البنك المركزي المصري يوسع شراكاته الإفريقية مع إسواتيني
تحرك مصري جديد لتعزيز الحضور المالي في إفريقيا
يواصل البنك المركزي المصري توسيع شبكة شراكاته داخل القارة الإفريقية، في إطار توجه أوسع تقوده القاهرة لدعم التكامل المالي والتجاري بين الدول الإفريقية. وفي هذا السياق، برزت مباحثات بين البنك المركزي المصري ونظيره في مملكة إسواتيني تناولت فرص التعاون في نظم وخدمات الدفع، إلى جانب مناقشة مبادرة بنك الذهب التي باتت تمثل أحد الملفات الاستراتيجية المطروحة على أجندة المؤسسات المالية الإفريقية.
هذا التحرك يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لمصر، ليس فقط لارتباطه بتطوير البنية التحتية للمدفوعات، ولكن أيضًا لأنه يأتي في وقت يركز فيه البنك المركزي المصري على تحديث الأنظمة المصرفية ورفع كفاءة التحويلات المالية وربطها بالمعايير الدولية، بالتوازي مع توسيع دوائر التعاون مع بنوك مركزية ومؤسسات تمويل إفريقية.
لماذا يهم هذا التعاون مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، فإن أي تقارب بين البنك المركزي المصري وبنوك مركزية إفريقية أخرى يتجاوز الطابع البروتوكولي. فالقضية هنا ترتبط مباشرة بملفات تمس التجارة البينية، وتحويل الأموال، وخفض تكلفة المدفوعات العابرة للحدود، وفتح قنوات جديدة أمام المؤسسات المالية والشركات المصرية العاملة في الأسواق الإفريقية.
ويأتي ذلك بينما يواصل البنك المركزي المصري تنفيذ خطوات تحديث واسعة في مجال المدفوعات. ففي 21 يونيو 2026 أعلن البنك اعتماد معيار ISO 20022 للرسائل المالية عبر القطاع المصرفي المصري في التحويلات بين البنوك باستخدام شبكة سويفت، وهي خطوة تستهدف تطوير البنية الرقمية للمدفوعات ومواءمتها مع أفضل الممارسات الدولية. كما نظم البنك في 22 يونيو 2026 ورشة عمل بالتعاون مع غرفة مقاصة الكوميسا للترويج للنظام الإقليمي للدفع والتسوية REPSS، بما يعزز تسوية المعاملات التجارية داخل الإقليم.
نظم الدفع في صدارة المباحثات
الشق الأول من المباحثات مع إسواتيني يتعلق بـنظم الدفع الوطنية والإقليمية. ويكتسب هذا الملف وزنًا متزايدًا داخل القارة، خاصة مع اتجاه دول إفريقية عدة إلى بناء شبكات دفع أسرع وأكثر كفاءة، تقلل الاعتماد على الوسطاء الخارجيين، وتدعم التجارة البينية بالعملات المحلية أو عبر آليات تسوية إقليمية.
الموقع الرسمي للبنك المركزي في إسواتيني يوضح أن من بين أدواره الأساسية تيسير تطوير وتشغيل نظام وطني كفء للمدفوعات. كما تشير وثائق البنك إلى وجود اهتمام بتطوير المدفوعات الرقمية والبنية التحتية للتسوية، فضلًا عن إطلاق وحدة Fast Payments ضمن محول المدفوعات في إسواتيني خلال 2026. وهذا يجعل ملف التعاون مع مصر منطقيًا من ناحية تبادل الخبرات التنظيمية والفنية، خصوصًا أن البنك المركزي المصري يمتلك خبرة مؤسسية متقدمة في الإشراف على نظم وخدمات الدفع وتنظيمها قانونيًا.
كما أن مصر منخرطة بالفعل في أكثر من مسار إقليمي للمدفوعات. فإلى جانب REPSS، أعلن البنك المركزي المصري في نوفمبر 2024 الموافقة على الانضمام إلى نظام الدفع والتسوية الإفريقي PAPSS الذي طوره البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد Afreximbank لتسهيل المدفوعات العابرة للحدود وتقليل الوقت والتكلفة المرتبطين بها.
مبادرة بنك الذهب.. ملف استراتيجي يتجاوز التعدين
الشق الثاني من المباحثات، وهو مبادرة بنك الذهب، يحمل أبعادًا أوسع من مجرد تداول المعدن النفيس. فالفكرة المطروحة على المستوى الإفريقي تستهدف بناء منظومة متكاملة تشمل سلاسل قيمة الذهب، والتكرير، والتخزين الآمن، والخدمات المالية والتجارية المرتبطة به، بما يساعد على زيادة القيمة المضافة داخل القارة بدلًا من تصدير الذهب الخام أو الاعتماد على مراكز تكرير وتجارة خارج إفريقيا.
