الين تحت الضغط.. هل تتدخل طوكيو مجددًا لدعم العملة؟
الين الياباني يعود إلى دائرة الخطر مع اقترابه من 158 أمام الدولار
عادت العملة اليابانية إلى صدارة المشهد في الأسواق العالمية بعدما اقترب سعر الدولار من مستوى 158 ينًا خلال موجة الضعف التي ضربت الين في أواخر أبريل 2024، وهو ما أعاد بقوة توقعات المتعاملين بشأن احتمال تدخل السلطات اليابانية لوقف الهبوط الحاد. هذا التحرك لا يهم آسيا وحدها، بل يمتد أثره إلى تدفقات الأموال عبر الأسواق الناشئة، ومنها أسواق الشرق الأوسط والخليج التي تراقب اتجاهات الدولار والفائدة العالمية عن كثب.
الضغوط على الين جاءت رغم أن بنك اليابان، بقيادة المحافظ كازو أويدا، أنهى في مارس 2024 سياسة الفائدة السلبية ورفع سعر الفائدة قصير الأجل إلى نطاق 0% إلى 0.1%، ثم أبقى هذا النطاق دون تغيير في اجتماعه يوم 26 أبريل 2024. ووفق بيان السياسة النقدية، فإن البنك واصل الإشارة إلى بيئة نقدية لا تزال تيسيرية نسبيًا، وهو ما أبقى فجوة العائد بين اليابان والولايات المتحدة واسعة، لتظل من أبرز أسباب ضعف الين.
ما الذي أشعل تكهنات التدخل؟
الأسواق لم تركز فقط على مستوى سعر الصرف، بل أيضًا على ما يعرف باسم “فحص الأسعار” أو rate check، وهو إجراء تفسيري يعتبره المتعاملون إشارة مبكرة إلى أن السلطات تراقب السوق وقد تكون بصدد التحرك. ويشرح بنك اليابان على موقعه أن البنك يجمع يوميًا معلومات عن سوق الصرف ويرفعها إلى وزارة المالية، بينما تبقى وزارة المالية اليابانية هي الجهة المخولة باتخاذ قرار التدخل، ويتولى البنك المركزي تنفيذ العملية عند صدور القرار.
وفي تلك الفترة، سجل الين أدنى مستوياته في نحو 34 عامًا مقابل الدولار بعد قرار بنك اليابان الإبقاء على الفائدة دون تغيير في اجتماع أبريل، وهو ما غذّى رهانات المتعاملين على اقتراب تحرك رسمي، خصوصًا مع حساسية السلطات اليابانية تجاه التحركات السريعة والمضارِبة أكثر من حساسية المستوى السعري وحده.
ماذا فعلت اليابان فعليًا؟
التحقق من البيانات الرسمية يوضح أن طوكيو لم تكتفِ بالتحذيرات اللفظية. فبحسب وزارة المالية اليابانية، بلغ إجمالي عمليات التدخل في سوق الصرف خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2024 نحو 9.7885 تريليون ين، مع تسجيل تدخلات في 29 أبريل 2024 بقيمة 5.9185 تريليون ين، وفي 1 مايو 2024 بقيمة 3.87 تريليون ين، عبر بيع الدولار وشراء الين. هذه الأرقام أكدت لاحقًا أن السلطات تحركت فعليًا بعد انهيار العملة إلى مستويات اعتبرتها مفرطة.
كما أظهرت تصريحات وزير المالية الياباني آنذاك شونيتشي سوزوكي أن الحكومة كانت ترى في التحركات “المفرطة” وذات الطابع المضاربي خطرًا يستدعي الرد، مع التشديد على مواصلة مراقبة سوق الصرف عن كثب والاستعداد لاتخاذ ما يلزم.
