إعفاء أرباح الأسهم المقيدة: هل تنتقل السيولة فعلًا إلى EGX؟
مصلحة الضرائب المصرية في صدارة المشهد: ما الذي تغيّر فعليًا؟
أعاد إعلان مصلحة الضرائب المصرية في 3 أغسطس 2026 ملف المعاملة الضريبية لتداولات البورصة إلى الواجهة، بعد تأكيد إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع الاكتفاء بضريبة الدمغة النسبية. هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل جاء ضمن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية التي قادتها وزارة المالية بالتنسيق مع المصلحة والجهات المنظمة للسوق، وفي مقدمتها الهيئة العامة للرقابة المالية.
الرسالة الأساسية من هذا التحرك كانت واضحة: الدولة تريد إزالة أحد أكثر الملفات إرباكًا للمستثمرين خلال السنوات الماضية، وهو ملف ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأسهم المقيدة، واستبداله بآلية أبسط في التحصيل وأوضح في التكلفة. رئيسة مصلحة الضرائب المصرية رشا عبد العال أكدت في أكثر من مناسبة خلال 2026 أن الهدف هو تبسيط الإجراءات وتحفيز الاستثمار المؤسسي وتنشيط سوق المال، تنفيذًا لتوجيهات وزير المالية أحمد كجوك.
لماذا يُنظر إلى القرار باعتباره مهمًا للبورصة المصرية؟
أهمية القرار لا تتعلق فقط بنسبة الضريبة، بل بطبيعة الضريبة نفسها. ضريبة الأرباح الرأسمالية كانت ترتبط بحساب الربح والخسارة وتوقيت البيع وسعر الشراء وتسويات تكلفة الاقتناء، وهي عناصر تفتح الباب لتعقيدات محاسبية وتنفيذية ونزاعات تفسيرية. أما ضريبة الدمغة، فهي تُحصّل مباشرة على العملية نفسها، بيعًا وشراءً، بما يجعلها أكثر سهولة في التطبيق عبر جهة التسوية.
التعديلات التي نوقشت برلمانيًا في يونيو 2026 ثم جرى تأكيدها لاحقًا تضمنت توحيد المعاملة بين المقيمين وغير المقيمين بفرض 0.5 في الألف على المشتري و0.5 في الألف على البائع على إجمالي عمليات بيع وشراء الأوراق المالية المقيدة، مع خفض الضريبة إلى 0.25 في الألف لكل طرف في التداولات التي تتم في ذات اليوم، وهو بند مهم جدًا لشرائح المتعاملين النشطين والتداول اليومي.
ماذا قالت المصادر الرسمية؟
مصلحة الضرائب المصرية أوضحت ضمن الحزمة الثانية أن استبدال المحاسبة الضريبية لنشاط التصرف في الأوراق المالية المقيدة ببورصة الأوراق المالية إلى ضريبة الدمغة النسبية بدلًا من ضريبة الأرباح الرأسمالية يستهدف دعم الاستثمار المؤسسي. كما أشار مجلس النواب عند الموافقة النهائية في 23 يونيو 2026 إلى أن الدولة سبق أن أصدرت على مدار السنوات الماضية عدة قوانين لوقف أو تجاوز الضريبة المفروضة على الأرباح الرأسمالية، ما يعكس أن الملف ظل محل مراجعة مستمرة حتى الوصول إلى الصيغة الحالية.
هل يكفي الإعفاء وحده لتحويل السيولة إلى EGX؟
هنا تبدأ الإجابة الأكثر واقعية. نظريًا، القرار إيجابي جدًا لأنه يزيل عنصرًا كان كثير من المستثمرين يعتبرونه مصدر ضبابية. لكن عمليًا، تحوّل السيولة إلى البورصة المصرية EGX لا يحدث بقرار ضريبي فقط، بل يحتاج إلى اجتماع عدة عوامل في وقت واحد:
- سرعة صدور القواعد التنفيذية الواضحة حتى لا يبقى السوق في منطقة انتظار.
- وضوح آليات التحصيل والتسوية لدى شركات السمسرة وأمناء الحفظ والجهات القائمة على التسوية.
- استقرار تشريعي يطمئن المستثمر إلى أن المعاملة الضريبية الجديدة لن تتبدل سريعًا.
- توافر قصص استثمارية جاذبة داخل السوق نفسه، عبر طروحات جديدة وشركات ذات ربحية ونمو.
- تحسن بدائل السيولة مقارنةً بعوائد أدوات الدخل الثابت وأسعار الفائدة.
بمعنى آخر، الإعفاء الضريبي قد يكون شرطًا لازمًا لتحسين جاذبية السوق، لكنه ليس دائمًا شرطًا كافيًا بمفرده لإطلاق موجة سيولة مستدامة.
