الرقابة المالية توافق لشركتين على خدمات التمويل بالتكنولوجيا
دفعة جديدة لرقمنة الأنشطة المالية غير المصرفية في مصر
تواصل الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر توسيع نطاق استخدام التكنولوجيا المالية داخل الأنشطة غير المصرفية، بعدما منحت موافقة لشركتين لتقديم خدماتهما باستخدام حلول رقمية، في خطوة تعكس استمرار التحول المؤسسي نحو رقمنة الخدمات المالية ورفع كفاءتها داخل السوق المحلية. وتأتي هذه الموافقات ضمن المسار الذي تتبناه الهيئة لتنظيم استخدام FinTech في مجالات التمويل والاستثمار والتأمين والخدمات المرتبطة بها، مع تشديد موازٍ على الحوكمة وإدارة المخاطر وحماية بيانات العملاء.
ورغم أن الخبر الأساسي يشير إلى موافقة تخص شركتين، فإن المراجعة الأحدث لبيانات الهيئة تُظهر أن ملف التكنولوجيا المالية في مصر لم يعد يقتصر على قرارات منفصلة محدودة، بل أصبح جزءاً من سياسة رقابية أوسع تستهدف تعميم القنوات الرقمية في تقديم الخدمات المالية غير المصرفية، سواء عبر شركات ناشئة أو مؤسسات قائمة توسع أنشطتها باستخدام التحقق الإلكتروني والتعاقد الرقمي وحفظ السجلات إلكترونياً.
ما الذي تعنيه هذه الموافقات للسوق المصرية؟
في سوق مثل مصر، حيث يتزايد الاعتماد على القنوات الرقمية في الخدمات المالية، تمثل موافقات الهيئة أكثر من مجرد ترخيص إداري. فهي تمنح الشركات إطاراً قانونياً واضحاً لاستخدام أدوات مثل الهوية الرقمية، والتعرف الإلكتروني على العميل، والعقود الرقمية، والسجلات الإلكترونية في تقديم الأنشطة المالية غير المصرفية. وهذا ينعكس مباشرة على سرعة تنفيذ العمليات، وتقليل الاعتماد على الأوراق والفروع التقليدية، وخفض تكلفة الوصول إلى العميل.
الهيئة كانت قد أوضحت في أكثر من بيان سابق أن التحول الرقمي في هذا القطاع يستهدف توسيع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية، ودعم الشمول المالي، مع ضمان التزام الشركات بضوابط الأمن السيبراني والرقابة الداخلية. هذا التوجه يبدو منسجماً أيضاً مع سياسات الدولة المصرية الأوسع في الرقمنة وتطوير البنية التنظيمية للخدمات المالية.
سياق تشريعي يحكم استخدام التكنولوجيا المالية
التحرك التنظيمي الحالي يستند إلى القانون رقم 5 لسنة 2022 بشأن تنظيم وتنمية استخدام التكنولوجيا المالية في الأنشطة المالية غير المصرفية، وهو القانون الذي منح الهيئة أساساً تشريعياً مباشراً لتنظيم هذا النوع من الخدمات. كما دعمت الهيئة التطبيق العملي للقانون عبر القرارات التنفيذية، وبينها القرارات أرقام 139 و140 و141 لسنة 2023، التي تناولت متطلبات الترخيص، وضوابط الهوية والعقود والسجلات الرقمية، ومجالات استخدام التكنولوجيا المالية والامتثال المرتبط بها.
أهمية هذا الإطار لا تقتصر على منح الموافقات، بل تمتد إلى وضع قواعد واضحة أمام الشركات الراغبة في دخول المجال، سواء كانت شركات تمويل استهلاكي، أو تمويل للمشروعات، أو شركات عاملة في الأوراق المالية، أو جهات تستعين بمقدمي خدمات تعهيد تقني معتمدين لدى الهيئة.
قرارات أحدث تؤكد تسارع الرقمنة
التحقق من البيانات الرسمية المنشورة من الهيئة يظهر أن الموافقة على شركتين ليست حالة منفردة، بل تأتي ضمن موجة متصاعدة من القرارات خلال 2025 و2026. ففي 5 مايو 2026 أعلنت الهيئة منح 6 شركات موافقات لمزاولة أنشطة مالية غير مصرفية باستخدام التكنولوجيا المالية، وشملت هذه القرارات تأسيس شركة ڤاليو لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة كشركة ناشئة في التكنولوجيا المالية، إلى جانب السماح لشركات أخرى باستخدام حلول التحقق الإلكتروني في أنشطة أمناء الحفظ وتداول الأوراق المالية.
