الإقتصادي

الذكاء الاصطناعي يرفع استهلاك الكهرباء أسرع من نمو الاقتصاد

الطلب على الكهرباء يدخل مرحلة أسرع من نمو الاقتصاد العالمي

يتجه سوق الطاقة العالمي إلى نقطة تحول مهمة، بعدما أظهرت بيانات وتقارير حديثة أن استهلاك الكهرباء ينمو بوتيرة تفوق نمو الاقتصاد العالمي، في انعكاس مباشر لتوسع استخدامات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، إلى جانب التوسع المستمر في السيارات الكهربائية والتصنيع المرتبط بالتحول الطاقي. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذه الموجة ليست مجرد تطور خارجي، بل مؤشر له تأثيرات مباشرة على الاستثمار في الشبكات، وأسواق الغاز، والطاقات المتجددة، وحتى الطلب على المعادن التي تدخل في البنية التحتية الكهربائية.

الوكالة الدولية للطاقة أوضحت في Global Energy Review 2025 أن الطلب العالمي على الكهرباء قفز بنسبة 4.3% خلال عام 2024، متجاوزًا نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي البالغ 3.2% في ذلك العام، وهو تطور وصفته الوكالة بأنه نتيجة لعوامل هيكلية تشمل الكهربة المتزايدة والرقمنة وارتفاع استهلاك مراكز البيانات والتبريد والتصنيع الكهربائي. كما أشارت الوكالة في تحديثاتها اللاحقة إلى استمرار قوة هذا الاتجاه خلال 2025 و2026، رغم تباطؤ الاقتصاد العالمي نسبيًا.

ما الذي يدفع هذا الصعود؟

المعادلة الجديدة في أسواق الطاقة لم تعد تعتمد فقط على النمو الصناعي التقليدي أو الاستهلاك المنزلي، بل أصبحت مرتبطة بقطاعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء. في مقدمة هذه القطاعات تأتي مراكز البيانات التي تستفيد من الطفرة العالمية في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى توسع استخدام الحوسبة السحابية، والشبكات الرقمية، وأنظمة التخزين. وتقول الوكالة الدولية للطاقة إن الولايات المتحدة تشهد نموًا ملحوظًا في الطلب على الكهرباء مدفوعًا بتوسع مراكز البيانات، بينما ارتفع استهلاك الكهرباء في قطاع النقل أيضًا مع تسارع انتشار السيارات الكهربائية.

وفي الصين، التي تمثل أحد أكبر محركات الطلب العالمي، سجلت السيارات الكهربائية حضورًا أكثر وضوحًا في استهلاك الكهرباء، مع استمرار صعود التصنيع المرتبط بتقنيات الطاقة النظيفة. كما ذكرت الوكالة أن مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا زادت بأكثر من 20% في 2025 لتتجاوز 20 مليون وحدة، ما يضيف حملًا جديدًا ومستدامًا على شبكات الكهرباء حول العالم.

الكهرباء تنمو أسرع من الطاقة الكلية أيضًا

لا يقتصر التحول على مقارنة استهلاك الكهرباء بالناتج المحلي فقط، بل يمتد إلى تفوق الكهرباء على نمو الطلب الكلي على الطاقة. فبحسب Global Energy Review 2026، نما الطلب العالمي على الكهرباء بنحو 3% في 2025، أي بأكثر من ضعفي نمو الطلب العالمي على الطاقة البالغ 1.3%. وتوقعت الوكالة كذلك أن يرتفع استهلاك الكهرباء عالميًا بمتوسط 3.3% في 2025 و3.7% في 2026، ليصل الاستهلاك إلى مستوى قياسي يتجاوز 29 ألف تيراواط/ساعة في 2026.

هذا الاتجاه يعزز فكرة أن العالم يتحرك نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على الكهرباء، حيث تصبح الطاقة الكهربائية المدخل الرئيسي لقطاعات تعد من الأكثر ديناميكية في الاقتصاد العالمي، مثل الذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والتبريد، والنقل الكهربائي.

انعكاسات مباشرة على أسواق المعادن

كل زيادة في الطلب على الكهرباء لا تعني فقط الحاجة إلى محطات توليد إضافية، بل أيضًا إلى شبكات أوسع ومحولات وبطاريات وكابلات وبنية تحتية رقمية وطاقة متجددة. وهذا يترجم تلقائيًا إلى طلب أقوى على المعادن الأساسية مثل النحاس والنيكل والألمنيوم والليثيوم، وهي عناصر محورية في بناء الشبكات الكهربائية، ووحدات التخزين، والسيارات الكهربائية، ومراكز البيانات.

