الذهب يتماسك بعد قاع 9 أسابيع مع ترقب الفيدرالي ومضيق هرمز
الذهب بين ضغط الفائدة ودعم المخاطر الجيوسياسية
تحركت أسعار الذهب العالمية في نطاق ضيق بعد أن لامست أدنى مستوياتها في نحو تسعة أسابيع، في وقت أعاد فيه التوتر المرتبط بمضيق هرمز تسعير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية. هذا التماسك لا يعكس فقط شهية التحوط التقليدية تجاه المعدن النفيس، بل يسلط الضوء أيضًا على معادلة أكثر تعقيدًا بالنسبة للشركات العاملة في تجارة الذهب والمجوهرات والسبائك: ارتفاع المخاطر الجيوسياسية قد يدعم الطلب، لكن صعود توقعات الفائدة الأمريكية يرفع في المقابل تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر عائدًا.
بالنسبة للسوق المصرية، يبقى هذا التطور مهمًا على مستوى شركات الصاغة وتجار الجملة ومستوردي الخامات، لأن أي تغير في سعر الأوقية عالميًا ينتقل سريعًا إلى أسعار الجرام محليًا، مع تأثير إضافي ناتج عن تحركات سعر الصرف والطلب الموسمي على المشغولات والسبائك.
لماذا ضغط مضيق هرمز على الذهب بدلًا من دفعه للصعود القوي؟
عادة ما يستفيد الذهب من التوترات السياسية والعسكرية بصفته ملاذًا آمنًا. لكن ما جرى في هذه الموجة كان مختلفًا نسبيًا؛ إذ إن المخاوف بشأن إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز رفعت أسعار النفط، ما أنعش بدوره مخاوف التضخم عالميًا. ومع صعود التضخم، زادت حساسية الأسواق تجاه احتمال إبقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة لفترة أطول، أو على الأقل تأجيل أي خفض سريع في تكلفة الاقتراض. هذه القراءة حدّت من مكاسب الذهب رغم استمرار المخاطر الجيوسياسية. وتشير تقديرات واسعة التداول في الأسواق إلى أن مضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، ما يفسر حساسية الأصول المالية لأي تهديدات مرتبطة به.
مجلس الذهب العالمي أشار في متابعته الأسبوعية للأسواق خلال يونيو 2025 إلى أن صعود احتمالات اضطراب الملاحة في هرمز تزامن مع ارتفاع النفط، بينما ظل الذهب متماسكًا نسبيًا مع إعادة تقييم المستثمرين لتداعيات التضخم ومسار أسعار الفائدة. كما أوضح المجلس في نهاية الشهر أن الذهب كسر مستوى دعم فني متوسط الأجل رغم تراجع الدولار والعوائد لاحقًا، وهو ما يعكس أن السوق كانت تمر بمرحلة تصحيح بعد موجة ارتفاعات قوية في النصف الأول من العام.
الفيدرالي في قلب المشهد
العامل الأكثر تأثيرًا على شركات وتجار الذهب لم يكن التوتر الجيوسياسي وحده، بل كيفية قراءته داخل أروقة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بقيادة جيروم باول (@federalreserve على إنستغرام لا يخص شخصًا بعينه لكن الحساب الرسمي للمؤسسة لم يظهر في نتائج التحقق، لذا يرد الاسم دون حساب شخصي). ففي اجتماع 17-18 يونيو 2025، قرر الفيدرالي الإبقاء على نطاق الفائدة عند 4.25% إلى 4.50%، مؤكدًا أن التضخم ما زال أعلى من المستوى المستهدف وأن أي تعديلات لاحقة ستظل رهينة البيانات الاقتصادية الواردة.
كما أظهرت مواد التوقعات الصادرة بعد الاجتماع أن المشاركين في لجنة السوق المفتوحة خفضوا توقعاتهم لنمو الاقتصاد الأمريكي في 2025 إلى 1.4%، مع إبقاء التضخم ضمن دائرة القلق. هذا التوازن بين تباطؤ النمو وبقاء الضغوط السعرية هو ما يجعل الذهب أصلًا متقلب القراءة: من جهة يستفيد من القلق الاقتصادي، ومن جهة أخرى يتضرر إذا ترجمت مخاطر التضخم إلى فائدة أعلى أو أطول أمدًا.
محضر الاجتماع الصادر لاحقًا أظهر أيضًا أن مسار توقعات السوق للفائدة تحرك صعودًا مقارنة ببعض التقديرات السابقة، حتى مع استمرار الحديث داخل الفيدرالي عن احتمالات خفضين للفائدة خلال 2025 وفق السيناريو الأساسي لبعض المشاركين. هذه التباينات ساهمت في إبقاء المستثمرين حذرين تجاه الذهب، خصوصًا بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها خلال النصف الأول من العام.
