الإقتصادي

إعفاءات الضرائب تعيد تقييم أسهم السمسرة وصُنّاع السوق

لماذا أصبحت «مصلحة الضرائب المصرية» في قلب قصة التقييم الجديدة؟

أعادت الحزمة الضريبية الأخيرة التي أعلنتها مصلحة الضرائب المصرية (@tax_egypt على إنستغرام) فتح ملف تسعير أسهم شركات السمسرة وصُنّاع السوق في البورصة المصرية، بعدما أكدت المصلحة ضمن الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية التحول في معاملة التعاملات على الأوراق المالية المقيدة من ضريبة الأرباح الرأسمالية إلى ضريبة الدمغة النسبية، مع طرح مزايا تستهدف تشجيع القيد وزيادة التداول والاستثمار المؤسسي. وقدمت رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من سياسة أوسع يقودها وزير المالية أحمد كجوك لتخفيف الأعباء وتبسيط التحصيل ودعم الثقة مع مجتمع الأعمال.

الأهمية هنا لا تتوقف عند الجانب القانوني أو الضريبي فقط؛ فأسهم شركات السمسرة وصُنّاع السوق تُسعَّر في العادة بناءً على توقعات النشاط، أحجام التداول، استقرار القواعد الضريبية، وسهولة تنفيذ الاستراتيجيات القصيرة والسريعة. لذلك فإن أي تغيير يرفع وضوح الرؤية الضريبية أو يخفض «احتكاك» التداول يمكن أن ينعكس مباشرة على مضاعفات الربحية والقيمة الدفترية التي يمنحها المستثمرون لهذه الشركات.

ما الذي تغيّر فعليًا في الحزمة الجديدة؟

بحسب ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية في 15 ديسمبر 2025، فإن أبرز ما يخص سوق المال هو استبدال المحاسبة الضريبية لنشاط التصرف في الأوراق المالية المقيدة ببورصة الأوراق المالية إلى ضريبة الدمغة النسبية بدلًا من ضريبة الأرباح الرأسمالية، مع تقديم مزايا لتشجيع قيد الشركات بالبورصة لمدة ثلاث سنوات. كما نقلت بيانات حكومية لاحقة عن وزير المالية أحمد كجوك أن الحزمة تستهدف أيضًا خفض الأعباء وتحفيز الاستثمار والتداول في السوق.

بالنسبة لشركات السمسرة، هذا التحول مهم لأن ضريبة الدمغة، رغم كونها تكلفة مباشرة على التعامل، أكثر وضوحًا وسهولة في التطبيق والتحصيل من ضريبة ترتبط بحساب الأرباح والخسائر الرأسمالية، وهي نقطة كانت مثار نقاش طويل في السوق. أما بالنسبة لصانع السوق، فإن الإعفاء من ضريبة الدمغة على نشاطه تحديدًا يعني تراجع تكلفة توفير السيولة والالتزام بعرض أسعار شراء وبيع مستمرين، وهو ما يرفع كفاءة نموذج العمل نفسه إذا طُبق تشريعيًا وتنفيذيًا بالصورة المعلنة.

كيف ينعكس ذلك على تسعير أسهم السمسرة؟

1) رفع توقعات أحجام التداول

سهم شركة السمسرة يُسعّر غالبًا كوظيفة مباشرة في العمولات × عدد العمليات × قيم التداول. وإذا خف العبء الضريبي وازدادت بساطة المعاملة، فالسوق يفترض عادة تحسنًا في شهية المستثمرين وارتفاع دوران المحافظ، خصوصًا لدى الأفراد والمؤسسات المحلية. الأرقام الأخيرة من تقرير الهيئة العامة للرقابة المالية عن الربع الرابع 2025 تعطي خلفية داعمة: قيمة تداول الأسهم قفزت إلى 456.9 مليار جنيه في أكتوبر-ديسمبر 2025 مقابل 115.7 مليار جنيه في الفترة نفسها من 2024، بينما ارتفع إجمالي قيمة التداول في الأوراق المالية إلى 4.905 تريليون جنيه بزيادة 17.46%.

2) تقليص «خصم عدم اليقين» في التقييم

الأسواق تعاقب دائمًا القطاعات التي تعمل تحت قواعد ضريبية معقدة أو قابلة للتغيير. وعندما تعلن مصلحة الضرائب المصرية بصورة مباشرة إطارًا أوضح لسوق المال، ينخفض ما يمكن وصفه بـ«خصم عدم اليقين» الذي كان يضغط على تقييم شركات الوساطة. هذا لا يعني صعودًا آليًا لكل الأسهم، لكنه يعني أن المستثمر قد يقبل مضاعف ربحية أعلى نسبيًا لشركة يراها مستفيدًا واضحًا من نمو التنفيذات.

3) تحسن هوامش الربحية للشركات الأكثر نشاطًا

الشركات التي تعتمد على كثافة التداول، وخدمات التداول الإلكتروني، وتغطية شريحة واسعة من العملاء الأفراد، ستكون غالبًا أول المستفيدين. كل زيادة في النشاط اليومي يمكن أن تنعكس بسرعة على الإيرادات، بينما تبقى قاعدة كبيرة من المصروفات شبه ثابتة، ما يرفع الرافعة التشغيلية. ولهذا قد تعيد السوق التمييز بين شركات سمسرة «الكتلة الكبيرة» والشركات الأصغر ذات الحصة المحدودة.

