الإقتصادي

العقود الأمريكية تتراجع قبيل نتائج إنفيديا وجاكسون هول

ضغوط على العقود الآجلة الأمريكية مع عودة السندات إلى الواجهة

تراجعت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية في وقت يتعامل فيه المستثمرون بحذر مع عاملين شديدي التأثير على اتجاهات السوق: ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وترقب نتائج شركة إنفيديا، إلى جانب الرسائل المنتظرة من ندوة جاكسون هول السنوية التي ينظمها بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي. هذه التركيبة تعني أن الأسواق العالمية، من نيويورك إلى أوروبا وآسيا، باتت أكثر حساسية لأي مفاجأة تتعلق بأسعار الفائدة أو شهية المخاطرة في أسهم التكنولوجيا.

وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لقسم الأسواق العالمية، فإن أهمية هذا التطور لا تقتصر على الأسهم الأمريكية وحدها، بل تمتد إلى حركة الدولار، وأسعار الذهب، وتدفقات الاستثمار نحو الأسواق الناشئة، وهي عوامل تنعكس عادةً على المزاج الاستثماري عالميًا.

لماذا تضغط العوائد المرتفعة على وول ستريت؟

عندما ترتفع عوائد السندات الأمريكية، ترتفع معها كلفة التمويل ويتراجع نسبيًا بريق الأصول عالية المخاطر، خصوصًا أسهم النمو والتكنولوجيا. ولهذا السبب تميل مؤشرات مثل ناسداك إلى التأثر بسرعة أكبر مقارنة ببعض القطاعات الدفاعية. كما أن ارتفاع العائد الخالي من المخاطر يدفع المستثمرين إلى إعادة تسعير تقييمات الشركات التي تراهن الأسواق على نمو أرباحها في المستقبل البعيد.

هذا المشهد زاد من حساسية المستثمرين تجاه أي بيانات اقتصادية أمريكية أو تصريحات من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي. ففي فترات مماثلة، لا يكفي أن تكون أرباح الشركات جيدة؛ بل يجب أن تكون أقوى من التوقعات بما يكفي لتعويض أثر العائدات المرتفعة على شهية السوق.

إنفيديا في قلب المشهد: اختبار جديد لأسهم الذكاء الاصطناعي

تحتل شركة إنفيديا موقعًا محوريًا في هذه المرحلة، ليس فقط بسبب وزنها الكبير في المؤشرات الأمريكية، بل لأنها تُعد رمزًا رئيسيًا لرهان السوق على طفرة الذكاء الاصطناعي. وقد حددت الشركة بالفعل موعد إعلان نتائج الربع الثاني من سنتها المالية 2025 يوم 28 أغسطس 2024 عند الساعة 2:00 ظهرًا بتوقيت المحيط الهادئ، وفق موقع علاقات المستثمرين الرسمي للشركة. كما أعلنت في نتائج ذلك الربع لاحقًا إيرادات فصلية قياسية بلغت 30.0 مليار دولار، بزيادة 15% على أساس فصلي و122% على أساس سنوي، مع وصول إيرادات مراكز البيانات إلى 26.3 مليار دولار. كذلك رفعت الشركة تفويض إعادة شراء الأسهم بإضافة 50 مليار دولار في 26 أغسطس 2024. هذه الأرقام تفسر لماذا تتحول نتائجها إلى حدث قادر على تحريك السوق بأكمله، لا سهمها فقط.

ويقود الشركة مؤسسها ورئيسها التنفيذي جينسن هوانغ، الذي يظهر بانتظام بوصفه الوجه الأبرز لطفرة رقائق الذكاء الاصطناعي، لكن لم يتسنَّ التحقق من حساب إنستغرام رسمي موثوق له، لذلك يُذكر اسمه هنا من دون مقبض حساب.

ما الذي تنتظره السوق من نتائج إنفيديا؟

الأسواق لا تراقب بند الإيرادات فقط، بل تركز على ثلاث نقاط أساسية:

  • وتيرة الطلب على رقائق Hopper وBlackwell، باعتبارها مقياسًا مباشرًا لاستمرار الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
  • توقعات الإدارة للربع التالي، لأن أي تباطؤ في الإرشادات المستقبلية قد يضغط على القطاع كله.
  • هوامش الربحية، خصوصًا مع توسع الإنفاق الرأسمالي لدى عمالقة التكنولوجيا والعملاء من مراكز البيانات.

