الإقتصادي

الين يستعيد قوته بدعم توقعات الفائدة وتدخلات طوكيو

الين يعود إلى صدارة المشهد العالمي

استعاد الين الياباني جزءاً مهماً من حضوره في تداولات العملات العالمية، بعدما تحولت أنظار المستثمرين مجدداً إلى اليابان مع تزايد الرهانات على تشديد السياسة النقدية وظهور أثر التدخلات الرسمية في سوق الصرف. وجاء هذا التحول بعد فترة طويلة ظل فيها الين تحت ضغط فروق الفائدة الواسعة بين اليابان والولايات المتحدة، وهي الفجوة التي شجعت لسنوات على ما يُعرف بتجارة العائد، أي الاقتراض بعملة منخفضة الفائدة مثل الين والاستثمار في أصول ذات عائد أعلى في أسواق أخرى.

الرسالة الأوضح للأسواق جاءت من بنك اليابان بقيادة المحافظ كازو أويدا، إذ قرر البنك في 31 يوليو 2024 رفع سعر الفائدة القصير الأجل إلى نحو 0.25% من نطاق كان يدور حول 0% إلى 0.1%، مع تأكيده أنه سيواصل تعديل درجة التيسير النقدي إذا تحققت توقعاته للاقتصاد والأسعار. كما أعلن البنك خطة لخفض وتيرة مشترياته الشهرية من السندات الحكومية اليابانية تدريجياً بنحو 400 مليار ين كل ربع سنة تقويمي. هذا المزيج من رفع الفائدة وتقليص شراء السندات أعطى الأسواق إشارة واضحة إلى أن السياسة شديدة التيسير في اليابان بدأت تدخل مرحلة جديدة.

التدخلات الحكومية أضافت ثقلاً للحركة

لم يكن مسار الين مدفوعاً بالسياسة النقدية وحدها. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية اليابانية أن طوكيو أنفقت خلال الفترة من أبريل إلى يونيو 2024 نحو 9.7885 تريليون ين في عمليات تدخل بسوق الصرف، شملت 5.9185 تريليون ين في 29 أبريل و3.87 تريليون ين في 1 مايو، عبر بيع الدولار وشراء الين. وبعد ذلك، كشفت بيانات يومية لاحقة أن اليابان أنفقت 3.168 تريليون ين في 11 يوليو و2.367 تريليون ين في 12 يوليو، ضمن تدخلات دعمت العملة بعدما اقترب الدولار من مستويات تاريخية مرتفعة أمام الين.

هذا يعني عملياً أن السلطات اليابانية لم تكتفِ بإطلاق رسائل لفظية للسوق، بل استخدمت أدوات مباشرة ومكلفة لتخفيف الهبوط السريع للعملة. بالنسبة للمستثمر المصري الذي يتابع حركة الدولار عالمياً، فإن هذا التطور مهم لأن تحركات الين لم تعد شأناً آسيوياً صرفاً؛ فهي تؤثر على شهية المخاطرة العالمية، وتنعكس على أسواق السلع والأسهم والسندات، خصوصاً حين تبدأ الصناديق الدولية في إعادة تقييم مراكزها الممولة بالين.

قفزة في عوائد السندات القصيرة

رد فعل سوق السندات اليابانية كان سريعاً. فقد سجل عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عامين مستوى 0.47%، وهو الأعلى منذ ديسمبر 2008، مع تصاعد توقعات المستثمرين بأن بنك اليابان قد يمضي في مسار رفع إضافي للفائدة إذا استمرت الضغوط السعرية وتحسن نمو الأجور. كما صعد عائد السندات لأجل خمس سنوات إلى 0.605%، وارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات إلى 0.95%.

هذه الأرقام تبدو محدودة مقارنة بعوائد السندات الأميركية، لكنها في الحالة اليابانية تمثل تحركاً كبيراً، لأن السوق خرجت للتو من حقبة طويلة من الفائدة الصفرية والتحكم المكثف في منحنى العائد. ولذلك، فإن أي ارتفاع في العوائد اليابانية قد يدفع مستثمرين يابانيين كباراً، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد، إلى إعادة جزء من أموالهم من الخارج إلى الداخل، وهو ما يضغط بدوره على أسواق السندات العالمية ويمنح الين دعماً إضافياً.