ومن منظور استثماري، فإن صعود الطلب على المعادن لم يعد مرتبطًا فقط بسردية التحول الأخضر، بل بات مدفوعًا أيضًا بطفرة الذكاء الاصطناعي. فكل توسع في الخوادم والمعالجات ومراكز المعالجة يحتاج إلى إمدادات كهرباء مستقرة وبنية تحتية قادرة على النقل والتوزيع، ما يضاعف أهمية المعادن الصناعية في السنوات المقبلة.

ماذا يعني ذلك لمصر؟

بالنسبة لمصر، يأتي هذا التحول العالمي في توقيت حساس، مع سعي الدولة إلى تدعيم الشبكة الكهربائية والتوسع في الطاقات المتجددة ورفع كفاءة الإمدادات خلال فترات الذروة. ووفق بيانات رسمية وتقارير محلية، خصصت مصر 136.3 مليار جنيه استثمارات لقطاع الكهرباء والطاقة المتجددة في العام المالي 2025/2026، مقابل 72.6 مليار جنيه في الخطة السابقة، مع هدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة إلى 20% من إجمالي التوليد في 2025/2026، مقارنة بنحو 12% في 2023/2024.

كما تستهدف الخطة زيادة ناتج قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة إلى 655.6 مليار جنيه، مع التوسع في قدرات التوليد والشبكات وخفض الفاقد. هذه الأرقام تعكس إدراكًا رسميًا بأن الكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار الصناعي والرقمي.

مصر تواجه ذروة أحمال قياسية

خلال صيف 2025، سجلت الشبكة القومية للكهرباء في مصر مستويات طلب غير مسبوقة. وبحسب بيانات وزارة الكهرباء وتقارير صحفية مصرية، بلغ الحمل الأقصى 39.4 ألف ميجاوات في أواخر يوليو 2025، قبل أن يصل إلى 39.5 ألف ميجاوات في أغسطس 2025، وهو أعلى مستوى مسجل على الشبكة الموحدة. كما أعلن وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت أن الوزارة تعمل على إضافة 2 جيجاوات استعدادًا لفصل الصيف ودعم استقرار الإمدادات.

هذه المؤشرات تبرز أن قضية نمو الطلب على الكهرباء ليست شأنًا عالميًا بعيدًا عن السوق المصرية، بل واقع محلي أيضًا، خاصة مع الزيادة السكانية، والتوسع العمراني، وارتفاع استخدام أجهزة التبريد، واحتمالات نمو البنية الرقمية ومراكز البيانات خلال السنوات المقبلة.

الذكاء الاصطناعي والطاقة: فرصة وتحدٍ في آن واحد

من زاوية الاستثمار، يمكن النظر إلى طفرة الذكاء الاصطناعي باعتبارها فرصة لقطاعات عديدة في مصر، من البنية التحتية الرقمية إلى مراكز البيانات والخدمات السحابية. لكن هذه الفرصة تحمل في المقابل تحديًا واضحًا: تأمين كهرباء كافية وموثوقة وبتكلفة تنافسية. فكل توسع في الاقتصاد الرقمي يحتاج إلى قدرات توليد ونقل وتوزيع أكثر كفاءة، وإلى مزيد من الاستثمارات في الطاقة المتجددة والتخزين والشبكات الذكية.

كما أن ارتفاع الطلب العالمي على الكهرباء قد ينعكس على تكاليف بعض مدخلات الإنتاج، سواء عبر أسواق الغاز الطبيعي أو من خلال أسعار المعادن والمعدات الكهربائية. لذلك تصبح إدارة مزيج الطاقة في مصر، وتنويع مصادر التوليد، ورفع كفاءة الشبكات، عناصر حاسمة للحفاظ على الاستقرار وجذب الاستثمارات.

خلاصة المشهد

الرسالة الأساسية من تقارير الطاقة الدولية واضحة: العالم يدخل مرحلة يصبح فيها نمو الكهرباء أسرع من نمو الاقتصاد، مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والسيارات الكهربائية، والتوسع في الكهربة عمومًا. وهذه ليست موجة مؤقتة، بل اتجاه هيكلي يعيد تشكيل أسواق الطاقة والمعادن والاستثمار.

وبالنسبة لمصر، فإن التطورات العالمية تمنح صانع القرار والمستثمرين إشارة مهمة: الطلب على الكهرباء سيظل في قلب معادلة النمو خلال السنوات المقبلة. ومن هنا، فإن الرهان لن يكون فقط على توفير الإمدادات، بل على بناء منظومة كهرباء أكثر مرونة وكفاءة وقدرة على مواكبة الاقتصاد الرقمي والصناعي الجديد.