الإقتصادي

الأسهم اليابانية بين أرباح قياسية وحذر المستثمرين

الأسهم اليابانية: نتائج قوية لا تكفي لإزالة القلق

تواجه الأسهم اليابانية مرحلة معقدة تجمع بين أرباح شركات قوية للغاية وبين مزاج استثماري لا يزال حذرًا، بحسب تقييمات حديثة من مجموعة نومورا، التي ترى أن السوق لم يتخلص بعد من نفور المخاطرة رغم التحسن الواضح في أساسيات الشركات. هذه المفارقة تهم المستثمر العربي، خصوصًا في مصر والمنطقة، لأن اليابان تظل أحد أهم مكونات المحافظ الدولية والصناديق العالمية التي تتحرك آثارها سريعًا إلى أسواق آسيا والشرق الأوسط.

ووفقًا لتقارير منشورة في 5 و6 سبتمبر/أيلول 2026 استنادًا إلى تقييمات نومورا، فإن الشركات اليابانية سجلت نموًا في الأرباح المتكررة بنحو 50% في الربع الأول من السنة المالية 2026، مقارنة بتوقعات كانت تدور قرب 25%. كما بلغ العائد على حقوق المساهمين 12.1%، وارتفعت هوامش التشغيل إلى 9%، وهما مستويان وصفتهما التقييمات بأنهما قياسيان. ومع ذلك، لا ترى نومورا أن هذه الأرقام تكفي وحدها لإقناع السوق بأن موجة الصعود ستستمر بلا تقلبات.

لماذا يستمر الحذر رغم الأرباح؟

السبب الرئيسي، بحسب القراءة السائدة في السوق اليابانية، أن المستثمرين لا ينظرون فقط إلى أرباح الربع الحالي، بل إلى استدامة الربحية في بيئة تتغير فيها أسعار الفائدة والعوائد العالمية وسعر الين وتدفقات الأجانب. كما أن ارتفاع عوائد السندات اليابانية بات عاملًا ضاغطًا على شهية المخاطرة، حتى عندما تكون نتائج الشركات أفضل من المتوقع.

وتقول نومورا أيضًا إن السياسة النقدية تظل مصدرًا محتملًا للتذبذب، لكنها لا ترى في الوقت الحالي أن بنك اليابان يشدد الأوضاع بالقدر الذي يسبب ضررًا جوهريًا للأرباح أو للاقتصاد ككل. هذا التقدير مهم، لأن السوق اليابانية خلال العامين الأخيرين كانت شديدة الحساسية لأي تغير في توقعات الفائدة بعد عقود من السياسة النقدية فائقة التيسير.

مؤشر TOPIX عند قمم تاريخية.. لكن الطريق ليس مستقيمًا

الأداء السعري نفسه يوضح هذه المفارقة. فمجموعة اليابان للصرافة Japan Exchange Group ذكرت في تقرير الأعمال للسنة المالية المنتهية في مارس/آذار 2026 أن مؤشر TOPIX بلغ مستوى قياسيًا عند 3938.68 نقطة في 27 فبراير/شباط 2026، مدفوعًا بتوقعات الأرباح القوية والتحول المستمر بعيدًا عن الاقتصاد الانكماشي. كما تظهر بيانات الأسعار التاريخية للمؤشر تسجيل هذه القمة خلال الجلسة نفسها.

لكن بلوغ المؤشر قممًا تاريخية لا يعني غياب التوتر. ففي الأسابيع الأخيرة، تحدثت تقارير السوق عن تدوير مراكز المستثمرين بين أسهم التكنولوجيا والقطاعات الأخرى، في وقت ضغطت فيه قفزات عوائد السندات على المعنويات. وبرز اسم تتسويا هيراوكا، رئيس الأسواق العالمية في اليابان لدى نومورا، في المواد التعريفية الرسمية للشركة، بينما نقلت تقارير سوقية عن محللين في نومورا أن الاتجاه العام للسوق لا يزال داعمًا على المدى الأوسع، وإن كانت التحركات القطاعية قصيرة الأجل أكثر حدة.

