إلغاء الفحص الجزافي رسميًا: خارطة ضرائب مصر حتى 2028
إلغاء الفحص الجزافي يدخل مرحلة التنفيذ الفعلي في مصر
دخل ملف إلغاء الفحص الجزافي في مصر مرحلة جديدة أكثر وضوحًا بعد إعلان مصلحة الضرائب المصرية في 17 سبتمبر 2026 إلغاء المادة 18 من قانون الضريبة على الدخل، وهي المادة التي كانت تمثل الغطاء التشريعي لإصدار تعليمات نسب صافي الربح والمحاسبة التقديرية والجزافية. الإعلان صدر على لسان رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، في خطوة وصفتها المصلحة بأنها استجابة لمطالب المجتمع الضريبي وإنهاء لأحد أبرز أسباب النزاعات بين الممولين والإدارة الضريبية.
عمليًا، لا يعني القرار أن كل الملفات ستتحول فورًا إلى نظام دفاتر كامل بداية من اليوم التالي، بل إن المصلحة وضعت مرحلة انتقالية واضحة: استمرار سريان القرارات والتعليمات التنفيذية الصادرة بناءً على المادة 18 على الفترات الضريبية لعام 2027 وما قبلها، على أن تبدأ المعاملة الضريبية القائمة كليًا على الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية اعتبارًا من الفترة الضريبية 2028. هذه النقطة هي جوهر التعديل، لأنها ترسم حدود التطبيق الزمني بدقة وتمنح السوق فترة استعداد أخيرة.
ماذا أُلغي بالضبط؟ ولماذا يُعد ذلك مهمًا للممولين؟
المُلغي هنا ليس فقط نصًا قانونيًا، بل فلسفة محاسبة قديمة اعتمدت في كثير من الحالات على التقدير ونسب الربح الجزافية عند غياب الدفاتر أو ضعف المستندات. وبحسب بيان المصلحة، فإن إلغاء المادة 18 يهدف إلى القضاء على المحاسبة التقديرية بشكل كامل وإغلاق المسار التشريعي الذي كان يسمح بإصدار تعليمات تعتمد على نسب صافي الربح التقديرية.
أهمية هذه الخطوة بالنسبة للسوق المصرية كبيرة لعدة أسباب. أولًا، لأنها تقلل مساحة الخلاف بين المأمورية والممول حول تقدير رقم الأعمال أو هامش الربح. ثانيًا، لأنها تربط الفحص بصورة أكبر بالمستندات والبيانات الرقمية والفواتير والإيصالات الإلكترونية. ثالثًا، لأنها تتماشى مع مسار أوسع تتبناه وزارة المالية بقيادة أحمد كجوك لترسيخ الامتثال الطوعي والشراكة مع مجتمع الأعمال، بدلًا من الاعتماد على منطق التقدير والنزاع.
كيف ستتعامل مصلحة الضرائب مع فترات 2027 قبل التحول الكامل في 2028؟
السؤال الأهم لدى أصحاب الأنشطة الصغيرة والمتوسطة الآن ليس هل أُلغي الفحص الجزافي، بل كيف ستتم المحاسبة عن السنوات الانتقالية. الإجابة الرسمية التي أعلنتها مصلحة الضرائب المصرية واضحة: التعليمات والقرارات الحالية تظل سارية على الفترات الضريبية حتى 2027. وهذا يعني أن الملفات الخاصة بهذه الفترات لن تُعاد صياغتها فجأة بمعايير 2028، بل ستُدار وفق الأساس القانوني والتنفيذي القائم قبل الانتقال الكامل.
لكن في الوقت نفسه، فإن الرسالة الضمنية من المصلحة هي أن فترة 2027 تمثل آخر محطة انتقالية قبل التحول النهائي. لذلك يُتوقع أن تُكثف المصلحة خلال هذه الفترة الاعتماد على أدوات الفحص المستندي والإلكتروني، خاصة مع توسع تطبيق الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني، باعتبارهما البنية التي سيقوم عليها الفحص بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.
كما أكدت المصلحة أن الحد الأدنى لإمساك الدفاتر الذي كان محددًا سابقًا عند 500 ألف جنيه تم إلغاؤه، ليصبح كافة الممولين ملتزمين قانونًا بإمساك دفاتر وسجلات منتظمة. وهنا تتضح فلسفة 2027: سنة ترتيب الأوضاع، وتجهيز الملفات، واستكمال التحول من الاقتصاد الورقي أو غير المنظم إلى اقتصاد يمكن فحصه رقميا ومستنديًا.
ما الذي يتعين على الممولين فعله من الآن؟
إذا كانت 2028 هي سنة التطبيق الكامل، فإن ما بين الآن ونهاية 2027 هو الوقت العملي للاستعداد. المصلحة نفسها تربط بين إلغاء الفحص الجزافي وبين الاعتماد الكلي على الفحص الإلكتروني والمستندي القائم على الفواتير والإيصالات الرقمية. لذلك فإن أهم ما يجب على الممولين التركيز عليه يشمل:
- إمساك دفاتر وسجلات منتظمة بصورة حقيقية وليست شكلية.
- الالتزام بمنظومتي الفاتورة الإلكترونية والإيصال الإلكتروني بحسب طبيعة النشاط.
