الإقتصادي

المركزي المصري: التضخم يقترب من المستهدف في النصف الثاني 2027

المركزي المصري يرسم مسارًا أطول لعودة التضخم إلى المستهدف

أعاد البنك المركزي المصري التأكيد على أن مسار تراجع التضخم لا يزال قائمًا، لكنه يتطلب وقتًا أطول مما كان مأمولًا سابقًا، إذ ترجح تقديراته اقتراب المعدل السنوي للتضخم من المستوى المستهدف خلال النصف الثاني من عام 2027. ويأتي ذلك في وقت تظل فيه البيئة الخارجية غير مستقرة، مع استمرار تأثير المخاطر الجيوسياسية وتقلبات أسعار السلع والطاقة والشحن على الاقتصادات الناشئة، ومنها مصر.

هذا التقدير ورد بوضوح في بيانات لجنة السياسة النقدية التابعة للبنك المركزي، التي أوضحت أن التضخم ما زال أعلى من المستوى المستهدف، لكنه مرشح للانخفاض تدريجيًا بعد موجة من الضغوط التي تأثرت بعوامل محلية وخارجية، من بينها إجراءات ضبط المالية العامة، وتحركات بعض الأسعار الإدارية، إلى جانب أثر الصدمات الإقليمية على الأسواق. كما أشار البنك إلى أن وتيرة التباطؤ قد تتأثر صعودًا أو هبوطًا وفقًا لتطورات المشهد العالمي والإقليمي.

ما هو مستهدف التضخم الرسمي في مصر؟

بحسب الإطار المعلن للسياسة النقدية، يستهدف البنك المركزي المصري وصول متوسط التضخم إلى 7% بهامش زائد أو ناقص 2 نقطة مئوية في الربع الرابع من 2026، ثم 5% بهامش زائد أو ناقص 2 نقطة مئوية في الربع الرابع من 2028. لكن البنك كان قد أقر في نهاية 2024 بتمديد الأفق الزمني للمستهدفات لإتاحة مساحة أكبر لامتصاص الصدمات السعرية دون التسبب في تباطؤ حاد للنشاط الاقتصادي.

ومن هنا، فإن الحديث عن اقتراب التضخم من المستهدف في النصف الثاني من 2027 يعكس عمليًا رؤية أكثر تحفظًا للمسار المتوقع للأسعار، لا سيما بعد فترة اتسمت بارتفاعات قوية في تكاليف المعيشة، ثم بدء تراجع تدريجي لكن غير خطي.

أحدث قراءة للتضخم: أين تقف الأسعار الآن؟

في أحدث بيانات منشورة يوم 9 يوليو 2026، أعلن البنك المركزي المصري أن التضخم العام للحضر سجل 14.3% على أساس سنوي في يونيو 2026، مقابل 14.6% في مايو 2026، بينما سجل المعدل الشهري للتضخم العام سالب 0.4%. وفي الشهر نفسه، بلغ التضخم الأساسي، الذي يعده البنك المركزي، 14.3% على أساس سنوي، مقابل 13.8% في مايو.

هذه الأرقام تعني أن الضغوط التضخمية لم تختفِ بعد، لكنها تُظهر قدرًا من التهدئة مقارنة بموجات الذروة السابقة. وفي بيان لجنة السياسة النقدية الصادر في 9 يوليو 2026، قال البنك إن التضخم قد يواصل التسارع حتى الربع الثالث من 2026، قبل أن يدخل في مسار نزولي تدريجي وصولًا إلى معدلات أحادية الرقم، ليقترب من المستوى المستهدف خلال النصف الثاني من 2027.

لماذا يتأخر الهبوط الكامل للتضخم؟

قراءة البنك المركزي تستند إلى أكثر من عامل. أولًا، لا تزال آثار الصدمات السابقة تظهر في بنود مختلفة داخل سلة الأسعار، خصوصًا في السلع غير الغذائية والخدمات. ثانيًا، تؤدي بعض إجراءات إصلاح المالية العامة وتحريك الأسعار المنظمة إلى إبقاء الضغوط قائمة لفترة أطول. وثالثًا، تبقى التوترات الجيوسياسية عاملًا غير مضمون، بما قد ينعكس على أسعار الوقود، والنقل، ومدخلات الإنتاج، وسلاسل الإمداد.

وفي اجتماع 21 مايو 2026، أوضح البنك المركزي أن التضخم من المرجح أن يظل أعلى من مستهدفه في الربع الأخير من 2026، قبل أن يبدأ التراجع تدريجيًا اعتبارًا من الربع الأول من 2027، متقاربًا نحو المستهدف في النصف الثاني من العام نفسه. كما أشار في اجتماعات سابقة إلى أن استمرار الصراع الإقليمي لفترة أطول أو تجاوز أثر إجراءات الضبط المالي للتوقعات قد يمثلان من أهم المخاطر الصعودية على المسار المتوقع للأسعار.

