الدين الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار وسط قفزة العوائد
الدين الأمريكي عند عتبة تاريخية جديدة
دخلت المالية العامة في الولايات المتحدة مرحلة أكثر حساسية بعدما تجاوز إجمالي الدين العام مستوى 40 تريليون دولار، وهو تطور يعكس تسارع الاقتراض الحكومي خلال العقد الأخير، ويأتي بالتزامن مع ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها السوق منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. وتُظهر بيانات وزارة الخزانة الأمريكية أن إجمالي الدين القائم واصل الصعود خلال 2025، بينما أشارت وثائق رسمية لاحقة إلى أن الدين الإجمالي بنهاية يوليو 2025 بلغ نحو 36.9 تريليون دولار، قبل أن يواصل الارتفاع في 2026 مقتربًا من حاجز 40 تريليون دولار.
وتهم هذه القفزة القراء في مصر ليس فقط لأنها تخص أكبر اقتصاد في العالم، بل لأن سوق السندات الأمريكية تُعد مرجعًا لتسعير التمويل عالميًا. وعندما ترتفع تكلفة الاقتراض على الحكومة الأمريكية، تنتقل التأثيرات عادة إلى الدولار، وتدفقات الاستثمار، وشهية المخاطرة في الأسواق الناشئة، وأسعار الذهب، وحتى كلفة الاقتراض الدولية للشركات والحكومات.
ما الذي يعنيه تجاوز 40 تريليون دولار؟
الرقم الضخم لا يعني أن الاقتصاد الأمريكي على حافة تعثر فوري، لكنه يسلط الضوء على اتجاه مالي طويل الأمد: عجز مزمن في الموازنة، وزيادة مستمرة في الإنفاق الإلزامي، وارتفاع فاتورة الفائدة. مكتب الموازنة في الكونجرس الأمريكي CBO قدّر في توقعاته أن عجز السنة المالية 2025 يبلغ نحو 1.9 تريليون دولار، مع صعود الإنفاق الكلي إلى 7 تريليونات دولار مقابل إيرادات تقارب 5.2 تريليون دولار. كما توقع أن يرتفع الدين الذي يحمله الجمهور إلى 100% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 ثم إلى 118% بحلول 2035، متجاوزًا الذروة التاريخية المسجلة بعد الحرب العالمية الثانية.
وبلغة أبسط، فإن واشنطن لا تقترض فقط لتمويل برامج جديدة، بل أيضًا لتغطية فجوة مستمرة بين ما تنفقه وما تحصله من ضرائب ورسوم. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، لأن إعادة تمويل الديون المستحقة تصبح أكثر كلفة عامًا بعد عام.
العوائد المرتفعة تزيد الضغط
اللافت أن صعود الدين تزامن مع موجة ارتفاع في عوائد سندات الخزانة، وخصوصًا السندات لأجل 30 عامًا. وخلال 2026، لامس العائد على هذه السندات مستويات فوق 5.2%، وهي الأعلى منذ 2007 وفق تقارير إخبارية استندت إلى تداولات السوق. كما أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن العائد على السندات الأمريكية لأجل 30 عامًا كان قد بلغ مؤخرًا أعلى مستوى له منذ 2007 قبل أن يتراجع قليلًا إلى 5.18% من 5.28%.
هذه المستويات مهمة لأن السندات طويلة الأجل لا تعكس فقط توقعات المستثمرين للتضخم وأسعار الفائدة، بل أيضًا تقييمهم للمخاطر المالية على المدى البعيد. وكلما طلب المستثمرون عائدًا أعلى للاحتفاظ بالدين الأمريكي، ارتفعت كلفة الاقتراض على الخزانة، واتسعت فاتورة الفائدة التي تتحملها الموازنة الفيدرالية.
لماذا ارتفعت العوائد؟
هناك عدة عوامل تقف خلف ذلك، أبرزها استمرار القلق من التضخم، والحاجة إلى إصدار كميات كبيرة من السندات لتمويل العجز، إلى جانب تقييم الأسواق لمسار السياسة النقدية الأمريكية. ومع بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة نسبيًا لفترة أطول، تصبح السندات الجديدة أعلى كلفة من الإصدارات القديمة، وهو ما يرفع متوسط كلفة خدمة الدين بمرور الوقت.
