إعفاء الأرباح الرأسمالية: هل ينعش سيولة البورصة المصرية؟
ماذا يعني إعلان مصلحة الضرائب المصرية للسوق؟
عاد ملف ضرائب البورصة إلى صدارة اهتمام المتعاملين بعد تأكيد مصلحة الضرائب المصرية برئاسة رشا عبد العال على إقرار إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع الاكتفاء بخضوع التعاملات إلى ضريبة الدمغة النسبية المقررة بقانون ضريبة الدمغة. وجاء هذا الطرح ضمن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية، وبالتنسيق بين وزارة المالية والمصلحة والهيئة العامة للرقابة المالية، باعتباره مسارًا يستهدف تنشيط سوق الأوراق المالية ودعم الاقتصاد.
الرسالة الأساسية هنا واضحة للمستثمر المحلي: الدولة تريد نظامًا أبسط في التطبيق وأقل نزاعًا في المحاسبة، بدلًا من ضريبة ترتبط بحساب الربح والخسارة الفعليين لكل عملية أو محفظة. هذا التحول الضريبي لا يغيّر فقط عبء الضريبة، بل يغيّر أيضًا قابلية التنبؤ بتكلفة الاستثمار، وهي نقطة شديدة الحساسية في سوق يعتمد على سرعة القرار وحجم التداول.
من ضريبة على الربح إلى تكلفة واضحة على كل عملية
بحسب ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية، تم استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية على تعاملات البورصة بضريبة دمغة نسبية تُفرض على قيمة البيع أو الشراء مباشرة. كما أشارت التغطيات الرسمية والاقتصادية الأخيرة إلى أن السعر المطبق هو 0.05% من إجمالي قيمة عمليتي الشراء والبيع في الأوراق المالية المقيدة، بما يعادل نصف في الألف، مع توزيع العبء بين طرفي العملية.
اقتصاديًا، الفرق جوهري. ضريبة الأرباح الرأسمالية كانت تتطلب تتبع سعر الشراء، وسعر البيع، وترحيل الخسائر، والتفرقة بين مقيم وغير مقيم، فضلًا عن ترتيبات محاسبية وتشغيلية بين شركات السمسرة، ومصر للمقاصة، ومصلحة الضرائب. أما ضريبة الدمغة فهي تكلفة مباشرة ومعلومة سلفًا تظهر ضمن حسابات التنفيذ، ما يجعل المستثمر يعرف تقريبًا تكلفة الدخول والخروج من الصفقة من البداية.
كيف ينعكس القرار على سيولة الأسهم المصرية؟
1) تقليل التعقيد قد يرفع وتيرة التداول
السيولة في أي بورصة لا تتحدد فقط بأداء الاقتصاد أو نتائج الشركات، بل أيضًا بسهولة القواعد المنظمة للتداول. وكلما كان النظام الضريبي أكثر وضوحًا، زادت قدرة المستثمر على التحرك بسرعة، خصوصًا المستثمر الفردي المحلي الذي يتعامل عادة مع أسهم مثل البنك التجاري الدولي، مجموعة طلعت مصطفى القابضة، إي إف جي القابضة، فوري، والمصرف المتحد بعد إدراجه في السوق.
القرار الجديد قد يدفع جزءًا من المستثمرين المحليين إلى زيادة معدل تدوير المحافظ، لأن حساب التكلفة أصبح أبسط. بدلاً من القلق بشأن تسوية ضريبة على أرباح متحققة في نهاية فترة معينة، يدفع المستثمر رسمًا نسبيًا واضحًا عند التنفيذ. هذا النمط غالبًا ما يكون أكثر ملاءمة للسوق عندما تكون الأولوية هي تعميق السيولة وزيادة عدد العمليات اليومية.
2) لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض العبء على كل المستثمرين
في المقابل، ضريبة الدمغة تُحصّل سواء ربح المستثمر أو خسر، لأنها مرتبطة بقيمة العملية لا بنتيجتها النهائية. لذلك فإن المستثمر قصير الأجل أو عالي الدوران قد يجد أن التكلفة التراكمية للشراء والبيع المتكرر ما زالت مؤثرة، خصوصًا في الأسهم الأقل سيولة أو في الفترات التي تتسع فيها فروق الأسعار. ولهذا قالت تقديرات في السوق إن التأثير الإيجابي الحقيقي لن يظهر من النص الضريبي وحده، بل من تزامنه مع تحسن أحجام التداول، وتوسيع قاعدة الشركات الجاذبة، ووجود طروحات جديدة.
3) السوق يختبر القرار في لحظة تداولات نشطة أصلًا
أهمية القرار تتضاعف لأنه يأتي في فترة لا تعاني فيها البورصة المصرية من الجمود الكامل، بل من محاولة إعادة ترتيب للسيولة بين الأسهم القيادية وأسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة. ففي يونيو 2026، بلغ إجمالي قيمة التداول في البورصة المصرية نحو 2.774 تريليون جنيه مع تداول نحو 61.246 مليار ورقة مالية عبر 4.365 مليون عملية، وفق بيانات منشورة عن أداء الشهر. كما سجلت إحدى جلسات 27 يوليو 2026 تداولات بنحو 11.1 مليار جنيه على 3.5 مليار سهم عبر 242.5 ألف عملية. هذه الأرقام تشير إلى أن السوق لديه شهية حركة، لكن استدامة هذه الشهية تحتاج إلى قواعد أقل إرباكًا وأكثر ثباتًا.