ماذا فعلت لجنة السياسة النقدية؟

في اجتماعها يوم 9 يوليو 2026، قررت لجنة السياسة النقدية الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير، في إشارة إلى أن البنك يفضل مراقبة أثر التشديد السابق وتطورات التضخم قبل اتخاذ خطوات جديدة. هذا النهج يعكس موازنة دقيقة بين هدفين: كبح ارتفاع الأسعار من ناحية، وتفادي الضغط الزائد على النشاط الاقتصادي والائتمان من ناحية أخرى.

كما أن البنك المركزي شدد في أكثر من بيان على أنه سيواصل تقييم البيانات الواردة اجتماعًا بعد آخر، وأنه لن يتردد في استخدام أدواته إذا انحرف مسار التضخم بصورة تستدعي تدخلًا إضافيًا. وبالنسبة للأسر والشركات في مصر، فإن هذه الرسالة تعني أن أسعار الفائدة ستظل رهينة بشكل أساسي لتطورات التضخم والمخاطر الخارجية.

مؤشرات داعمة لكن الصورة ليست مكتملة

رغم الضغوط، تظهر بعض المؤشرات الكلية إشارات داعمة لاستقرار أكبر في الاقتصاد المصري. فقد أعلن البنك المركزي أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026 بصفة مبدئية. كذلك ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الفترة من يوليو إلى مايو من السنة المالية 2025/2026 إلى نحو 43.1 مليار دولار، بزيادة 31.2% على أساس سنوي.

وفي ملف القطاع الخارجي، أظهر بيان ميزان المدفوعات للفترة يوليو/مارس 2025/2026 تحسنًا في العجز الكلي ليقتصر على نحو 1.8 مليار دولار، مع صافي تدفقات داخلة في الحساب الرأسمالي والمالي بلغ نحو 9.9 مليار دولار. ورغم أن عجز الحساب الجاري سجل نحو 14.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها، فإن هذه الأرقام تعكس استمرار تحسن بعض مصادر النقد الأجنبي، وهو عامل مهم في تخفيف الضغوط على الأسعار وسوق الصرف على المدى المتوسط.

ما الذي يعنيه ذلك للمستهلكين والمستثمرين في مصر؟

بالنسبة للمستهلك المصري، لا يعني توقع هبوط التضخم في النصف الثاني من 2027 أن الأسعار ستعود إلى مستوياتها السابقة، بل يعني ببساطة أن وتيرة الزيادة نفسها مرشحة للتباطؤ تدريجيًا. بمعنى آخر، قد تستمر الأسعار عند مستويات مرتفعة نسبيًا، لكن بمعدلات صعود أقل إذا سارت التوقعات كما يرجح البنك المركزي.

أما بالنسبة للمستثمرين والقطاع المصرفي، فإن وضوح المسار المستهدف للتضخم يوفر درجة أفضل من القدرة على التسعير واتخاذ القرار، خاصة في أدوات الدين، والائتمان، وتمويل الشركات. كما أن أي نجاح في دفع التضخم نحو خانة الآحاد بشكل مستدام سيمنح السياسة النقدية مرونة أكبر لاحقًا، لكن هذا يظل مرهونًا باستقرار البيئة الخارجية واستمرار التحسن في المؤشرات المحلية.

دور المحافظ حسن عبد الله في المرحلة الحالية

يقود هذه المرحلة حسن عبد الله، محافظ البنك المركزي المصري، مع استمرار تركيز المؤسسة النقدية على استعادة استقرار الأسعار وتثبيت توقعات التضخم. وخلال 2026، واصل البنك تقديم رسائل متكررة إلى السوق مفادها أن الأولوية لا تزال موجهة نحو خفض التضخم بصورة مستدامة، وليس تحقيق تراجع مؤقت قد ينعكس سريعًا تحت ضغط أي صدمة خارجية جديدة.

في المحصلة، تبدو الرسالة الأساسية من البنك المركزي واضحة: الطريق إلى مستهدف التضخم أصبح أطول، لكنه ما زال ممكنًا. وبينما تشير البيانات الأخيرة إلى انحسار نسبي في زخم الأسعار، فإن النصف الثاني من 2027 أصبح الموعد المرجعي الأبرز الذي تضعه السوق في الحسبان عند تقييم مستقبل التضخم في مصر، واتجاه أسعار الفائدة، وكلفة التمويل، والقدرة الشرائية خلال المرحلة المقبلة.