سقف الدين والاقتراض الحكومي
في الخلفية أيضًا، لعبت تطورات سقف الدين دورًا مهمًا في مسار الأرقام. وزارة الخزانة الأمريكية توضح أن سقف الدين هو الحد القانوني لإجمالي الأموال التي يسمح للحكومة الفيدرالية باقتراضها للوفاء بالتزامات قائمة بالفعل، مثل مزايا الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية ورواتب العسكريين ومدفوعات الفائدة. وبعد ترتيبات تشريعية في 2025، رُفع الحد القانوني بنحو 5 تريليونات دولار إلى حوالي 41.1 تريليون دولار، ما أتاح للخزانة استئناف إدارة الاقتراض بشكل طبيعي وإعادة بناء أرصدتها النقدية.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن معالجة سقف الدين تُزيل خطر التعطل السياسي المؤقت، لكنها لا تحل المشكلة الأساسية: استمرار العجز الكبير واتجاه الدين للصعود بوتيرة تفوق نمو الإيرادات الحكومية.
لماذا يهم ذلك الأسواق العالمية ومصر؟
أي تحرك حاد في سوق الخزانة الأمريكية ينعكس سريعًا على الأصول حول العالم. فالسندات الأمريكية تعتبر أصلًا خاليًا من المخاطر تقريبًا في التسعير المالي العالمي، ولذلك فإن ارتفاع عوائدها يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع المحافظ بين الأسهم والسندات والدولار والذهب. وهذا يفسر لماذا تراقب البنوك المركزية، وصناديق الاستثمار، والأسواق الناشئة، ومنها أسواق المنطقة، تحركات العائد الأمريكي بدقة شديدة.
ومن زاوية مصرية، فإن ارتفاع العائد الأمريكي قد يعزز جاذبية الأصول المقومة بالدولار، ويؤثر على شهية المستثمرين تجاه أدوات الدين في الاقتصادات الناشئة. كما أن قوة الدولار المصاحبة أحيانًا لهذه التحركات يمكن أن تضيف ضغوطًا على تكلفة التمويل الخارجي وعلى أسعار السلع المقومة بالدولار عالميًا. لذلك، فملف الدين الأمريكي ليس خبرًا أمريكيًا داخليًا فحسب، بل عنصر مؤثر في بيئة التمويل العالمية التي تتحرك داخلها الدول المستوردة للسلع ورؤوس الأموال.
هل أصبح المسار مقلقًا؟
القلق الرئيسي لا يرتبط بقدرة الولايات المتحدة الحالية على السداد، إذ ما تزال تملك أكبر سوق دين سيادي وأكثرها سيولة في العالم، لكن المخاوف تتعلق بالمسار الطويل الأجل. مكتب الموازنة في الكونجرس يحذر من أن ارتفاع الدين كنسبة من الناتج المحلي له آثار بعيدة المدى، منها إبطاء النمو الاقتصادي، وزيادة مدفوعات الفائدة لحائزي الدين، وتقليص هامش المناورة أمام صانعي السياسات في أوقات الأزمات. وفي توقعاته الأطول أمدًا، يرى المكتب أن الدين العام الذي يحمله الجمهور يواصل الزيادة خلال العقود المقبلة إلى مستويات غير مسبوقة تاريخيًا.
ما الذي تراقبه الأسواق الآن؟
- مسار العجز الأمريكي: هل يظل قرب مستوياته المرتفعة أم يتباطأ مع نمو الإيرادات؟
- عوائد السندات طويلة الأجل: لأن استمرارها فوق 5% يزيد عبء التمويل على الخزانة والشركات معًا.
- سياسة الاحتياطي الفيدرالي: أي تأخير في خفض الفائدة قد يبقي الضغط قائمًا على تكلفة الاقتراض.
- الطلب العالمي على السندات الأمريكية: لأنه عنصر حاسم في امتصاص الإصدارات الجديدة دون قفزات أكبر في العائد.
الخلاصة
تجاوز الدين الأمريكي مستوى 40 تريليون دولار ليس مجرد رقم قياسي جديد، بل إشارة إلى تداخل ثلاثة مسارات في وقت واحد: عجز مالي مستمر، وفائدة مرتفعة، وتكلفة خدمة دين آخذة في الازدياد. وبالنسبة للأسواق العالمية، فإن المسألة لا تتوقف عند حدود واشنطن، لأن أي إعادة تسعير كبيرة للدين الأمريكي تنعكس مباشرة على الدولار، والأسهم، والذهب، وتدفقات الأموال إلى الأسواق الناشئة. لهذا سيظل هذا الملف أحد أكثر ملفات الأسواق العالمية تأثيرًا خلال الفترة المقبلة.