«إس كيه هاينكس» تضخ 38.3 مليار دولار لتوسيع مصانع الرقائق
استثمار ضخم يعكس ثقة متزايدة في دورة الذكاء الاصطناعي
دخلت شركة إس كيه هاينكس الكورية الجنوبية مرحلة جديدة من التوسع الرأسمالي بعد موافقة مجلس إدارتها على استثمارات تصل إلى 54.3 تريليون وون، بما يعادل نحو 38.3 مليار دولار، تُنفذ حتى عام 2031. وتأتي الخطة في وقت يشهد فيه سوق أشباه الموصلات العالمي سباقًا محمومًا لزيادة الطاقة الإنتاجية، مع الارتفاع القوي في الطلب على رقائق الذاكرة المستخدمة في خوادم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
وبحسب التفاصيل المعلنة، يتضمن القرار تخصيص 35.2 تريليون وون للمرحلة الثانية من مشروع الشركة في يونغين، إلى جانب 19.1 تريليون وون لمصنع M17 في تشيونغجو. هذه الأرقام تضع الشركة في صدارة الموجة الاستثمارية الجارية في قطاع الرقائق، خصوصًا في مجال الذواكر المتقدمة مثل HBM وشرائح NAND، وهما من أهم المنتجات المرتبطة بازدهار تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ما الذي ستبنيه الشركة في يونغين وتشيونغجو؟
في يونغين، كانت الشركة قد أعلنت في يوليو 2024 موافقة مجلس الإدارة على استثمار أولي بنحو 9.4 تريليون وون لتشييد أول مصنع ومرافق التشغيل الأساسية ضمن مجمع أشباه الموصلات هناك. ويقع المشروع على مساحة 4.15 مليون متر مربع في وونسام-ميون بمقاطعة غيونغغي، وتخطط الشركة لإقامة أربعة مصانع متطورة داخل المجمع، إضافة إلى مجمع تعاون صناعي يضم أكثر من 50 شركة محلية صغيرة. كما تستهدف بدء بناء المصنع الأول في مارس 2025 واستكماله في مايو 2027، مع تركيز الإنتاج على الجيل التالي من شرائح DRAM بما في ذلك HBM.
أما في تشيونغجو، فقد كشفت الشركة في 2 يوليو 2026 عن خطة أوسع لتوجيه 100 تريليون وون إلى المنطقة، تشمل 80 تريليون وون لمصنع M17 لإنتاج NAND، و20 تريليون وون لمنشأة التغليف المتقدم P&T7 ومرافق أخرى. ووفق الخطة، من المنتظر اكتمال P&T7 بنهاية 2027، بينما يبدأ تشغيل M17 في النصف الأول من 2029. ومن ثم فإن الموافقة الجديدة على 19.1 تريليون وون لمصنع M17 تمثل خطوة تنفيذية ملموسة داخل هذا الإطار الاستثماري الأكبر.
لماذا تنفق «إس كيه هاينكس» بهذه القوة الآن؟
السبب الرئيسي واضح: الطلب العالمي على ذاكرة الذكاء الاصطناعي لا يزال أعلى من المعروض. الرئيس التنفيذي للشركة كواك نو-جونغ قال في يوليو 2026 إن صناعة الذاكرة تتجه إلى أسوأ نقص إمدادات في عام 2027، مع توقع استمرار تجاوز الطلب للقدرة الإنتاجية حتى ما بعد 2030. هذه الرؤية لا تخص إس كيه هاينكس وحدها، بل تعكس اتجاهًا أوسع في السوق، حيث تتسابق شركات التقنية الكبرى لتأمين إمدادات كافية من الرقائق اللازمة لتوسيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
بالنسبة للقارئ المصري المتابع للأسواق العالمية، فإن أهمية هذا التطور لا تتعلق بكوريا الجنوبية فقط، بل تمتد إلى سلاسل الإمداد وأسعار التكنولوجيا عالميًا. فكلما استمرت شركات مثل إنفيديا وموفرو الحوسبة السحابية في زيادة إنفاقهم على الخوادم ومراكز البيانات، ارتفعت الحاجة إلى شرائح الذاكرة عالية الأداء. وهذا ما يفسر استعداد شركات الرقائق لإنفاق عشرات المليارات قبل سنوات من بدء التشغيل الكامل للمصانع الجديدة.
الأرباح القوية تدعم شهية التوسع
اللافت أن القرار الاستثماري جاء بعد فترة مالية قوية للشركة. ففي نتائج الربع الثاني المعلنة في 29 يوليو 2026، سجلت إس كيه هاينكس قفزة كبيرة في الربحية بفضل الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي، وقالت إنها تعتزم رفع الإنفاق الرأسمالي هذا العام إلى مستوى يقع في نهاية نطاق الأربعين تريليون وون، مقارنة مع 30.2 تريليون وون في 2025. كما بلغ صافي النقد لدى الشركة 88 تريليون وون بنهاية يونيو 2026، مع استهداف تجاوزه 100 تريليون وون لاحقًا لتعزيز المرونة التشغيلية وتلبية طلب العملاء.