ما الذي تغير داخل الشركات اليابانية؟

جزء من جاذبية السوق اليابانية خلال الفترة الأخيرة لا يرتبط فقط بالأرباح، بل أيضًا بإصلاحات الحوكمة ورفع كفاءة رأس المال. فقد أشارت جهات يابانية رسمية، بينها وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة وبورصة طوكيو، إلى جهود مستمرة لرفع القيمة المؤسسية وتحسين الحوار مع المستثمرين وتوجيه الشركات إلى استخدام رأس المال بصورة أكثر كفاءة واستدامة. هذه النقطة بالذات هي ما جعل كثيرًا من مديري الأصول العالميين يعيدون النظر في اليابان بعد سنوات من التقييمات المنخفضة نسبيًا.

ومن زاوية المؤسسات نفسها، تؤكد نومورا أن نتائجها السنوية للفترة المنتهية في 31 مارس/آذار 2026 سجلت نموًا سنويًا في الإيرادات بنسبة 15%، وزيادة في الأرباح بنسبة 6%، مع تحقيق أعلى ربح سنوي على الإطلاق للعام الثاني على التوالي. كما أظهرت إفصاحات وتقارير سوقية أن صافي ربح المجموعة السنوي بلغ 362.1 مليار ين. ويقود المجموعة حاليًا كنتارو أوكودا بصفته الرئيس التنفيذي للمجموعة ورئيس نومورا سيكيوريتيز، بحسب الموقع الرسمي للشركة.

بنك اليابان والعائدات: العامل الأكثر حساسية

ربما يكون العامل الأكثر تأثيرًا على قراءة المستثمرين للأسهم اليابانية الآن هو مسار بنك اليابان. فمحاضر واجتماعات السياسة النقدية خلال 2026 أظهرت أن البنك كان يستهدف بقاء معدل الفائدة لليلة واحدة غير المضمون قرب 0.75% في الربيع، قبل أن تتحدث تقارير إخبارية في يوليو/تموز 2026 عن تثبيت الفائدة عند 1%، بعد رفعها إلى أعلى مستوى منذ عقود في يونيو/حزيران. هذا الانتقال التدريجي نحو تطبيع السياسة النقدية يدعم البنوك وبعض الأسهم الدورية، لكنه في المقابل يرفع تكلفة التمويل ويضغط على تقييمات القطاعات الحساسة للعائد.

بالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه الصورة مألوفة: سوق تحقق فيها الشركات أرقامًا قوية، لكن تسعير الأسهم يظل رهينًا للفائدة، والعائد على السندات، وشهية المستثمر الأجنبي، واحتمالات التباطؤ العالمي. لذلك فإن متابعة اليابان لا تخص فقط من يستثمر مباشرة هناك، بل أيضًا من يراقب اتجاهات الأموال العالمية بين الأسهم والدخل الثابت والأسواق الناشئة.

كيف يقرأ مستثمرو المنطقة هذا المشهد؟

في منطقة الخليج والشرق الأوسط، يهم هذا التطور لأن المحافظ السيادية ومديري الثروات يوسعون حضورهم في آسيا باستمرار، واليابان تظل سوقًا متقدمة ذات وزن كبير في المؤشرات العالمية. وإذا استمرت أرباح الشركات اليابانية في التفوق على التوقعات، فقد يبقى السوق جذابًا من زاوية الأساسيات. لكن إذا واصلت عوائد السندات الارتفاع، أو زادت المخاوف بشأن النمو العالمي، فقد تتأخر استفادة الأسهم من هذه الأرباح القياسية.

الخلاصة أن نومورا لا تشكك في قوة نتائج الشركات اليابانية، لكنها تحذر من الاعتقاد بأن الأرباح القياسية وحدها تكفي لدفع السوق في خط صاعد بلا انقطاع. فالمعادلة الحالية في طوكيو تقوم على توازن دقيق بين نمو الأرباح، وإصلاحات الشركات، وسياسة بنك اليابان، وتدفقات المستثمرين الأجانب. وحتى الآن، يبدو أن الحذر ما زال شريكًا دائمًا في واحدة من أكثر قصص الأسهم إثارة في آسيا خلال 2026.