الإقتصادي

الرقابة المالية توسّع دور المركز الإقليمي لدعم التمويل المستدام

خطوة تنظيمية جديدة لتعزيز موقع مصر في التمويل المستدام

اتخذت الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر خطوة جديدة لتعزيز البنية المؤسسية للتمويل المستدام، بعدما أصدر مجلس إدارة معهد الخدمات المالية قرارًا بإعادة تنظيم المركز الإقليمي للتمويل المستدام وأسواق الكربون وتوسيع نطاق عمله، بما يتماشى مع التطورات المتسارعة في مجالات التمويل المناخي والاقتصاد منخفض الكربون. وبحسب ما أعلنته الهيئة يوم الأحد 20 سبتمبر 2026، فإن القرار جاء برئاسة الدكتور إسلام عزام، القائم بأعمال رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، بهدف تحويل المركز إلى منصة أكثر تخصصًا في التدريب والبحث والخدمات الفنية ذات الصلة بالاستدامة وأسواق الكربون.

أهمية هذه الخطوة لا ترتبط فقط بإعادة ترتيب أدوار مركز قائم بالفعل، لكنها تعكس اتجاهًا أوسع داخل السوق المصرية نحو بناء قدرات مهنية وتنظيمية تخدم توسع أدوات التمويل الأخضر، خاصة مع تصاعد الاهتمام المحلي والدولي بالإفصاحات المناخية وقياس الانبعاثات وتعويضها داخل الأنشطة المالية غير المصرفية.

ما الذي تغيّر في اختصاصات المركز؟

القرار الجديد يعرّف المركز بوصفه بيت خبرة فني وبحثي وتدريبي تابعًا لمعهد الخدمات المالية، مع توسيع اختصاصاته لتشمل أكثر من مجرد تقديم دورات تقليدية. ووفقًا لما نشرته الهيئة، بات المركز معنيًا بإعداد وتنفيذ البرامج التدريبية، وإجراء الدراسات والبحوث، وصياغة الأدلة الفنية وأوراق العمل، وبناء قواعد بيانات ومؤشرات أداء، إلى جانب تقديم الخدمات الاستشارية والفنية وتنظيم المؤتمرات والفعاليات المتخصصة.

ومن أبرز الإضافات النوعية، أن القرار وسّع دور المركز ليشمل مسارات مرتبطة مباشرة بأسواق الكربون والتمويل المناخي، مثل:

  • تأهيل خبراء الكربون والمتخصصين في هذا المجال.
  • التدريب على إعداد تقارير الانبعاثات الكربونية.
  • التدريب على معايير الإفصاح المناخي.
  • إعداد أدلة للرصد والإبلاغ والتحقق.
  • بناء قدرات مطوري مشروعات خفض الانبعاثات.
  • تصميم برامج اعتماد مهني للعاملين في التمويل المناخي.

هذا التوسع يعكس انتقالًا من مفهوم التوعية العامة بالاستدامة إلى تأسيس بنية مهنية متخصصة تدعم التطبيق الفعلي داخل السوق، سواء على مستوى الشركات أو الجهات العاملة في الأنشطة المالية غير المصرفية.

لماذا يحمل القرار أهمية خاصة للسوق المصرية؟

في السنوات الأخيرة، ركزت الهيئة العامة للرقابة المالية على تطوير إطار تشريعي وتنظيمي يدعم التمويل المستدام في السوق غير المصرفية. وتشير المواد المنشورة على موقع الهيئة إلى أن مصر بنت بالفعل إطارًا تنظيميًا يشمل الإفصاحات البيئية والاجتماعية والحوكمة، فضلًا عن تنظيم سوق الكربون الطوعي واعتبار شهادات خفض الانبعاثات أداة مالية ضمن تعديلات سابقة على اللائحة التنفيذية لقانون سوق رأس المال.

وتبرز أهمية المركز الإقليمي هنا باعتباره الذراع الفنية والمعرفية القادرة على ترجمة هذه التشريعات إلى مهارات تطبيقية. فكل توسع تنظيمي في أسواق الكربون أو قواعد الإفصاح يحتاج إلى كوادر مدربة تستطيع القياس والتحقق وإعداد التقارير، وهي فجوة تسعى الهيئة إلى معالجتها مبكرًا حتى لا يبقى التطوير التنظيمي بلا قاعدة تنفيذية كافية.

صلة مباشرة بقرارات الكربون الصادرة في 2026

القرار الجديد لا يأتي بمعزل عن حزمة أوسع من الإجراءات. ففي 26 أبريل 2026، استضاف المركز الإقليمي ورشة متخصصة لشرح آليات تنفيذ قرار مجلس إدارة الهيئة رقم 36 لسنة 2026، الذي ألزم الشركات العاملة في مجال الأنشطة المالية غير المصرفية بالإفصاح عن بصمتها الكربونية، مع تنفيذ التعويضات الإلزامية عبر شراء شهادات كربون من السوق الطوعي المنظم. واستهدفت الورشة الكيانات ذات رؤوس الأموال أو حقوق الملكية التي تتجاوز 100 مليون جنيه، وهو ما يوضح أن دور المركز أصبح مرتبطًا مباشرة بتطبيق المتطلبات الرقابية الجديدة داخل السوق.