هذه المؤشرات مهمة للمستثمرين لأنها تعني أن الشركة لا تعتمد فقط على الاقتراض أو الوعود المستقبلية، بل تتحرك من موقع مالي قوي نسبيًا. صحيح أن أسهم شركات الرقائق تتعرض لتذبذبات حادة مع أي شكوك حول استدامة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، إلا أن إدارة إس كيه هاينكس تراهن بوضوح على أن الطلب الهيكلي سيظل داعمًا لسنوات.
ماذا يعني مشروع يونغين لسوق الرقائق الكوري؟
مشروع يونغين ليس مجرد توسع صناعي تقليدي، بل يمثل جزءًا من استراتيجية كوريا الجنوبية للحفاظ على مكانتها كقوة كبرى في صناعة الذاكرة. الشركة وصفت المجمع سابقًا بأنه قاعدة إنتاج عالمية لرقائق الذكاء الاصطناعي، مع بنية تحتية تشمل مرافق معالجة المياه ومحطات الكهرباء والمخازن ومبانٍ داعمة للأعمال، فضلًا عن Mini-fab مخصص لمساعدة الشركات الصغيرة على تطوير واختبار تقنياتها في بيئة تحاكي خطوط الإنتاج الحقيقية.
ومن منظور الأسواق العالمية، فإن هذا النوع من التجمعات الصناعية يقلل مخاطر الاختناقات في سلاسل التوريد، ويرفع كفاءة الإنتاج، ويدعم الابتكار المحلي. كما أنه يمنح إس كيه هاينكس قدرة أفضل على التوسع التدريجي وفق تطور الطلب، بدلًا من الاعتماد على منشآت متفرقة أقل ترابطًا.
تشيونغجو.. رهان على NAND والتغليف المتقدم
إذا كانت يونغين تمثل رهان الشركة على الجيل التالي من DRAM وHBM، فإن تشيونغجو تبدو ركيزة التوسع في NAND والتغليف المتقدم. الشركة أوضحت أن الموقع يتمتع بميزة جاهزية البنية الأساسية من كهرباء ومياه وأرض صناعية، إلى جانب إمكان التنسيق مع مصانعها القائمة بالفعل هناك. وتؤكد الإدارة أن الطلب على وحدات SSD للمؤسسات وشرائح NAND يزداد بالتوازي مع التوسع في خدمات الذكاء الاصطناعي، وليس فقط مع سوق الهواتف أو الأجهزة الاستهلاكية كما كان الحال سابقًا.
هذا التحول مهم لأن نمو NAND لم يعد قصة تخزين تقليدية فقط، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمتطلبات تشغيل النماذج الذكية، وتخزين البيانات، ورفع كفاءة مراكز البيانات. لذلك فإن مصنع M17 ليس مشروعًا دفاعيًا، بل محاولة لاقتناص حصة أكبر من دورة نمو جديدة في سوق الذاكرة.
كيف يقرأ المستثمرون هذه الخطوة؟
في أسواق المال، عادة ما تُقرأ الاستثمارات بهذا الحجم بطريقتين: الأولى إيجابية، وتعتبرها إشارة ثقة من الإدارة في استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي؛ والثانية أكثر حذرًا، إذ ترى أن توسيع الطاقة الإنتاجية قد يخلق لاحقًا ضغوطًا إذا تباطأ الطلب. لكن ما يرجح الكفة لصالح القراءة الأولى حاليًا هو أن هذه المشروعات لن تضيف طاقة فورية إلى السوق، بل ستدخل الخدمة على مراحل بين 2027 و2029 وما بعدها، وهو ما يمنح الشركة وقتًا لمواءمة المعروض مع احتياجات السوق.
وبالنسبة لمتابعي قطاع التكنولوجيا في مصر والمنطقة، فإن مثل هذه القرارات تساعد أيضًا في فهم اتجاهات الشركات العالمية المدرجة في الأسواق الكبرى، خاصة أن أداء شركات الرقائق بات يؤثر في سلاسل أوسع تمتد إلى السحابة، والهواتف، والخوادم، وحتى الشركات الناشئة العاملة في الذكاء الاصطناعي.
الخلاصة
موافقة مجلس إدارة إس كيه هاينكس على إنفاق 54.3 تريليون وون حتى 2031 ليست مجرد توسعة صناعية، بل إعلان واضح عن أن الشركة ترى في موجة الذكاء الاصطناعي تحولًا طويل الأمد، لا طفرة عابرة. بين يونغين وتشيونغجو، تبني الشركة خطوط دفاعها وهجومها معًا: DRAM وHBM في جانب، وNAND والتغليف المتقدم في جانب آخر. وفي سوق عالمي يتسم بشدة المنافسة وارتفاع المخاطر، تبدو الرسالة الأبرز أن معركة الرقائق لم تعد تدور فقط حول التكنولوجيا، بل أيضًا حول من يملك الجرأة والملاءة لتمويل المستقبل مبكرًا.