- حفظ المستندات المؤيدة للمبيعات والمشتريات والمخزون والأصول.
- مراجعة الموقف الضريبي عن الفترات السابقة حتى 2027 وفق القواعد السارية حاليًا.
- الاستفادة من النظم المبسطة إذا كان حجم الأعمال يسمح بذلك.
وهنا تبرز نقطة مهمة لأصحاب المشروعات الصغيرة. فالقانون رقم 6 لسنة 2025 أتاح نظامًا ضريبيًا مبسطًا للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه. ووفق ما أعلنته المصلحة في قرار وزير المالية رقم 420 لسنة 2025، فإن الانضمام لهذا النظام يتم إلكترونيًا، مع التزام مبسط في السجلات والدفاتر والمستندات، يشمل مثلًا سجل الأصول الثابتة وسجل مخزون الخامات ودفتر يومية المبيعات ودفتر يومية المشتريات ودفتر ملخص الضريبة، إضافة إلى الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني بحسب الأحوال.
كيف يخدم النظام المبسط الانتقال بعيدًا عن الجزافي؟
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن إنهاء المحاسبة الجزافية من دون توفير بديل قابل للتطبيق للأنشطة الصغيرة. لهذا السبب يبدو الربط بين إلغاء المادة 18 وبين التوسع في النظام المبسط منطقيًا للغاية. فالمصلحة دعت بالفعل أصحاب المشروعات والأنشطة الصغيرة التي لا يتجاوز حجم أعمالها 20 مليون جنيه إلى الاستفادة من مزايا القانون 6 لسنة 2025 باعتباره البديل الميسر للاندماج في المنظومة الرسمية.
الأرقام المعلنة في القرار 420 لسنة 2025 توضح جانبًا من هذا التوجه. فالمعاملة الضريبية في النظام المبسط تقوم على ضريبة نسبية تبدأ من 0.4% للمشروعات التي يقل حجم أعمالها السنوي عن 500 ألف جنيه، وتصل بحد أقصى إلى 1.5% للمشروعات التي يقل حجم أعمالها السنوي عن 20 مليون جنيه. كما يتضمن النظام إعفاءات من ضرائب الدمغة ورسم التنمية ورسوم التوثيق والشهر العقاري وتوزيعات الأرباح والأرباح الرأسمالية، مع تقديم إقرار القيمة المضافة 4 مرات سنويًا بدلًا من 12 مرة. والأهم أن أول فحص ضريبي يكون بعد 5 سنوات من تاريخ تقديم طلب الاستفادة، بشرط الالتزام بالمنظومات الإلكترونية وتقديم الإقرارات في مواعيدها.
هذه الحوافز تجعل النظام المبسط أداة انتقال عملية جدًا قبل 2028، خاصة للأنشطة التي كانت تاريخيًا أكثر عرضة للنزاع حول التقدير الجزافي.
لماذا 2028 تمثل نقطة تحول حقيقية في المشهد الضريبي المصري؟
لأنها السنة التي ستنتقل فيها المحاسبة، وفق الإعلان الرسمي، إلى الاعتماد الكامل على الدفاتر والسجلات المنتظمة والمنظومات الرقمية. هذا التحول لا يخص مصلحة الضرائب وحدها، بل يمس طريقة إدارة الأعمال نفسها داخل الشركات والمنشآت الفردية والمشروعات الصغيرة. من لا يملك دورة مستندية واضحة، أو لا يربط مبيعاته ومشترياته بالمنظومات الإلكترونية، سيجد صعوبة أكبر في البيئة الجديدة.
وفي المقابل، فإن الممول الملتزم قد يستفيد من درجة أعلى من اليقين، لأن أساس الفحص سيكون أوضح وأكثر قابلية للتتبع. كما أن هذا الاتجاه يتوافق مع ما أعلنته وزارة المالية في عرضها للتسهيلات الضريبية من التوسع في نظام الفحص بالعينة وتخفيف الأعباء عن الممولين، بما يعزز اعتبار الإقرار الضريبي نوعًا من الربط الذاتي في إطار منظومة مخاطر أكثر حداثة.
الخلاصة: ما الذي يعنيه القرار للسوق المصرية؟
الخلاصة أن مصلحة الضرائب المصرية لا تعلن فقط نهاية الفحص الجزافي على المستوى التشريعي، بل ترسم خريطة انتقال زمنية واضحة: الفترات حتى 2027 تُدار وفق التعليمات القائمة، بينما تبدأ من 2028 مرحلة الفحص القائم على الدفاتر المنتظمة والبيانات الرقمية بشكل كامل. وبين التاريخين، ستتحدد قدرة كل نشاط اقتصادي على التكيف مع نموذج ضريبي جديد يقوم على المستندات، والالتزام الإلكتروني، وتراجع مساحة التقدير الشخصي.
بالنسبة للمستثمرين وأصحاب الأعمال في مصر، فإن الرسالة المباشرة هي أن الاستعداد المبكر أصبح ضرورة لا رفاهية. فكلما أسرع الممول في ترتيب دفاتره، والانضمام إلى المنظومات الرقمية، ودراسة ما إذا كان مؤهلًا للنظام المبسط، كانت كلفة الانتقال إلى 2028 أقل، وفرص الاستفادة من التسهيلات أكبر.