ماذا يعني ذلك لقرارات المستثمرين المحليين؟
المستثمر الفردي
بالنسبة للمستثمر الفردي المصري، القرار يحمل ميزة نفسية وعملية في الوقت نفسه. الميزة النفسية أنه يزيل ملفًا ضريبيًا ظل لسنوات مصدر جدل وعدم يقين. والميزة العملية أنه يجعل حساب صافي العائد بعد التكلفة أكثر مباشرة. لذلك قد يصبح اتخاذ قرار الشراء في الأسهم المقيدة أسهل نسبيًا، خاصة لمن يقارن بين البورصة وبين بدائل مثل الودائع أو الذهب أو العقار.
المستثمر المؤسسي المحلي
أما المؤسسات المحلية، مثل صناديق الاستثمار ومديري الأصول، فغالبًا ما تنظر إلى القرار من زاويتين: الأولى هي قابلية التنبؤ الضريبي، والثانية هي أثره على عمق السوق. فكلما زادت السيولة وانخفضت المخاوف التنظيمية، تحسن تنفيذ الأوامر الكبيرة وقلت تكلفة الخروج والدخول. ومن هنا يمكن فهم أهمية القرار جنبًا إلى جنب مع خطوة الهيئة العامة للرقابة المالية في يوليو 2026 بتشكيل لجنة تنسيقية بين الهيئة والبورصة ومصلحة الضرائب لمتابعة الربط الشبكي وإعداد أدلة إرشادية مشتركة للمحاسبة الضريبية لنشاط الأوراق المالية.
الميل إلى الأسهم المقيدة بدلًا من البدائل الأقل شفافية
من النتائج المرجحة أيضًا أن يعزز القرار جاذبية الأسهم المقيدة مقارنة بأدوات أو معاملات أقل وضوحًا من حيث التسعير والخروج. فالمستثمر المحلي يميل عادة إلى السوق الذي يعرف فيه القواعد مقدمًا: كيف يدخل، وكيف يخرج، وما الذي سيدفعه من رسوم وضرائب. وكلما أصبحت المعاملة الضريبية أوضح، ارتفعت قدرة الأسهم المقيدة على منافسة قنوات الادخار والاستثمار الأخرى.
لماذا تُصر مصلحة الضرائب المصرية على إبراز هذا الملف الآن؟
اللافت أن مصلحة الضرائب المصرية لم تطرح القرار باعتباره تنازلًا ضريبيًا فحسب، بل كجزء من إعادة بناء العلاقة مع مجتمع الأعمال وسوق المال. رشا عبد العال شددت في أكثر من مناسبة على أن دور المصلحة لم يعد يقتصر على التحصيل فقط، بل يمتد إلى دعم الاستثمار والالتزام الطوعي. وفي ملف البورصة تحديدًا، يبدو أن الرسالة الموجهة للمستثمرين هي أن الإدارة الضريبية تسعى لتقليل الازدواج والتعقيد، لا لخلق نزاعات جديدة.
هذا مهم لأن سوق المال لا يتفاعل فقط مع مستوى الضريبة، بل مع استقرار السياسة الضريبية. المستثمر المحلي يستطيع التكيف مع تكلفة معلومة، لكنه يتردد أمام القواعد التي تتغير كثيرًا أو التي تبدو قابلة لتفسيرات متباينة عند التطبيق.
هل يكفي القرار وحده لإنعاش السيولة؟
الإجابة المختصرة: لا، لكنه عامل داعم مهم. السيولة المستدامة في البورصة المصرية تحتاج إلى أكثر من عنصر في الوقت نفسه:
- وضوح ضريبي يقلل تكلفة عدم اليقين.
- طروحات جديدة تضيف قصص نمو وأسهمًا قابلة للتداول بكثافة.
- توسيع قاعدة المستثمرين المحليين عبر الثقافة المالية والمنتجات الاستثمارية.
- تنشيط أدوات السوق مثل صانع السوق، والمشتقات، والبيع على المكشوف المنظم حين يكتمل الإطار التنفيذي.
- استقرار الاقتصاد الكلي وأسعار الفائدة وسعر الصرف، لأنها كلها تؤثر في قرار توزيع الأصول.
لكن في حدود ما يخص الضرائب وحدها، فإن الانتقال من ضريبة الأرباح الرأسمالية إلى ضريبة الدمغة النسبية على الأوراق المالية المقيدة يمنح السوق ميزة لا يمكن تجاهلها: بساطة القاعدة. وهذه البساطة عادة ما تكون عنصرًا مساعدًا للسيولة، حتى إن لم تكن وحدها كافية لخلق موجة صعود طويلة.
الخلاصة
إعلان مصلحة الضرائب المصرية بإعفاء الأرباح الرأسمالية للأسهم المقيدة والاكتفاء بضريبة الدمغة النسبية يُعد إشارة داعمة لسوق المال المصري، لأنه يخفف التعقيد المحاسبي، ويزيد وضوح تكلفة التداول، ويمنح المستثمر المحلي قدرًا أعلى من اليقين عند اتخاذ القرار. التأثير الأقرب على الأرجح سيكون في تحسين شهية التداول ودعم سيولة الأسهم، خاصة لدى الأفراد وبعض المؤسسات المحلية. أما الأثر الأكبر والأكثر استدامة، فسيتوقف على ما إذا كانت هذه الخطوة ستأتي ضمن حزمة أوسع تشمل طروحات جديدة، وتطوير أدوات السوق، واستمرار التنسيق بين البورصة والرقابة المالية ومصلحة الضرائب المصرية.