الإقتصادي

النفط يسجل أعلى إغلاق في خمسة أسابيع وسط توتر أمريكي إيراني

أسعار النفط تقفز مع اتساع المخاطر الجيوسياسية

أغلقت أسعار النفط على ارتفاع قوي في تعاملات الثلاثاء، لتسجل أعلى مستوياتها في نحو خمسة أسابيع، بعدما عادت المخاوف الجيوسياسية لتفرض نفسها بقوة على أسواق الطاقة العالمية. وجاء الصعود مدفوعًا بتزايد القلق من أن يؤدي التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران إلى تعطيل تدفقات الخام والمنتجات البترولية من منطقة تعد الأكثر حساسية في تجارة الطاقة عالميًا.

وبحسب بيانات السوق التي تابعتها المؤسسات المالية الدولية، ارتفع خام برنت بنحو 2% ليسجل أعلى إغلاق له منذ 10 يونيو 2026، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط إلى أعلى تسوية له منذ 11 يونيو 2026. كما أظهرت المتابعة الرسمية الصادرة عن وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر أن سعر برنت بلغ 89.95 دولارًا للبرميل في 20 يوليو 2026، في إشارة واضحة إلى اتساع موجة الصعود الأخيرة في السوق العالمية.

ما الذي أشعل الارتفاع؟

الأسواق لم تتعامل مع التطورات العسكرية باعتبارها حدثًا سياسيًا فقط، بل كعامل مباشر قد يهدد الإمدادات. فالمستثمرون يراقبون باهتمام تصاعد الهجمات المتبادلة بين واشنطن وطهران، إلى جانب التهديدات التي أطلقتها جماعة الحوثي في اليمن بشأن الملاحة المرتبطة بالسعودية عبر باب المندب، وهو ممر بحري شديد الأهمية للتجارة والنفط.

الخطر هنا لا يتعلق فقط ببراميل قد تتأخر أو شحنات قد يعاد توجيهها، بل أيضًا بارتفاع علاوات المخاطر على النقل والتأمين والشحن. وهذه العناصر كثيرًا ما تنعكس سريعًا على أسعار العقود الآجلة، حتى قبل حدوث نقص فعلي في الإمدادات.

هرمز وباب المندب.. عنق الزجاجة في سوق الطاقة

تكتسب المخاوف الحالية وزنها من حساسية الممرات البحرية في المنطقة. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية، مر عبر مضيق هرمز خلال 2025 ما يقرب من 15 مليون برميل يوميًا من الخام، أي نحو 34% من تجارة النفط الخام العالمية. كما تؤكد إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن المضيق يمثل أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم بالنسبة للنفط والغاز.

أما باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، فيظل بدوره شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية. وتشير تقديرات حديثة تداولتها مؤسسات بحثية ووسائل إعلام دولية إلى أن أكثر من 7 ملايين برميل من النفط والمنتجات البترولية كانت تعبر يوميًا هذا المسار في يونيو، ما يوضح لماذا تتفاعل الأسواق بسرعة مع أي تهديدات في هذه المنطقة.

لماذا يهم هذا التطور القارئ في مصر؟

بالنسبة لمصر، لا يُنظر إلى هذه التحركات باعتبارها قضية بعيدة عن الداخل، لأن البلاد تقع في قلب أحد أهم مسارات الطاقة العالمية. فـقناة السويس تمثل صلة الوصل بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، بينما يوفر خط سوميد مسارًا بديلًا ومكملًا لنقل الخام من العين السخنة إلى سيدي كرير على المتوسط.

وتوضح المصادر الرسمية المصرية أن التعاون بين قناة السويس وخط سوميد جزء أساسي من منظومة عبور الطاقة. كما تشير بيانات منشورة عن القطاع إلى أن طاقة خطوط سوميد تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا، بينما تحدثت بيانات رسمية مصرية سابقة عن قدرة سنوية تبلغ 117 مليون طن. وهذا يضع مصر في موقع مهم كلما زادت الضغوط على طرق الشحن التقليدية في الخليج والبحر الأحمر.

من هنا، فإن أي اضطراب في هرمز أو باب المندب لا يغيّر فقط خريطة الأسعار، بل قد يعيد أيضًا تشكيل مسارات النقل وكلفته، بما يمنح الممرات المصرية أهمية إضافية في حسابات شركات الشحن والطاقة.

السوق بين مخاطر الإمداد وحسابات المضاربة

رغم الارتفاع القوي، لا تزال السوق تتحرك بين عاملين متناقضين: الأول هو الخطر الجيوسياسي الذي يدفع الأسعار للصعود، والثاني هو تقييم المتعاملين لاحتمال استمرار هذا التوتر لفترة طويلة أو تحوله إلى تعطيل فعلي ومستدام للإمدادات.

وفي العادة، تسعر الأسواق ما يسمى بـ"علاوة المخاطر" عندما تزداد احتمالات تعطل الشحنات أو تعرض الناقلات لهجمات أو تغيير مساراتها. لكن هذه العلاوة قد تتراجع بسرعة إذا ظهرت بوادر تهدئة سياسية أو استمرت الإمدادات الفعلية دون انقطاع كبير.

ومع ذلك، فإن المعطيات الحالية تبقي المتعاملين في حالة حذر شديد، خصوصًا أن أي هزة في المنطقة قد تمتد آثارها إلى أسعار الوقود، وتكاليف النقل البحري، وأسعار السلع المرتبطة بالطاقة في عدة قارات، وليس فقط في الشرق الأوسط.

كيف تقرأ الأسواق المسار المقبل للأسعار؟

الاتجاه القصير الأجل لأسعار النفط سيظل مرتبطًا بثلاثة عناصر رئيسية:

  • مستوى التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وما إذا كان سيؤدي إلى اضطراب مباشر في الشحن أو البنية التحتية.
  • أمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، خاصة مع تزايد التحذيرات للسفن التجارية وارتفاع كلفة التأمين.
  • مرونة البدائل اللوجستية، ومنها إعادة توجيه الشحنات عبر البحر الأحمر وخط سوميد أو اللجوء إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة.

إذا استمر التوتر عند مستوياته الحالية أو تصاعد، فقد تبقى الأسعار مدعومة فوق مستوياتها الأخيرة، خصوصًا مع حساسية السوق لأي خبر يتعلق بسلامة الناقلات أو عبور الخام من الخليج. أما إذا ظهرت مؤشرات تهدئة، فقد تتراجع الأسعار نسبيًا، لكن من غير المتوقع أن تختفي علاوة المخاطر سريعًا طالما بقيت الممرات الحيوية تحت الضغط.

خلاصة المشهد

ما حدث في جلسة الثلاثاء يوضح أن سوق النفط لا تتعامل مع الشرق الأوسط كخلفية جغرافية فقط، بل كمركز ثقل حقيقي لتوازن العرض العالمي. وصول برنت إلى أعلى إغلاق في خمسة أسابيع يعكس رهانات واضحة على أن التوتر الأمريكي الإيراني، إلى جانب التهديدات التي تطال خطوط الملاحة قرب السعودية واليمن، قد يرفع تكلفة تدفق الطاقة عالميًا.

وبالنسبة لمصر، فإن متابعة هذه التطورات ليست مجرد اهتمام بأخبار الأسواق العالمية، بل جزء من قراءة أوسع لمكانة قناة السويس وخط سوميد في لحظة شديدة الحساسية لأسواق الطاقة. وبينما تترقب البورصات وشركات الشحن أي تغير جديد في هرمز وباب المندب، يبقى النفط أسير الجغرافيا السياسية بقدر ما هو أسير معادلات العرض والطلب.