الأرقام تقول ماذا عن سيولة السوق قبل التطبيق الكامل؟
البيانات المتداولة عن أداء السوق في 2026 تشير إلى أن النشاط لم يكن غائبًا أصلًا. خلال الربع الثاني من 2026 بلغ إجمالي قيمة التداول نحو 6.914 تريليون جنيه، مع تداول نحو 154.375 مليار ورقة مالية من خلال 12.083 مليون عملية. هذه الأرقام تعكس أن السوق يمتلك قاعدة نشاط، لكنها لا تحسم وحدها مسألة استدامة السيولة واتجاهها، لأن جزءًا معتبرًا من القيمة قد يرتبط بأدوات الدين أو تداولات قصيرة الأجل، وليس فقط باستثمار طويل الأمد في الأسهم.
من هنا، فإن السؤال ليس هل توجد سيولة أصلًا، بل هل ستتجه سيولة أكبر إلى الأسهم المقيدة تحديدًا بعد إزالة عبء الأرباح الرأسمالية؟ الإجابة الأقرب هي: نعم، لكن بصورة تدريجية وعلى الأرجح لصالح الشرائح الأكثر حساسية للتكلفة والوضوح، مثل المؤسسات، ومديري المحافظ، والمتعاملين قصيري الأجل.
لماذا تبقى سرعة التطبيق هي كلمة السر؟
الأسواق لا تتفاعل فقط مع نص القانون، بل مع موعد نفاذه، وكيفية تفسيره، ومدى جاهزية البنية التشغيلية لتطبيقه. لذلك، فإن الأثر الإيجابي الكامل للقرار سيظل مرهونًا بسرعة انتقاله من إعلان ورسائل طمأنة إلى إجراءات تشغيلية محسومة يفهمها المستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء.
هذا مهم خصوصًا لأن أحد أسباب الانتقادات السابقة لملف الضرائب على التداولات كان تكرار التعديلات وتأجيلات التطبيق على مدار سنوات. لذلك، المستثمر لا يريد فقط عنوانًا إيجابيًا، بل يريد يقينًا تشريعيًا وتنفيذيًا. وكلما تسارعت وتيرة التفعيل، زادت احتمالات أن يتحول القرار من خبر جيد إلى محرّك فعلي للسيولة.
ما الذي يعزز فرص النجاح السريع؟
- إصدار تعليمات تنفيذية مبكرة ومفصلة من الجهات المعنية.
- التواصل المستمر من مصلحة الضرائب المصرية مع مجتمع الاستثمار وشركات السمسرة.
- تأكيد عدم الازدواج الضريبي على الأدوات والعمليات المتداخلة.
- تفعيل حوافز موازية مثل دعم صانع السوق، وحوافز القيد، وتوسيع قاعدة الطروحات.
من الرابح الأكبر؟
الرابح الأول من الناحية النظرية هو السوق المنظم نفسه. فكلما أصبحت تكلفة التداول أوضح وأبسط، ارتفعت القدرة على جذب عمليات كانت تتردد أو تفضل الانتظار. كما أن نشاط التداول اليومي يستفيد مباشرة من خفض الضريبة إلى 0.25 في الألف لكل طرف في العمليات المنفذة خلال الجلسة نفسها، وهو ما قد ينعكس على زيادة معدل الدوران والسيولة اللحظية.
أيضًا، تستفيد الأسهم المقيدة مقارنة ببدائل استثمارية أخرى داخل سوق المال إذا شعر المستثمر بأن كلفة الدخول والخروج باتت أكثر قابلية للحساب. أما الرسالة الأوسع فهي أن وزارة المالية ومصلحة الضرائب المصرية تتحركان في اتجاه أكثر قربًا من مطالب السوق، وهو عنصر نفسي مهم في استعادة الثقة.
الخلاصة: القرار إيجابي.. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإعلان
إعفاء الأرباح الرأسمالية للأسهم المقيدة والاكتفاء بضريبة الدمغة يمثل تحولًا مهمًا في سياسة مصلحة الضرائب المصرية تجاه البورصة، ويعالج نقطة ظلّت شائكة لسنوات. القرار يحمل بالفعل مقومات دعم سيولة البورصة المصرية، خصوصًا مع توحيد المعاملة بين المستثمرين، وتبسيط التحصيل، وتخفيف العبء على التداول اليومي.
لكن في المقابل، فإن التحول الفعلي للسيولة إلى EGX لن يُقاس بالترحيب الأولي وحده، بل بما إذا كانت السوق ستشهد تطبيقًا سريعًا وواضحًا ومستقرًا يترجمه المستثمر إلى قرارات شراء وبيع يومية. لذلك يمكن القول إن الأثر بدأ سياسيًا وتشريعيًا، أما اختباره الاقتصادي الحقيقي فسيظهر مع سرعة التنفيذ، وقدرة الجهات المعنية على تحويل التسهيل الضريبي إلى ميزة تنافسية دائمة لسوق المال المصري.