وقبل ذلك، وفي 15 يناير 2026، وافقت لجنة البت في طلبات استخدام التكنولوجيا المالية على منح تراخيص وموافقات لعدد من الشركات، من بينها أدفا للتمويل الاستهلاكي، وجرانيت المالية القابضة، فضلًا عن توسيع استخدام الخدمات الرقمية لدى كيانات تابعة لمجموعة إي إف جي القابضة. كما شهد 18 مارس 2025 موافقة الهيئة لأول مرة على استخدام التكنولوجيا المالية بشكل كامل داخل ثلاث شركات سمسرة في الأوراق المالية هي تيلدا لتداول الأوراق المالية وبلتون لتداول الأوراق المالية وثاندر لتداول الأوراق المالية، بما شمل التحقق الإلكتروني، والتعرف على العميل، وتنفيذ التعاقدات رقمياً.
دور شركات التعهيد التقني في المنظومة
أحد الجوانب المهمة في هذا الملف هو أن التحول الرقمي لا يجري دائماً عبر أنظمة داخلية مملوكة للشركات فقط، بل يعتمد أيضاً على مقدمي خدمات تعهيد تقني مقيدين لدى الهيئة. وكانت الرقابة المالية قد وافقت في 30 يناير 2024 على قيد شركتين بسجل مقدمي خدمات التعهيد في مجالات التكنولوجيا لمساعدة المؤسسات المالية غير المصرفية في تقديم خدماتها رقمياً، في خطوة أساسية لتجهيز البنية التشغيلية للسوق.
هذا النموذج التنظيمي مهم للغاية، لأنه يسمح للشركات المالية غير المصرفية بالاعتماد على جهات متخصصة في التحقق الإلكتروني والبنية الرقمية، بدلاً من بناء كل الأنظمة من الصفر. وعملياً، يسرّع ذلك من دخول شركات جديدة إلى السوق، ويمنح اللاعبين القائمين قدرة أسرع على التوسع في تقديم الخدمات عبر التطبيقات والمنصات الإلكترونية.
كيف ينعكس ذلك على المستثمرين والعملاء؟
بالنسبة للمستثمر الفردي أو العميل في مصر، فإن التوسع في استخدام التكنولوجيا المالية داخل الأنشطة غير المصرفية يعني تجربة أكثر سهولة في فتح الحسابات، وتوقيع المستندات، وإجراء التحقق من الهوية، والحصول على الخدمات دون الحاجة إلى التنقل المتكرر بين الفروع. وفي قطاع الأوراق المالية تحديداً، تسهم هذه الأدوات في تسريع onboarding العملاء الجدد وتقليل الوقت والتكلفة المرتبطين بإجراءات بدء الاستثمار.
كما أن رقمنة الخدمات تساعد على الوصول إلى شرائح أوسع، خاصة الشباب والمستخدمين الذين يفضلون التعامل عبر الهاتف المحمول. لكن في المقابل، تشدد الهيئة على أن هذا التوسع يجب أن يظل مصحوباً بأنظمة صارمة لإدارة المخاطر التكنولوجية، وحماية البيانات، واستمرارية الأعمال، للحفاظ على استقرار السوق وحقوق المتعاملين.
لماذا يهم هذا الخبر قراء «بورصة مصر»؟
أهمية الخبر لقراء قسم بورصة مصر تتجاوز كونه خبراً تنظيمياً؛ إذ إنه يرتبط مباشرة بالبنية المستقبلية لسوق المال والخدمات المالية غير المصرفية في البلاد. فكل موافقة جديدة على استخدام التكنولوجيا المالية تعني مزيداً من الشركات القادرة على تقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة، ومزيداً من الفرص لزيادة قاعدة المستخدمين والمستثمرين، وتحسين بيئة الأعمال أمام الشركات المحلية الناشئة والمؤسسات المالية التقليدية على حد سواء.
كما أن توسع الهيئة في منح هذه الموافقات يبعث برسالة واضحة إلى السوق: الرقمنة أصبحت جزءاً أصيلاً من التنظيم المالي في مصر، وليست مجرد خيار تشغيلي إضافي. وهذا بدوره قد يدعم تنافسية القطاع غير المصرفي المصري، ويرفع جاذبيته للاستثمارات والشراكات التكنولوجية خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة
موافقة الهيئة العامة للرقابة المالية لشركتين على تقديم خدمات غير مصرفية باستخدام التكنولوجيا المالية تأتي ضمن مسار أوسع تبنيه مصر لتحديث القطاع المالي غير المصرفي. وبينما يظل الخبر في ظاهره قراراً موجهاً لشركتين، فإن دلالته الأعمق تكمن في تسارع وتيرة التحول الرقمي، وازدياد عدد الشركات التي تدخل المنظومة الرقمية تحت مظلة رقابية وقانونية أكثر نضجاً. وبالنسبة للسوق المصرية، فإن هذا المسار قد يكون أحد أبرز محركات النمو في الخدمات المالية خلال السنوات المقبلة.