الإقتصادي

استطلاع بنك أوف أمريكا: فقاعة الذكاء الاصطناعي تتصدر المخاطر

فقاعة الذكاء الاصطناعي في صدارة المخاطر.. لكن شهية المستثمرين لم تنكسر بعد

عاد ملف فقاعة الذكاء الاصطناعي إلى واجهة النقاش في الأسواق العالمية، بعد أن أظهر أحدث استطلاع مديري الصناديق العالمي الصادر عن بنك أوف أمريكا في يوليو 2026 أن هذا السيناريو أصبح أكبر خطر طرفي تخشاه الأسواق. وبحسب نتائج المسح الذي جرى بين 2 و9 يوليو، قال 45% من المشاركين إن الخطر الأكبر يتمثل في تضخم مبالغ فيه لرهان الذكاء الاصطناعي، متقدماً على مخاوف مثل موجة تضخم ثانية أو ارتفاع غير منظم في عوائد السندات الأمريكية.

المفارقة أن هذا التحذير جاء في وقت ارتفعت فيه معنويات المستثمرين إلى أعلى مستوى منذ فبراير 2026، مع تزايد الرهانات على نمو الاقتصاد العالمي، واستمرار الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب توقعات بسياسة نقدية أمريكية أقل تشدداً. كما انخفض متوسط حيازة النقد لدى مديري الصناديق إلى 3.6% مقابل 4.1% في يونيو، وهو مستوى يعتبره البنك منخفضاً للغاية ويُقرأ عادة كإشارة تحذيرية معاكسة في قياساته للسوق.

لماذا يهم هذا التطور للمستثمرين في الخليج والشرق الأوسط؟

رغم أن الاستطلاع يركز على مديري أموال عالميين، فإن تداعياته لا تقف عند وول ستريت. فأسواق الخليج، من الرياض إلى أبوظبي ودبي والدوحة، أصبحت أكثر اتصالاً بدورة السيولة العالمية وبأسهم التكنولوجيا الأمريكية، سواء عبر المحافظ الأجنبية، أو الصناديق السيادية، أو استثمارات الأفراد في المنصات الدولية، أو من خلال الشركات الإقليمية التي ترفع إنفاقها على مراكز البيانات والرقمنة والذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن الرسالة الأساسية ليست أن طفرة الذكاء الاصطناعي انتهت، بل أن التمركز المفرط في شريحة واحدة من السوق قد يرفع حساسية المحافظ لأي مفاجأة في الأرباح أو الإنفاق الرأسمالي أو أسعار الفائدة. وهذا مهم خصوصاً لمن يتابعون أسهم التكنولوجيا الأمريكية من المنطقة، أو يستثمرون في صناديق وأسهم خليجية ترتبط قصص نموها بالتحول الرقمي والبنية السحابية.

أسهم الرقائق في قلب الازدحام

النتيجة الأبرز الأخرى في المسح أن المراهنة على أسهم أشباه الموصلات العالمية أصبحت الصفقة الأكثر ازدحاماً في السوق، إذ وصفها 82% من المشاركين بأنها الأكثر تكدساً بين الرهانات الاستثمارية. هذه النسبة القياسية تعكس حجم الإجماع حول شركات الرقائق وموردي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه ترفع احتمالات جني الأرباح عند أول إشارة سلبية.

كما أظهرت نتائج أخرى مرتبطة بالمسح أن 48% من المستثمرين يرون أن الإنفاق الرأسمالي الضخم من شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة هو المصدر الأكثر احتمالاً لحدوث أزمة ائتمانية مستقبلية، بينما لا يتوقع 61% أن تعلن شركات الخدمات السحابية الكبرى خفضاً في إنفاقها خلال 2026. هذا التباين يوضح أن السوق لا تزال تؤمن بقصة النمو، لكنها باتت أكثر قلقاً من كلفة الوصول إليها.

هل يعني ذلك الخروج من التكنولوجيا؟

ليس بالضرورة. فالسؤال الذي يطرحه كثير من مديري المحافظ الآن ليس ما إذا كانت التكنولوجيا ستنهار، بل ما إذا كان الوقت مناسباً لـتدوير الأرباح من بعض الأسماء التي حققت قفزات ضخمة، باتجاه قطاعات أقل ازدحاماً وأكثر تنوعاً. الفارق هنا مهم: التحذير من الفقاعة لا يساوي حكماً بانتهاء الاتجاه، لكنه يعني أن تقييمات بعض الأسهم أصبحت تتطلب تنفيذًا تشغيلياً استثنائياً حتى تبرر أسعارها الحالية.

