إعفاء أسهم EGX ضريبيًا: كيف تعيد الحزمة الثانية تسعير الجاذبية؟
الحزمة الثانية تضع «مصلحة الضرائب المصرية» في قلب قصة البورصة
جاء إعلان 3 أغسطس 2026 ليمنح ملف سوق المال المصري دفعة جديدة من بوابة مصلحة الضرائب المصرية، لا من بوابة التداول وحدها. فجوهر الرسالة كان واضحًا: إعادة ترتيب المعاملة الضريبية للأوراق المالية بما يخفف التعقيد، ويقلل مخاطر الازدواج الضريبي، ويمنح الشركات حافزًا أكثر مباشرة للنظر إلى البورصة المصرية EGX كمنصة تمويل وتوسع، لا مجرد شاشة أسعار.
الملف لم يعد نقاشًا نظريًا حول «ضريبة أفضل» وأخرى «أسوأ»، بل تحول إلى حزمة تشريعية وتنفيذية مرتبطة بمسار أوسع تقوده وزارة المالية ومصلحة الضرائب. رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، كانت في صدارة هذا الخطاب المؤسسي بوصفها الواجهة التنفيذية للرسالة الجديدة: إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، والاكتفاء بضريبة الدمغة النسبية، مع حوافز مرتبطة بقيد الشركات، وتعديلات تستهدف القضاء على الازدواج الضريبي ودعم نشاط صانع السوق.
ماذا تغيّر فعليًا في معاملة الأسهم المقيدة؟
وفق ما أعلنته رئيس مصلحة الضرائب المصرية في 26 يوليو 2026، فإن التعديلات شملت قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 وقانون ضريبة الدمغة رقم 111 لسنة 1980، ونصت على إعفاء الأرباح الرأسمالية للأسهم والأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، على أن تظل هذه التعاملات خاضعة فقط لضريبة الدمغة النسبية. كما تم إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة، واستبعاد عمليات بيع الأوراق المالية غير المقيدة من الخضوع للدمغة مع الإبقاء على خضوعها لضريبة الدخل، إلى جانب وضع آلية أوضح لاحتساب تكلفة الاقتناء في غير المقيد.
ومن الناحية التطبيقية، كانت لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب قد وافقت في 18 يونيو 2026 على مشروع تعديل قانون الدمغة بما يستبدل ضريبة الأرباح الرأسمالية على الأوراق المالية المقيدة بضريبة دمغة نسبية. وأبرز ما ورد في الصياغة التي نوقشت برلمانيًا هو فرض 0.5 في الألف على المشتري و0.5 في الألف على البائع في تعاملات الأوراق المالية المقيدة، مع خفض الضريبة إلى 0.25 في الألف لكل طرف في التعاملات ذات اليوم الواحد T+0، وإلزام الجهة المسؤولة عن التسوية بحجز الضريبة وتوريدها خلال خمسة أيام من بداية الشهر التالي.
لماذا يُعد هذا التحول مهمًا لجاذبية البورصة؟
1) لأنه يعيد تسعير تكلفة الاستثمار
المستثمر، سواء كان فردًا أو مؤسسة، يقارن دائمًا بين العائد المتوقع وسهولة التنفيذ ووضوح القواعد. ضريبة الأرباح الرأسمالية، حتى عندما لا تكون مطبقة فعليًا بشكل كامل، تظل عنصر عدم يقين مؤثرًا على قرارات المحافظ الاستثمارية. أما ضريبة الدمغة فهي أبسط في الفهم والتحصيل، ومربوطة بحركة التنفيذ نفسها، وهو ما يزيل طبقة من التعقيد كانت حاضرة في حسابات المستثمرين المحليين والأجانب.
2) لأنه يعالج ملف الازدواج الضريبي
أحد أهم محاور الحزمة الثانية، كما عرضته مصلحة الضرائب، هو القضاء على الازدواج الضريبي المتعلق بتوزيعات الأرباح وبعض التعاملات في سوق المال. هذه النقطة ليست فنية فقط؛ فهي تؤثر مباشرة على تقييم المستثمر للشركة، وعلى قرار الهيكلة بين الشركة القابضة والتابعة، وعلى جاذبية الاستثمار المؤسسي طويل الأجل.
3) لأنه يربط الضريبة بهدف تنشيط السيولة
إعفاء صانع السوق من ضريبة الدمغة ليس تفصيلًا هامشيًا. هذا النشاط يؤدي دورًا مهمًا في تحسين عمق السوق وتقليص الفجوات السعرية وتعزيز كفاءة التداول. وعندما تختار الدولة دعمه ضريبيًا، فهي تراهن على أن زيادة السيولة ليست نتيجة جانبية، بل هدف مباشر من أهداف السياسة العامة.