وفي هذا الإطار، كان البنك المركزي المصري قد أعلن في 30 ديسمبر 2025 توقيع مذكرة تفاهم مع Afreximbank لإطلاق برنامج بنك الذهب في مصر. وجرى توقيع الاتفاق من جانب حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، وجورج إلومبي، رئيس البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد ورئيس مجلس إدارته. ووفق البيان الرسمي، تشمل الخطوة إعداد دراسة جدوى لبحث المتطلبات الفنية والتجارية والتنظيمية لتطوير منظومة متكاملة لبنك الذهب داخل منطقة حرة في مصر، مع مشاركة دول إفريقية، وتتضمن المنظومة المقترحة مصفاة معتمدة دوليًا، وخزائن حفظ آمنة، وخدمات مالية وتجارية مرتبطة بالذهب.
ومن هنا، فإن إدراج هذا الملف في الحوار مع إسواتيني يوحي بأن القاهرة تنظر إلى المشروع باعتباره منصة إفريقية مفتوحة للتعاون، وليس مجرد مبادرة محلية محدودة. هذا استنتاج تدعمه الصياغة الرسمية التي تحدثت عن توسيع نطاق المبادرة على مستوى القارة وإشراك الحكومات والبنوك المركزية وشركات التعدين وأطراف الصناعة.
ما الذي تضيفه إسواتيني إلى هذا المسار؟
رغم أن إسواتيني ليست من أكبر اقتصادات القارة، فإن مؤشرات البنك المركزي هناك تكشف اهتمامًا واضحًا بملفات الاحتياطيات وتنويع الأصول وتطوير البنية المالية. ووفق تصريحات منشورة لمحافظ البنك المركزي في إسواتيني خلال يونيو 2026، فإن البنك اشترى حيازات من الذهب في يوليو 2025 ضمن توجه لتنويع الاحتياطيات، بينما بلغت الاحتياطيات الرسمية الإجمالية 8.8 مليار إيمالانجيني حتى 29 مايو 2026. هذه الخلفية تجعل مناقشة مبادرة بنك الذهب مع الجانب المصري ذات معنى عملي، لأنها ترتبط مباشرة بإدارة الاحتياطيات، وتداول الذهب، وبناء أطر مؤسسية أكثر تطورًا داخل القارة.
كما تظهر بيانات البنك المركزي في إسواتيني أن معدل التضخم بلغ 2.7% في مايو 2026، وأن سعر الفائدة الأساسي كان عند 10.25% في الشهر نفسه، ما يعكس بيئة نقدية تتابع عن قرب توازنات الاستقرار المالي والسيولة والاحتياطيات.
دلالات اقتصادية للقاهرة
بالنسبة لمصر، يحمل هذا النوع من التعاون عدة مكاسب محتملة:
- تعميق النفوذ المالي المصري داخل إفريقيا عبر شراكات مباشرة بين البنوك المركزية.
- دعم التجارة والاستثمار من خلال تطوير قنوات دفع وتسوية أكثر سرعة وكفاءة.
- تعزيز دور مصر في المشروعات القارية المرتبطة بالذهب وسلاسل القيمة التعدينية.
- الاستفادة من الخبرات المتبادلة في تنظيم خدمات الدفع والرقابة والإشراف المالي.
- تقوية الروابط مع مؤسسات إفريقية مثل Afreximbank ومنصات التسوية الإقليمية.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع مؤشرات أخرى على اتساع الدور الإفريقي للبنك المركزي المصري. ففي 13 مايو 2026 عقد حسن عبد الله وجورج إلومبي إحاطة صحفية في مقر البنك المركزي بالقاهرة بشأن استعدادات مصر لاستضافة الاجتماعات السنوية الثالثة والثلاثين لـAfreximbank في العلمين. كما أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطيات الدولية سجل 53.134 مليار دولار بنهاية مايو 2026، وهو ما يعكس قاعدة احتياطية قوية تدعم تحركاته الإقليمية.
قراءة أخيرة
في المحصلة، فإن بحث التعاون بين البنك المركزي المصري والبنك المركزي في إسواتيني حول المدفوعات ومبادرة بنك الذهب يعكس اتجاهًا مصريًا واضحًا نحو بناء حضور مؤسسي أعمق في إفريقيا، انطلاقًا من أدوات مالية ومصرفية عملية وليست سياسية فقط.
وللقطاع المصرفي المصري، تبدو هذه التحركات مهمة لأنها تفتح الباب أمام بيئة إفريقية أكثر ترابطًا في التسويات والمدفوعات والتمويل التجاري. أما على مستوى الدولة، فهي تعزز موقع مصر كلاعب رئيسي في إعادة تشكيل البنية المالية للقارة، سواء عبر أنظمة الدفع الإقليمية أو عبر مشروعات استراتيجية مثل بنك الذهب الذي قد يتحول، إذا اكتملت دراساته وتنفيذه، إلى مركز جديد يربط بين التمويل والتجارة والتعدين داخل إفريقيا.