 105 ملايين جنيه مقابل قيمة عادلة معلنة 146 مليون جنيه، يمثل بلا شك إشارة مبكرة تستحق الانتباه في بورصة مصر. الصفقة تقول إن هناك من يرى فرصًا حقيقية في تجميع الأصول الصناعية الكهربائية، خصوصًا تلك القابلة للتشغيل السريع والتكامل مع أنشطة قائمة.

لكن تحويل هذه الإشارة إلى موجة تجميع جديدة يتطلب ما هو أكثر من خبر واحد: نجاح تشغيلي واضح في «مافن»، وظهور صفقات شبيهة، وتحسن في سيولة التداول على الأسهم المرتبطة بالقطاع، مع استمرار الطلب المحلي على منتجات الكهرباء والكابلات. وحتى يحدث ذلك، يبقى السيناريو الأكثر واقعية هو أن السوق بدأت تعيد فتح الملف، ولكنها ستكافئ الشركات التي تقدم قصة نمو قابلة للقياس، لا تلك التي تكتفي بالانتماء إلى القطاع اسميًا.