الجزائر والعراق أمام اختبار صعب في مرحلة ما بعد النفط
لماذا يعود الحديث عن «ما بعد النفط» الآن؟
يتجدد النقاش حول مستقبل الدول المعتمدة على الخام كلما صدرت تقديرات جديدة عن تباطؤ نمو الطلب العالمي على النفط. وفي أحدث السيناريوهات المنشورة من الوكالة الدولية للطاقة، يُتوقع أن يبلغ الطلب العالمي ذروته قرب عام 2030 قبل أن يبدأ مساراً هبوطياً تدريجياً، فيما تشير تقديرات أخرى للوكالة إلى أن استهلاك النفط قد يصل إلى حالة شبه استقرار بنهاية العقد عند نحو 105.5 مليون برميل يومياً مع تباطؤ واضح في وتيرة النمو السنوي. هذه الأرقام لا تعني اختفاء النفط سريعاً، لكنها تعني أن الدول التي بنت ماليتها العامة وصادراتها وفرص العمل على العائدات الهيدروكربونية ستواجه بيئة أكثر صعوبة وأقل سخاءً مما عرفته خلال العقود الماضية.
في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يبرز اسما الجزائر والعراق بوصفهما من أكثر الاقتصادات حساسية لهذا التحول، ليس لأن إنتاجهما سيتوقف، بل لأن وزنهما المالي والاجتماعي ما زال مرتبطاً بدرجة كبيرة بإيرادات النفط والغاز. بالنسبة للقارئ المصري، لا يتعلق الأمر بملف بعيد؛ فاستقرار أسواق الطاقة في الجوار ينعكس على التجارة الإقليمية، كلفة الواردات، وفرص التعاون العربي في البترول والغاز والاستثمارات.
الجزائر: احتياطيات مريحة اليوم... وحساسية قائمة غداً
الاقتصاد الجزائري حقق في السنوات الأخيرة متنفساً بفضل تحسن عوائد المحروقات، لكن المؤسسات الدولية ما زالت ترى أن هذه الراحة لا تلغي جوهر المشكلة. فالبنك الدولي يقدّر أن قطاع النفط والغاز شكّل بين 2020 و2024 نحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي في الجزائر، و83% من الصادرات، و46% من إيرادات الموازنة. هذه النسب تفسر لماذا يبقى أي هبوط ممتد في الأسعار أو الطلب الخارجي عاملاً شديد التأثير على المالية العامة وسعر الصرف والإنفاق الاجتماعي.
صندوق النقد الدولي أشار في ختام مشاورات المادة الرابعة لعام 2025 إلى أن الاحتياطيات الدولية الجزائرية ظلت قوية عند 67.8 مليار دولار، بما يغطي قرابة 14 شهراً من الواردات، كما وصف الآفاق قصيرة الأجل بأنها إيجابية إجمالاً مدعومة بتعافٍ تدريجي في إنتاج الهيدروكربونات. لكن هذه الإشارات المطمئنة لا تنفي أن الصندوق والبنك الدولي معاً يدفعان باتجاه تسريع الإصلاحات ورفع الإنتاجية وتنويع القاعدة الاقتصادية للحد من التعرض لصدمات الطاقة.
وهنا تظهر المفارقة: الجزائر تملك وقتاً ومساحة للمناورة أكثر من غيرها، لكن الاعتماد الكبير على المحروقات ما زال قائماً. وإذا تباطأ نمو الطلب العالمي فعلياً على النحو الذي تتوقعه الوكالة الدولية للطاقة، فالمشكلة لن تكون فقط في سعر البرميل، بل في صعوبة الحفاظ على نفس مستويات الإنفاق العام والتوظيف والدعم دون توسيع مساهمة القطاعات غير النفطية.
العراق: المخاطر أكبر بسبب الاعتماد المالي والضغوط الداخلية
إذا كانت الجزائر تواجه تحدي التنويع من موقع مالي أكثر راحة نسبياً، فإن العراق يبدو في وضع أكثر حساسية. صندوق النقد الدولي قال بوضوح في مشاورات 2025 إن انخفاض أسعار النفط والضغوط التمويلية الحادة والبيئة العالمية غير اليقينية تؤثر في النشاط الاقتصادي وتستدعي إجراءات عاجلة للحفاظ على الاستقرارين المالي والخارجي. كما أشار تقرير الصندوق إلى أن نمو الناتج غير النفطي تباطأ إلى نحو 2.5% في 2024 بعد توسع قوي في 2023، في إشارة إلى هشاشة الزخم خارج القطاع النفطي.
ما يجعل العراق في دائرة الخطر ليس فقط اعتماده المعروف على النفط، بل تداخل هذا الاعتماد مع التزامات إنفاق كبيرة وحاجة مستمرة إلى الوظائف والخدمات والبنية التحتية. لذلك فإن أي فترة مطولة من ضعف الأسعار أو فتور الطلب العالمي قد تتحول سريعاً من ملف اقتصادي إلى ضغط اجتماعي وسياسي. وفي بلد ما زال يعمل على تثبيت مسار الاستثمار والخدمات، تصبح تقلبات سوق النفط أكثر كلفة من مجرد تراجع في الإيرادات الحكومية.