ماذا يعني ذلك لشركات الذهب والمجوهرات في مصر؟
في السوق المصرية، الأثر التجاري لهذه التطورات يتجاوز مجرد حركة سعرية يومية. عندما ترتفع الأوقية عالميًا أو حتى تحافظ على مستويات مرتفعة رغم التصحيح، تواجه شركات المشغولات الذهبية تحديًا مزدوجًا: تراجع القدرة الشرائية لدى بعض المستهلكين من جهة، وتحسن الطلب على السبائك والجنيهات الذهبية باعتبارها وعاءً ادخاريًا من جهة أخرى. هذا التحول في مزيج الطلب يغير هوامش الربح، لأن بيع السبائك غالبًا يختلف من حيث المصنعية والدوران النقدي عن بيع المشغولات.
بيانات السوق المحلية خلال يونيو 2025 أظهرت أن عيار 21، وهو الأكثر تداولًا في مصر، تحرك في مستويات مرتفعة للغاية. ففي 15 يونيو سجل نحو 4895 جنيهًا للجرام دون مصنعية، ثم اقترب في بعض التعاملات من 4940 جنيهًا، بينما كان يدور قرب 4800 جنيه في 21 يونيو، قبل أن يسجل نحو 36960 جنيهًا للجنيه الذهب بنهاية يونيو وفق تداولات منشورة في السوق المحلية. هذه الأرقام تعكس مدى سرعة انتقال أثر التغيرات العالمية إلى السوق المصرية، حتى مع اختلاف التوقيت بين جلسات البورصات الدولية وحركة الصاغة محليًا.
ومن منظور قطاع الأعمال، فإن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة يعزز إيرادات الشركات العاملة في إعادة التدوير والتجارة والوساطة، لكنه قد يضغط على أحجام المبيعات الكمية في قطاع المشغولات، خاصة في الفئات المتوسطة. كما يدفع بعض التجار إلى زيادة التركيز على المنتجات خفيفة الوزن أو السبائك الصغيرة لمواءمة تغيرات الطلب.
تصحيح بعد صعود تاريخي
رغم الحديث عن هبوط الذهب إلى أدنى مستوى في عدة أسابيع آنذاك، فإن الصورة الأوسع كانت مختلفة؛ فمجلس الذهب العالمي أوضح أن المعدن الأصفر أنهى مايو 2025 قرب 3278 دولارًا للأوقية، بينما أظهر تحديث منتصف العام أن الذهب حقق عشرات القمم القياسية خلال 2025 وكان لا يزال مرتفعًا بنحو 26% منذ بداية العام حتى نهاية يونيو. كما أغلق الربع الثاني قرب 3287.45 دولارًا للأوقية وفق بيانات سوق لندن للمعادن النفيسة، ما يعني أن التراجع الذي لفت انتباه المتعاملين كان أقرب إلى تصحيح داخل اتجاه صاعد واسع، لا إلى انقلاب كامل في المسار.
هذا الفارق مهم تحريريًا وتجاريًا معًا: فالعناوين التي تركز على “أدنى مستوى في تسعة أسابيع” قد توحي بضعف حاد، بينما الواقع أن الأسعار كانت تتحرك بعد موجة صعود قوية جدًا، وهو ما يفسر استمرار اهتمام المستثمرين، سواء الأفراد أو المؤسسات، بالذهب كأداة تنويع وتحوط.
ما الذي تراقبه الشركات الآن؟
1) أسعار الطاقة والشحن
أي تصعيد جديد حول مضيق هرمز قد يرفع النفط ويعيد إشعال رهانات التضخم، بما يغير مسار الذهب سريعًا صعودًا أو هبوطًا وفق استجابة الدولار والعوائد الأمريكية.
2) إشارات الفيدرالي المقبلة
الشركات والمستثمرون يتابعون تصريحات مسؤولي الفيدرالي وبيانات التضخم والوظائف الأمريكية لأنها تحدد ما إذا كانت الفائدة ستظل مرتفعة أو تبدأ بالانخفاض بوتيرة أسرع. جدول اجتماعات الفيدرالي خلال 2025 أظهر أن اجتماعات سبتمبر وديسمبر كانت ضمن المحطات الرئيسية التي تراقبها الأسواق لهذا الغرض.
3) الطلب المحلي في مصر
استمرار المستويات المرتفعة لعيار 21 والجنيه الذهب يعيد تشكيل سلوك المستهلك المصري بين الشراء بغرض الزينة والشراء بغرض الادخار، وهو ما ينعكس مباشرة على استراتيجيات التسعير والمخزون لدى شركات القطاع.
الخلاصة
تماسك الذهب بعد بلوغ أدنى مستوى في نحو تسعة أسابيع لم يكن مجرد رد فعل فني عابر، بل نتيجة شد وجذب بين عاملين متعارضين: تصاعد المخاطر حول مضيق هرمز بما يدعم الطلب الدفاعي، وارتفاع مخاوف التضخم بما يعزز بقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة. بالنسبة للقارئ المصري، فإن الأهمية الحقيقية لهذا المشهد تكمن في تأثيره المباشر على أعمال تجارة الذهب والمجوهرات والسبائك داخل السوق المحلية، حيث تتحول التطورات الجيوسياسية وقرارات الفيدرالي في واشنطن إلى أسعار يومية على شاشات الصاغة في القاهرة والإسكندرية وباقي المحافظات.