لماذا تغيّر اتجاه الأسواق؟

السبب الجوهري هو تبدل التوقعات. عندما كان الاعتقاد السائد أن بنك اليابان سيظل الأبطأ بين البنوك المركزية الكبرى في تشديد السياسة النقدية، استمر الرهان على ضعف الين. لكن رفع الفائدة في نهاية يوليو 2024، إلى جانب خفض مشتريات السندات، بدّل هذه الفرضية جزئياً. وفي الوقت نفسه، فإن تدخلات وزارة المالية اليابانية أوضحت أن طوكيو لا تقبل بسهولة الانزلاق الحاد للعملة إذا تحول إلى حركة مضاربة سريعة وغير منظمة.

هذا التحول لا يتعلق بسعر الصرف فقط. فالين يُستخدم على نطاق واسع كعملة تمويل في المحافظ العالمية. وعندما يرتفع بسرعة، تتعرض بعض استراتيجيات الاستثمار الممولة بالين لضغوط، ما قد يدفع المستثمرين إلى تقليص مراكز في الأسهم أو السلع أو عملات الأسواق الناشئة. لهذا السبب غالباً ما ينظر المتعاملون إلى قوة الين باعتبارها إشارة حساسة على تغيرات أوسع في مزاج الأسواق الدولية.

ما الذي يعنيه ذلك للمستثمرين في مصر؟

من زاوية المتابعة في مصر، فإن قوة الين قد تؤثر بشكل غير مباشر في عدة ملفات عالمية تهم القارئ المحلي:

  • الدولار عالمياً: تراجع الدولار أمام الين قد يكون جزءاً من إعادة تسعير أوسع للعملات الرئيسية.
  • السلع: أي هزة في شهية المخاطرة العالمية قد تنعكس على أسعار النفط والمعادن، وهي عناصر تهم الأسواق الناشئة بشدة.
  • السندات الدولية: ارتفاع العوائد اليابانية قد يسحب سيولة من أسواق الدين الخارجية، ما يغير خريطة التدفقات العالمية.
  • الأسهم العالمية: فك مراكز تجارة العائد قد يزيد تقلبات الأسهم، خاصة في القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة.

كما أن المستثمرين الذين يتابعون قرارات البنوك المركزية الكبرى، من الاحتياطي الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي الأوروبي، بات عليهم إضافة بنك اليابان إلى قائمة المؤثرين الرئيسيين في اتجاه السيولة العالمية، بعدما كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره استثناءً من دورة التشديد النقدي.

هل يستمر صعود الين؟

استمرار قوة الين سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية: أولاً، ما إذا كان بنك اليابان سيُترجم لهجته الأكثر تشدداً إلى زيادات إضافية في الفائدة. ثانياً، مسار الاقتصاد الأميركي وعوائد الخزانة الأميركية، لأن اتساع أو تقلص الفارق مع اليابان يظل عاملاً حاسماً في تحركات زوج الدولار/ين. ثالثاً، استعداد السلطات اليابانية للتدخل مجدداً إذا رأت أن السوق تتحرك بوتيرة مبالغ فيها.

المؤكد حالياً أن اليابان لم تعد الحلقة الهادئة في الأسواق كما كانت في الأعوام السابقة. رفع الفائدة إلى 0.25%، تقليص مشتريات السندات، وإنفاق تريليونات الين للدفاع عن العملة، كلها مؤشرات على أن طوكيو تسعى إلى استعادة قدر أكبر من التوازن في سوق الصرف والمال. وبالنسبة للأسواق العالمية، فإن عودة الين إلى الواجهة تعني أن مرحلة جديدة بدأت بالفعل؛ مرحلة عنوانها أن السياسة اليابانية أصبحت قادرة مرة أخرى على تغيير اتجاه التداولات الدولية، لا مجرد التأثر بها.