النفط عند ذروة 3 أسابيع وسط تصاعد مخاطر مضيق هرمز
أسعار النفط تتمسك بمكاسبها مع عودة التوتر إلى واجهة السوق
أغلقت أسعار النفط على ارتفاع محدود لكنها حافظت على أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أسابيع، بعدما أعادت التطورات الجيوسياسية في الخليج المخاوف المتعلقة بالإمدادات إلى صدارة المشهد. التحرك السعري جاء مدفوعًا بتراجع الآمال بشأن تهدئة سريعة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت ظل فيه مضيق هرمز في قلب اهتمام المتعاملين باعتباره أهم ممر بحري لتجارة النفط عالميًا.
وبحسب المعطيات المتداولة في السوق، فإن مكاسب الخام بقيت مقيدة رغم صعود الأسعار، وهو ما يعكس توازنًا دقيقًا بين عاملين: أولًا المخاطر السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط، وثانيًا القلق من أن يؤدي ارتفاع الأسعار نفسه إلى الضغط على الطلب العالمي إذا طال أمد التوتر.
لماذا يتفاعل السوق بهذه الحساسية مع مضيق هرمز؟
تكمن أهمية مضيق هرمز في أنه ليس مجرد ممر ملاحي إقليمي، بل نقطة اختناق استراتيجية للطاقة العالمية. وتُظهر بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر المضيق بلغت في النصف الأول من 2025 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا، بما يعادل قرابة 20% من استهلاك العالم من السوائل النفطية، ونحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا في العالم. كما تؤكد الإدارة أن البدائل البرية والأنابيب المتاحة في السعودية والإمارات وإيران لا يمكنها تعويض سوى جزء من هذه الكميات إذا تعطلت الملاحة عبر المضيق.
لهذا السبب، فإن أي تصريح سياسي أو عسكري يتعلق بإغلاق المضيق أو تعثر التهدئة ينعكس سريعًا على عقود خام برنت والخامات المرجعية الأخرى. المستثمرون لا ينتظرون حدوث انقطاع فعلي حتى يعيدوا تسعير المخاطر، بل يكفي ارتفاع احتمال التعطل كي ترتفع علاوات المخاطر الجيوسياسية في السوق.
أسواق الخليج والشرق الأوسط أمام اختبار جديد
التركيز في هذه القصة يظل إقليميًا بامتياز، لأن دول الخليج هي الأكثر ارتباطًا بهذا الشريان البحري. السعودية، الإمارات، الكويت، العراق وقطر جميعها تتأثر بدرجات متفاوتة بأي اضطراب في حركة السفن أو تكاليف التأمين والشحن. ومن ثم، فإن ارتفاع النفط في مثل هذه الظروف لا يُقرأ فقط باعتباره مكسبًا سعريًا للدول المصدرة، بل أيضًا باعتباره مؤشرًا على زيادة التوتر وارتفاع تكلفة إدارة سلاسل الإمداد والطاقة.
وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية كذلك إلى أن اضطرابات الشحن في الممرات البحرية الرئيسية، ومنها هرمز وباب المندب، كانت من بين العوامل التي رفعت تقلبات السوق في الفترات الأخيرة. كما أن تقاريرها الحديثة ربطت بين تعطل التدفقات عبر هرمز وارتفاع الأسعار وزيادة صعوبة وصول بعض المشترين إلى الإمدادات في الوقت المناسب.
أين تقف أوبك+ في المشهد؟
في الخلفية، يراقب المستثمرون أيضًا تحركات تحالف أوبك+. وكانت منظمة البلدان المصدرة للبترول قد أعلنت في 2 أغسطس 2026 أن الدول السبع التي سبق أن أقرت تعديلات طوعية إضافية في الإنتاج راجعت أوضاع السوق وآفاقها خلال اجتماع افتراضي، في إشارة إلى استمرار حساسية المعروض العالمي لأي تطورات سياسية أو أمنية مفاجئة.