في هذا السياق، عاد اسم مايكل هارتنت، كبير استراتيجيي الاستثمار في بنك أوف أمريكا، إلى الواجهة في تغطيات الأسواق خلال 2026، مع تكرار تحذيراته من التمركز المفرط في الأصول عالية المخاطر. وتاريخياً، تحظى مذكرات فريقه بمتابعة واسعة لأنها تركز على التدفقات والسيولة والتموضع، وليس فقط على التقييمات التقليدية.

ماذا تعني “المخاطر الطرفية” عملياً؟

مصطلح المخاطر الطرفية أو Tail Risk يشير إلى حدث غير مرجح نسبياً لكنه شديد الأثر إذا وقع. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، لا يعني ذلك مجرد تراجع عادي في الأسعار، بل احتمال حدوث تصحيح واسع إذا تبين أن العوائد التجارية لا تواكب وتيرة الإنفاق، أو إذا تباطأت الشركات الكبرى في شراء الرقائق والخوادم، أو إذا شدد الاحتياطي الفيدرالي سياسته النقدية على نحو يفاجئ المستثمرين.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن يتزامن التفاؤل المرتفع مع الخوف المرتفع في الوقت نفسه. المستثمرون ما زالوا يراهنون على قوة النمو، لكنهم يدركون أن الارتفاعات الحادة غالباً ما تصنع نقاط هشاشة داخل السوق، خاصة حين يتركز الزخم في عدد محدود من الأسهم والقطاعات.

الزاوية الخليجية: كيف يقرأ المستثمر الإقليمي المشهد؟

في الخليج، لا تُقاس آثار هذا التطور فقط عبر الاستثمار المباشر في ناسداك أو الأسهم الأمريكية، بل أيضاً عبر انعكاساته على مزاج المستثمرين العالميين تجاه الأصول عالية النمو، وتمويل التكنولوجيا، والشركات المرتبطة بمراكز البيانات والطاقة والبنية التحتية الرقمية. كما أن أي تصحيح قوي في أسهم الذكاء الاصطناعي قد يدفع جزءاً من السيولة إلى قطاعات دفاعية أو إلى أسواق ذات توزيعات نقدية أعلى، وهو ما قد يصب في مصلحة بعض الأسهم القيادية في المنطقة.

ومن ناحية أخرى، فإن استمرار الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي يظل داعماً غير مباشر لقطاعات إقليمية مثل الطاقة، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والاتصالات، خصوصاً مع تسارع مشاريع مراكز البيانات في الشرق الأوسط. لذلك فإن القراءة المتوازنة للمشهد لا تضع المنطقة خارج قصة الذكاء الاصطناعي، بل داخلها ولكن من زاوية مختلفة: زاوية المستفيد من الدورة الاستثمارية، لا فقط المشتري لأسهمها المرتفعة.

ما الذي يجب متابعته في المرحلة المقبلة؟

بالنسبة للمستثمرين، هناك عدة مؤشرات تستحق المراقبة خلال النصف الثاني من 2026:

  • نتائج أعمال شركات الرقائق والحوسبة السحابية، لأن أي تباطؤ في نمو الإيرادات قد يضغط على التقييمات سريعاً.
  • خطط الإنفاق الرأسمالي لدى الشركات العملاقة المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، إذ إن السوق بنت جزءاً كبيراً من تفاؤلها على استمرار هذا الإنفاق.
  • عوائد السندات الأمريكية، لأن ارتفاعها يضعف جاذبية أسهم النمو ذات التقييمات المرتفعة.
  • اتجاهات السيولة العالمية، خاصة بعدما هبطت مستويات النقد في المحافظ إلى مستويات متدنية.
  • أداء أسواق الخليج إذا ما بدأت التدفقات العالمية في البحث عن تنويع جغرافي وقطاعي خارج التكنولوجيا الأمريكية المكتظة.

الخلاصة

رسالة استطلاع بنك أوف أمريكا ليست دعوة مذعورة للهروب من التكنولوجيا، بل تنبيه واضح إلى أن الرهان الأكثر ازدحاماً في السوق أصبح أيضاً الخطر الأكبر في نظر المستثمرين. وفي عالم الاستثمار، هذه التركيبة تستحق الانتباه. فمن يملك أرباحاً كبيرة في أسهم التكنولوجيا قد يفكر في إعادة التوازن، لا الخروج الكامل؛ ومن يبحث عن فرص جديدة قد يجد في أسواق الخليج والشرق الأوسط بعض البدائل الأقل تزاحماً والأكثر ارتباطاً بالاقتصاد الحقيقي.

بعبارة أبسط: قصة الذكاء الاصطناعي لم تنتهِ، لكن السوق باتت تسأل عن السعر المناسب للمستقبل. وهذا هو السؤال الذي سيحدد ما إذا كان النصف الثاني من 2026 سيشهد استمرار الصعود، أم بداية تدوير أوسع للأرباح بعيداً عن أكثر الزوايا سخونة في السوق.