لكن هل تكفي الضريبة وحدها؟
هنا تظهر أهمية قراءة الإعلان داخل سياق أوسع. فالدولة تدرك أن جذب شركات جديدة إلى السوق يحتاج أكثر من تعديل ضريبي. في يوليو 2026، قالت الهيئة العامة للاستثمار إن عدد الشركات المقيدة في البورصة المصرية يبلغ نحو 260 شركة فقط، مقابل نحو 414 ألف شركة استفادت من خدمات الهيئة، مع وجود قرابة 61 ألف شركة مساهمة قابلة نظريًا للاستفادة من مزايا القيد. هذه الفجوة الكبيرة تشرح لماذا أصبحت حوافز قيد الشركات في EGX جزءًا أساسيًا من الحزمة الثانية.
الإشارات الرسمية تحدثت عن مزايا ضريبية لتحفيز قيد الشركات الكبيرة والمؤثرة بالبورصة لمدة 3 سنوات، إلى جانب حافز نقدي وفق معايير محددة للشركات التي تقوم بقيد أسهمها. كما أوردت تغطيات محلية أن هذا الحافز قد يظهر في صورة خصم نقدي عند تقديم أول إقرار ضريبي للشركة المقيدة، بما يعادل 15% من الضريبة المستحقة، وهو ما يجعل القيد قرارًا ماليًا أقل كلفة في لحظته الأولى، وليس فقط قرارًا استراتيجيًا بعيد الأجل.
أمثلة واقعية: لماذا يبدو التوقيت مقصودًا؟
التوقيت مهم. ففي 28 يونيو 2026 أعلن وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي القيد المبدئي لثلاث شركات من قطاع البترول في البورصة المصرية: إنبي برأسمال مصدر 357 مليون دولار، وإيلاب برأسمال مصدر 210 ملايين دولار، وPMS برأسمال مصدر 120 مليون دولار. هذه الخطوة تعكس أن ملف توسيع قاعدة القيد لم يعد مجرد أمنية تنظيمية، بل أصبح جزءًا من برنامج أوسع للطروحات وتنشيط السوق.
وفي الوقت نفسه، كانت السوق نفسها بحاجة إلى دفعة ثقة. ففي جلسة 23 يونيو 2026، ومع متابعة السوق لتعديلات الدمغة، أغلق مؤشر EGX30 عند 51,769 نقطة، بينما بلغ رأس المال السوقي للأسهم المقيدة نحو 3.7 تريليون جنيه، وسجلت قيم التداول في الجلسة نفسها نحو 9 مليارات جنيه. هذه الأرقام تبرز أن السوق كبيرة بما يكفي لتستفيد من أي خفض في الاحتكاك الضريبي، لكنها أيضًا حساسة لتكلفة التنفيذ والسيولة.
كيف تعيد الحزمة الثانية تسعير جاذبية القيد للشركات؟
- تخفيض تكلفة القرار: عندما تحصل الشركة على حافز ضريبي أو نقدي مرتبط بالقيد، تصبح كلفة الانتقال إلى السوق العامة أقل.
- رفع اليقين الضريبي: الوضوح في معاملة الأسهم المقيدة وغير المقيدة يساعد الملاك والمستثمرين على التخطيط.
- تحسين قصة التقييم: كلما زادت السيولة وعمق السوق، تحسنت فرص الوصول إلى تقييمات أفضل عند الطرح.
- تشجيع الشركات العائلية والكبيرة: البورصة والهيئة العامة للاستثمار أعلنتا بالفعل العمل على توعية الشركات الواعدة بمزايا القيد والتداول.
ما الذي ينبغي مراقبته بعد الإعلان؟
رغم الإشارة الإيجابية الواضحة، فإن النجاح الحقيقي سيتحدد في ثلاث نقاط: سرعة إصدار التفاصيل التنفيذية، ووضوح معايير الحافز النقدي ومزايا السنوات الثلاث، وقدرة البورصة على تحويل الحافز الضريبي إلى طروحات فعلية وسيولة أعلى. التجربة المصرية أثبتت أن السوق لا تستجيب للنوايا العامة بقدر ما تستجيب للآليات الواضحة والقابلة للتنفيذ.
من هنا يمكن فهم لماذا يتصدر اسم مصلحة الضرائب المصرية هذه القصة. فالمسألة ليست جباية أقل أو أكثر، بل تصميم معاملة ضريبية تخدم هدفًا اقتصاديًا أوسع: توسيع قاعدة الشركات المقيدة، وتحسين عمق السوق، وتقليل التشوهات التي كانت تجعل قرار القيد أو الاستثمار أكثر ترددًا. وإذا نجحت الحكومة في استكمال هذا المسار تشريعيًا وتنفيذيًا، فقد يكون إعلان 3 أغسطس 2026 نقطة تحول في كيفية تسعير المستثمرين والشركات لجاذبية البورصة المصرية خلال السنوات المقبلة.