وبالنسبة لأسواق الشرق الأوسط، فإن هذا التداخل بين سياسة الإنتاج والمخاطر الجيوسياسية يعني أن الأسعار لم تعد تتحرك فقط وفق أساسيات العرض والطلب التقليدية، بل أيضًا وفق سرعة التصعيد أو التهدئة في المنطقة.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه التطورات بعيدة. فمصر، رغم جهودها لزيادة الإنتاج المحلي وتوسيع قدرات التكرير، تظل متأثرة بحركة الأسعار العالمية لأن تكلفة استيراد بعض المنتجات البترولية ترتبط مباشرة بمستويات الخام العالمية وتكاليف الشحن والتأمين.
وزارة البترول والثروة المعدنية أوضحت في 11 أبريل 2025 أن الدولة كانت لا تزال تتحمل فجوة بين التكلفة وسعر البيع، مشيرة إلى أن مصر تستورد نحو 40% من استهلاك السولار، ونحو 50% من استهلاك البوتاجاز، ونحو 25% من كميات استهلاك البنزين. وأضافت في بيان لاحق بتاريخ 10 مارس 2026 أن التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط رفعت تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي، في ظل زيادة تكاليف الشحن والتأمين واضطراب سلاسل الإمداد.
ومن واقع الأسعار المنشورة على موقع وزارة البترول المصرية، كانت الأسعار المحلية المعلنة تشمل بنزين 95 عند 24 جنيهًا للتر، وبنزين 92 عند 22.25 جنيهًا للتر، وبنزين 80 عند 20.75 جنيهًا للتر، والسولار عند 20.5 جنيهًا للتر، مع إشارة الموقع أيضًا إلى خام برنت عند 90.39 دولارًا بتاريخ 27 يوليو 2026. هذه الأرقام توضح كيف تنتقل تقلبات السوق العالمية تدريجيًا إلى ملف تكلفة الطاقة محليًا.
لماذا بقيت المكاسب محدودة رغم قوة الخبر السياسي؟
رغم بقاء النفط قرب قمة ثلاثة أسابيع، فإن صعوده لم يكن حادًا. ويُفسَّر ذلك بأن السوق ما زالت تزن عدة عوامل مضادة، من بينها توقعات الطلب العالمي، وسياسات الفائدة، وقدرة بعض المنتجين على استخدام خطوط أنابيب بديلة لتخفيف أثر أي تعطيل جزئي. ووفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، تستطيع خطوط الأنابيب في السعودية والإمارات توفير طاقة بديلة بنحو 4.7 ملايين برميل يوميًا لتجاوز المضيق، لكنها لا تكفي لتعويض الحجم الكامل للتدفقات المعتادة.
بمعنى آخر، السوق لا يتعامل مع سيناريو توقف كامل وطويل الأمد باعتباره نتيجة محسومة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تجاهل حساسية المنطقة. لذلك تبقى التحركات السعرية مرتبطة بكل إشارة سياسية جديدة، سواء جاءت من واشنطن أو طهران أو من التطورات الميدانية المحيطة بالخليج.
ماذا تتابع الأسواق في الأيام المقبلة؟
- أولًا: أي مستجدات بشأن الملاحة في مضيق هرمز أو مستوى التهديدات المرتبطة به.
- ثانيًا: الرسائل الصادرة من الولايات المتحدة وإيران حول فرص التهدئة أو التصعيد.
- ثالثًا: مدى استجابة أوبك+ لأي اضطرابات مطولة في الإمدادات.
- رابعًا: أثر أسعار النفط على تكاليف الاستيراد والمنتجات البترولية في دول المنطقة، ومنها مصر.
الخلاصة أن صعود النفط إلى أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع لا يعكس مجرد حركة مضاربية عابرة، بل يعبر عن عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية إلى التسعير اليومي في أسواق الطاقة. وبالنسبة لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، فإن أي تطور حول هرمز يظل حدثًا مفصليًا، لأن تأثيره لا يتوقف عند المنتجين والمصدرين، بل يمتد إلى الموازنات، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد، وأسعار الوقود في الأسواق المستوردة عبر الإقليم، بما فيها مصر.