كما تُظهر صفحة التشريعات الخاصة بالاستدامة وسوق الكربون على موقع الهيئة أن المنظومة التنظيمية شهدت توسعًا ملحوظًا، من بينها قرار رقم 115 لسنة 2026 الخاص بمد المهلة المرتبطة بالإفصاح عن الانبعاثات وتعويضها، إلى جانب قواعد قيد وشطب شهادات خفض الانبعاثات ومعايير اعتماد جهات التحقق والمصادقة المحلية والأجنبية.

إعادة تشكيل الدور المؤسسي للمركز

من الجوانب المهمة أيضًا في القرار، إعادة تنظيم الإطار المؤسسي للمركز عبر إنشاء مجلس استشاري يضم خبرات متخصصة في المجالات المرتبطة بعمله. ويتولى مجلس إدارة المعهد اختيار أعضاء هذا المجلس لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، على أن تكون مهمته تقديم الرأي والمشورة واقتراح ما يلزم لتمكين المركز من أداء اختصاصاته بكفاءة.

هذه الخطوة تمنح المركز مساحة أوسع للاستفادة من خبرات السوق والأوساط الأكاديمية والمهنية، بما يساعد على تطوير مناهج التدريب وبرامج الشهادات المهنية وربطها باحتياجات المؤسسات المالية والشركات الخاضعة لرقابة الهيئة.

من يقود هذا التوجه داخل الهيئة؟

يتزامن القرار مع مرحلة قيادية جديدة داخل الهيئة، إذ يتولى الدكتور إسلام عزام رئاسة الهيئة العامة للرقابة المالية بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 116 لسنة 2026. وتوضح البيانات الرسمية أن عزام يمتلك خبرة طويلة في مجالات سوق رأس المال والتنظيم والرقابة، كما شغل سابقًا مناصب قيادية داخل الهيئة والبورصة المصرية. ويقود معهد الخدمات المالية الدكتور طارق سيف بصفته المدير التنفيذي، وهو المنصب الذي يشغله منذ مارس 2024، بينما سبق أن ظهر اسمه في فعاليات متعددة مرتبطة بالتدريب المهني وأسواق الكربون باعتباره أحد المسؤولين التنفيذيين عن الذراع التدريبية للهيئة.

وجود هذا الربط بين القيادة الرقابية والذراع التدريبية مهم للغاية، لأن التوسع في التمويل المستدام لا يعتمد فقط على إصدار القرارات، بل على خلق سوق لديها القدرة على التطبيق العملي والالتزام بالإفصاح وبناء نماذج أعمال متوافقة مع التحول الأخضر.

كيف تستفيد الشركات والمؤسسات المالية؟

بالنسبة للشركات العاملة في مجالات التمويل غير المصرفي، فإن توسيع اختصاصات المركز يعني زيادة فرص الوصول إلى تدريب متخصص، وأدلة تطبيقية، وبرامج اعتماد مهني، وخدمات فنية تساعدها على الامتثال للمتطلبات المستحدثة. كما يمكن أن يسهم ذلك في تقليل تكلفة التعلم المؤسسي، خاصة في الملفات الجديدة نسبيًا مثل احتساب الانبعاثات، والتعامل مع شهادات الكربون، ومتطلبات الإفصاح المناخي.

أما على مستوى السوق الأوسع، فقد يساعد القرار في تكوين قاعدة من المهنيين المحليين القادرين على إدارة هذا الملف داخل مصر بدل الاعتماد المكلف على خبرات خارجية. وهذا يحمل دلالة مهمة في ظل سعي القاهرة إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي للتمويل الأخضر والتمويل المستدام في المنطقة.

ماذا يعني ذلك لمستقبل «بنوك واستثمار مصر»؟

رغم أن اختصاصات الهيئة العامة للرقابة المالية تتركز في الأنشطة غير المصرفية، فإن أثر هذه التطورات يمتد إلى مشهد الاستثمار والتمويل في مصر ككل. فكلما أصبحت قواعد الاستدامة والإفصاح المناخي أكثر وضوحًا، وكلما توفرت بنية تدريبية ومهنية قادرة على تنفيذها، زادت فرص تدفق استثمارات تتوافق مع المعايير البيئية والحوكمة، وهي معايير باتت مؤثرة في قرارات المستثمرين والمؤسسات التمويلية إقليميًا ودوليًا.

الرسالة الأساسية من القرار الجديد واضحة: مصر لا تكتفي بوضع قواعد لسوق الكربون والتمويل المستدام، بل تتحرك أيضًا لبناء الكوادر والمؤسسات التي تجعل هذه القواعد قابلة للتطبيق والنمو. وفي بيئة مالية تتجه بسرعة نحو ربط التمويل بالاستدامة، تبدو هذه الخطوة جزءًا من تأسيس أعمق لسوق أكثر جاهزية للتعامل مع متطلبات الاقتصاد منخفض الكربون في السنوات المقبلة.