ولماذا يُعد الأثر أكبر على صُنّاع السوق؟

صانع السوق لا يربح فقط من اتجاه السعر، بل من إدارة الفارق السعري والسيولة والمخزون. وحين يُعفى نشاطه من ضريبة الدمغة، فإن تكلفة تنفيذ عدد كبير من العمليات المتقابلة تنخفض، وهو ما يغير اقتصاديات النشاط بالكامل. ذلك قد ينعكس في ثلاث صور:

  • تضييق الفارق بين سعري الشراء والبيع لأن التكلفة الضريبية على التدوير السريع تنخفض.
  • زيادة الاستعداد لتغطية أسهم أكثر خاصة الأقل سيولة أو الأحدث قيدًا.
  • تحسن العائد على رأس المال المستخدم في النشاط، وهو عنصر رئيسي في تقييم الشركات التي تمارس صناعة السوق.

الهيئة العامة للرقابة المالية كانت قد نظمت في ديسمبر 2025 ورشة عمل تفاعلية حول نشاط صانع السوق والشورت سيلنج بمشاركة ممثلين من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وشركات الوساطة، وشركة مصر للمقاصة، والاتحاد المصري للأوراق المالية. مجرد هذا التحرك التنظيمي، بالتوازي مع التسهيلات الضريبية، يرسل إشارة أن السوق المصرية تريد دفع البنية المؤسسية للتداول، لا الاكتفاء بانتعاشات سيولة قصيرة.

السوق نفسها تعطي إشارات على قابلية الاستفادة

من الصعب فصل الأثر الضريبي عن السياق السوقي الأوسع. فبحسب تقرير الرقابة المالية للربع الرابع 2025، أغلق مؤشر EGX30 عند 41,829 نقطة بنهاية ديسمبر 2025 مقابل 29,740.58 نقطة بنهاية ديسمبر 2024، بارتفاع 40.65%. كما ارتفع رأس المال السوقي للأسهم المقيدة إلى نحو 2.999 تريليون جنيه بزيادة 38.21% على أساس سنوي، وسجل عدد المكودين الجدد نحو 299 ألف مكود بنهاية 2025 مقابل حوالي 230 ألفًا بنهاية 2024.

هذه الأرقام مهمة لأن الإعفاءات وحدها لا تصنع قصة استثمارية إذا لم تجد سوقًا قابلة لاستقبال سيولة جديدة. لكن حين تأتي الحوافز الضريبية في لحظة توسع في قاعدة المستثمرين وارتفاع في المؤشرات وأحجام التنفيذ، يصبح من الأسهل على المستثمر أن يبني سيناريوهات أكثر تفاؤلًا لإيرادات شركات السمسرة وصُنّاع السوق.

من الأسهم الأكثر استفادة نظريًا؟

من منظور تسعيري بحت، الأكثر استفادة ليست كل الشركات المالية بالتساوي، بل الشركات التي تتوافر فيها بعض الخصائص:

  • حصة سوقية واضحة في تنفيذات الأسهم، وليس الاعتماد على أنشطة ثانوية فقط.
  • ذراع نشط لصناعة السوق أو القدرة على إضافته بعد تحسن البيئة التنظيمية والضريبية.
  • منصات تداول إلكتروني قوية تستفيد من زيادة دوران المحافظ.
  • قاعدة رأسمالية كافية لتحمل التوسع في أنشطة السيولة والتمويل المرتبطة بالسوق.

في المقابل، قد يكون الأثر أبطأ على الشركات التي تتركز أعمالها في الاستشارات أو الترويج والتغطية دون حضور قوي في التنفيذات اليومية.

هل انتهت المخاطر؟ بالتأكيد لا

رغم الإشارات الإيجابية، يبقى التسعير النهائي لأسهم السمسرة وصُنّاع السوق رهين عدة عوامل: سرعة صدور وتفعيل التعديلات التنفيذية، اتساع قاعدة الأسهم التي تستفيد فعليًا من صناعة السوق، استمرار تحسن السيولة، واتجاه أسعار الفائدة محليًا. كما أن المستثمر سيظل يراقب ما إذا كانت الحزمة الضريبية ستترجم إلى زيادة مستدامة في التداول، أم مجرد دفعة معنوية مؤقتة.

لكن الخلاصة الأهم لقراء «بورصة مصر» أن مصلحة الضرائب المصرية لم تعد مجرد جهة جباية في هذه القصة؛ بل أصبحت عنصرًا مباشرًا في إعادة صياغة افتراضات الربحية والتقييم داخل قطاع الوساطة المالية. وإذا استكملت السوق الحلقة التنظيمية والتشغيلية، فقد تتحول إعفاءات صانع السوق وإعفاء الأرباح الرأسمالية للأسهم المقيدة من مجرد خبر ضريبي إلى نقطة انعطاف في تسعير شركات السمسرة نفسها.