ومن هنا، فإن رد فعل السوق تجاه إنفيديا غالبًا ما يتجاوز السهم إلى شركات أشباه الموصلات الكبرى وسلسلة التوريد المرتبطة بها، بل وقد يمتد إلى تقييمات شركات التكنولوجيا العملاقة المدرجة على مؤشر ناسداك.

جاكسون هول: لماذا يراقبه المستثمرون بهذا الاهتمام؟

تنظم البنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي ندوة Jackson Hole Economic Policy Symposium سنويًا، وقد انعقدت نسخة عام 2024 بين 22 و24 أغسطس 2024 تحت عنوان إعادة تقييم فعالية وانتقال السياسة النقدية. وأظهرت الأجندة الرسمية أن رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول كان ضمن المتحدثين الرئيسيين في جلسة الافتتاح يوم الجمعة.

تكمن أهمية جاكسون هول في أنه ليس اجتماعًا لاتخاذ قرار فوري بشأن الفائدة، لكنه منصة شديدة التأثير لصياغة التوقعات. أي تغيير في نبرة باول أو بقية صناع السياسات يمكن أن يعيد تسعير رهانات السوق على خفض أو تثبيت أسعار الفائدة خلال الاجتماعات اللاحقة للجنة السوق المفتوحة.

ماذا يعني ذلك للأسواق العالمية وللمستثمر المصري؟

إذا جاءت رسائل جاكسون هول أكثر تشددًا، أو إذا استمرت العوائد الأمريكية المرتفعة، فقد تتعرض الأسهم العالمية لمزيد من الضغوط، بينما يلقى الدولار دعمًا إضافيًا. أما إذا أوحت التصريحات بأن الفيدرالي بات أقرب إلى تيسير السياسة النقدية، فعندها قد تستعيد الأصول الخطرة بعض الزخم، بما يشمل الأسهم والسلع وبعض أدوات الدين في الأسواق الناشئة.

وهذا مهم للمستثمرين في مصر لأن تحركات السوق الأمريكية تؤثر بصورة غير مباشرة على تدفقات الأموال العالمية، وعلى اتجاهات أسعار الذهب، وعلى تكلفة الاقتراض الدولية. كما أن شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى أصبحت مرجعًا لقياس شهية المستثمرين عالميًا تجاه القطاعات عالية النمو.

السيناريوهات المحتملة بعد الحدثين

  • سيناريو إيجابي: نتائج قوية من إنفيديا ورسائل أقل تشددًا من الفيدرالي، ما قد يدعم ناسداك ويخفف الضغط عن الأسهم العالمية.
  • سيناريو مختلط: أرباح قوية لكن مع استمرار العوائد المرتفعة، وهو ما قد يبقي التقلبات مرتفعة حتى لو حافظت السوق على جزء من مكاسبها.
  • سيناريو سلبي: نتائج أو توقعات دون الطموحات، بالتزامن مع خطاب متشدد من جاكسون هول، ما قد يدفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في أسهم النمو.

الخلاصة

الرسالة الأساسية في الأسواق حاليًا واضحة: وول ستريت ليست قلقة من حدث واحد، بل من تزامن عدة اختبارات حساسة في وقت واحد. فالعوائد المرتفعة تضغط على التقييمات، ونتائج إنفيديا تختبر استمرار رهان الذكاء الاصطناعي، وندوة جاكسون هول تحدد إلى حد كبير اتجاه توقعات الفائدة الأمريكية. لذلك تبدو العقود الآجلة أكثر هشاشة، بينما يفضل المستثمرون الانتظار إلى حين اتضاح الصورة.

وبالنسبة لمتابعي الأسواق من مصر، فإن ما يحدث في نيويورك هذا الأسبوع لا ينبغي التعامل معه كخبر أمريكي محلي، بل كإشارة عالمية قد تنعكس على الأسهم والذهب والدولار وتدفقات الاستثمار عبر عدة أسواق في وقت واحد.