لماذا لم ينجح رفع الفائدة وحده في إنقاذ الين؟
من منظور السوق، لم يكن رفع الفائدة اليابانية كافيًا لعكس اتجاه العملة. فحتى بعد إنهاء الفائدة السلبية، ظل العائد الياباني منخفضًا للغاية مقارنة بالعائد الأمريكي، خاصة مع تمسك مجلس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك بمستويات فائدة مرتفعة نسبيًا وسط ضغوط تضخمية أمريكية. هذه الفجوة شجعت استراتيجيات التمويل الرخيص بالين، حيث يقترض المستثمرون بالعملة اليابانية منخفضة التكلفة لشراء أصول أعلى عائدًا في الخارج، ما يبقي الضغط قائمًا على العملة اليابانية.
وبالنسبة للقارئ في مصر، فإن هذه التطورات ليست بعيدة. ضعف الين وقوة الدولار يعكسان صورة أشمل عن اتجاه السيولة العالمية، ويؤثران في شهية المستثمرين تجاه الأصول في الأسواق الناشئة، كما ينعكسان على أسعار السلع المقومة بالدولار وحركة الأموال بين آسيا والشرق الأوسط.
ما الذي يراقبه المستثمرون الآن؟
هناك ثلاثة عناصر رئيسية تتابعها الأسواق عند تقييم فرص تدخل ياباني جديد أو استمرار الضغوط على الين:
- سرعة الهبوط لا المستوى فقط: اليابان عادة تركز على التحركات الحادة وغير المنظمة أكثر من رقم بعينه.
- فجوة الفائدة بين اليابان والولايات المتحدة: كلما ظلت واسعة، استمر الضغط على الين.
- لغة المسؤولين اليابانيين: الانتقال من التحذير العام إلى الحديث عن “تحركات مفرطة” أو “مضاربات” غالبًا ما يُقرأ كسابقة لتحرك أقوى.
أثر تقلبات الين على المنطقة
في منطقة الخليج والشرق الأوسط، لا ينحصر أثر القصة في اليابان وحدها. ارتفاع الدولار أمام العملات الكبرى، وعلى رأسها الين، قد يدعم بقاء التمويل العالمي أكثر تشددًا، وهو ما ينعكس على كلفة الاقتراض، وتقييمات الأسهم، وحركة المحافظ الأجنبية في الأسواق الإقليمية. كما أن أي تدخل كبير في سوق الصرف من جانب طوكيو يلفت انتباه المستثمرين إلى عودة البنوك المركزية لاستخدام أدوات مباشرة في مواجهة تقلبات العملات، وهي رسالة تهم كل سوق يعتمد على تدفقات رأس المال الخارجي.
وبالنسبة للشركات المستوردة في المنطقة، خصوصًا تلك المرتبطة بسلاسل توريد آسيوية، فإن تغير سعر الين قد يحمل أثرًا غير مباشر على تكلفة بعض المدخلات الصناعية والسلع الرأسمالية اليابانية. أما المستثمرون، فيراقبون الين لأنه كثيرًا ما يُعد مؤشرًا على اتجاه المخاطر عالميًا، لا مجرد عملة محلية.
هل يتكرر التدخل إذا عاد الين للهبوط؟
السوابق الرسمية تشير إلى أن اليابان لا تستبعد التدخل حين ترى أن السوق يتحرك بوتيرة مبالغ فيها. لكن نجاح أي عملية جديدة سيظل مرتبطًا بعاملين: أولًا، ما إذا كانت مدعومة بتحول فعلي في توقعات الفائدة الأمريكية واليابانية؛ وثانيًا، ما إذا كانت موجة ضعف الين ناتجة عن مضاربات قصيرة الأجل أم عن فروق عوائد هيكلية أعمق.
الخلاصة أن اقتراب الدولار من مستوى 158 ينًا في ربيع 2024 لم يكن مجرد حدث عابر في سوق العملات، بل نقطة مفصلية كشفت حدود تأثير رفع الفائدة اليابانية بمفرده. وبينما أثبتت البيانات الرسمية أن طوكيو تدخلت لاحقًا بمليارات الدولارات المكافئة لدعم الين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تكفي التدخلات الموضعية إذا استمر الدولار قويًا عالميًا؟ بالنسبة لأسواق الشرق الأوسط، الإجابة مهمة لأنها ترتبط مباشرة باتجاه السيولة العالمية وشهية المخاطرة في الأشهر التالية.