وتتضاعف حساسية العراق لأن سوق الطاقة نفسه يمر بتحولات مركبة: الوكالة الدولية للطاقة تتوقع أن تتجاوز زيادة الطاقة الإنتاجية العالمية نمو الطلب حتى 2030، وهو ما يرفع احتمال وجود فائض معروض ويضغط على الأسعار. بالنسبة لدولة تعتمد على الخام كمحرك رئيسي للموازنة، فإن هذه البيئة تعني أن إدارة المالية العامة لم تعد قضية دورات سعرية عابرة، بل مسألة إعادة بناء نموذج اقتصادي كامل.
ماذا يعني «عصر ما بعد النفط» فعلياً؟
المصطلح لا يعني نهاية فورية للنفط، بل انتقالاً تدريجياً إلى سوق أبطأ نمواً وأكثر تنافسية، مدفوعاً بتوسع السيارات الكهربائية، وتحسن كفاءة الطاقة، وزيادة الاعتماد على المصادر المتجددة في توليد الكهرباء. الوكالة الدولية للطاقة تتوقع أن تتجاوز مبيعات السيارات الكهربائية 20 مليون سيارة في 2025، بما يمثل نحو ربع السيارات المباعة عالمياً، وهو تحول كفيل بخفض نمو استهلاك الوقود على المدى المتوسط.
في هذا السياق، تواجه الدول الريعية سؤالين معاً: كيف تعوض تراجع الاعتماد على النفط عالمياً؟ وكيف تفعل ذلك من دون هزات في العمالة والعملة والموازنة؟ الإجابة ليست واحدة، لكنها تبدأ من توسيع قاعدة الإيرادات غير النفطية، وتشجيع الصناعة والخدمات القابلة للتصدير، وتحرير مناخ الاستثمار، ورفع الإنتاجية. البنك الدولي استخدم هذه اللغة بوضوح في تقييمه للاقتصاد الجزائري، وهي تنطبق بدرجات متفاوتة على العراق أيضاً.
الانعكاسات على مصر والمنطقة
من زاوية مصر، التطورات في الجزائر والعراق مهمة لسببين. الأول أن القاهرة ترتبط بعلاقات طاقة مباشرة مع البلدين؛ إذ شهد عام 2025 مباحثات مصرية عراقية لتعزيز التعاون في أنشطة البترول، كما شهد 5 مايو 2026 توقيع مذكرة تفاهم بين الهيئة المصرية العامة للبترول وسوناطراك الجزائرية بشأن شراء الخام الجزائري لمصر، بحضور وزير البترول المصري كريم بدوي ووزير الطاقة الجزائري محمد عرقاب.
السبب الثاني أن أي اضطراب ممتد في اقتصادات الطاقة بالمنطقة ينعكس على خريطة التجارة والاستثمار والتحويلات وأسعار الشحن والتأمين. والبنك الدولي حذر في تحديثه الإقليمي الصادر في أبريل 2026 من أن الصراع والاضطرابات الجيوسياسية أصابت أسواق الطاقة ورفعت التقلب المالي، مع تأثيرات تمتد إلى دول مثل مصر والأردن عبر القنوات الاقتصادية الأوسع.
من الأكثر استعداداً؟
الجزائر تبدو أفضل نسبياً من حيث الاحتياطيات الخارجية والهامش المالي الحالي، لكن ذلك لا يلغي اعتمادها الكبير على المحروقات. أما العراق، فرغم امتلاكه ثروة نفطية ضخمة، فإن هشاشته تبدو أعلى لأن تقلب العائدات يضغط مباشرة على الإنفاق العام والاستقرار المالي. بعبارة أخرى، الخطر في الحالتين ليس نضوب النفط، بل استمرار نموذج اقتصادي يعتمد عليه أكثر مما يحتمله عالم يتغير بسرعة.
خلاصة المشهد
- الطلب العالمي على النفط يقترب من الذروة خلال هذا العقد وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة.
- الجزائر ما زالت تستفيد من مركز خارجي أفضل، لكن اقتصادها وماليتها العامة شديدا الحساسية لسوق الطاقة.
- العراق يواجه ضغطاً أكبر بسبب تداخل الاعتماد النفطي مع احتياجات إنفاق وخدمات مرتفعة.
- مصر تتابع الملف عن قرب لأن التعاون النفطي الإقليمي مع بغداد والجزائر له أثر مباشر على أمن الإمدادات وتكلفة الطاقة.
وفي المحصلة، فإن «ما بعد النفط» ليس عنواناً نظرياً أو بيئياً فقط، بل اختبار اقتصادي وسياسي فعلي بدأ بالفعل. وكلما تأخرت الدول الأكثر اعتماداً على الخام في تنويع مواردها، زادت كلفة التكيف لاحقاً، ليس على الموازنات وحدها، بل على الاستقرار الاجتماعي والإقليمي ككل.