اندماجات أوروبا 2026: إعادة التموضع تشعل موجة صفقات قياسية
موجة أوروبية جديدة في الاندماجات والاستحواذات
يدخل سوق الاندماجات والاستحواذات في أوروبا عام 2026 بزخم غير معتاد، مع عودة الصفقات الكبرى إلى الواجهة، لكن هذه المرة بدافع مختلف عن دورات الانتعاش التقليدية. العنوان الأبرز لم يعد مجرد التوسع الحجمي، بل إعادة التموضع الاستراتيجي؛ أي أن الشركات الأوروبية تعيد ترتيب محافظها، وتتخارج من أنشطة أقل ربحية أو أبطأ نمواً، وتشتري أصولاً تمنحها تكنولوجيا أو انتشاراً جغرافياً أو قدرات تشغيلية أسرع. هذا التوجه يتسق مع تقديرات بنوك استثمار ومؤسسات استشارية دولية رأت أن 2026 قد يكون عاماً مفصلياً للصفقات المدفوعة بالتحول، لا بالمضاربة فقط.
وتشير بيانات السوق في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا إلى أن قيمة الصفقات ارتفعت بقوة خلال النصف الأول من 2026، حتى مع بقاء عدد العمليات أقل من مستويات الطفرات التاريخية، ما يعني أن السوق تميل إلى صفقات أكبر حجماً وأكثر انتقائية. وبحسب بيانات نقلتها رويترز عن LSEG في 3 يوليو 2026، استحوذ Goldman Sachs على الحصة الأكبر من استشارات صفقات الاندماج والاستحواذ في المنطقة خلال النصف الأول، مستفيداً من موجة عمليات ضخمة في أوروبا.
لماذا تقفز الصفقات الآن؟
العامل الأول هو التحول التكنولوجي السريع، خاصة مع توسع استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية. تقارير PwC وGoldman Sachs تضع الذكاء الاصطناعي في قلب أطروحات الشراء خلال 2026، سواء عبر استحواذات كاملة أو شراكات أو استثمارات أقلية، لأن الشركات لا تريد انتظار بناء القدرات داخلياً لسنوات.
العامل الثاني هو رغبة الشركات في بيع وحدات أعمال لم تعد منسجمة مع أولوياتها. هذا ما ظهر في بعض أكبر صفقات العام، ومنها صفقة بيع يونيلفر لأعمالها الغذائية إلى McCormick بقيمة تقارب 45 مليار دولار، وهي من أكبر صفقات أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في 2026، وكذلك الجمع بين KONE وTK Elevator في صفقة ضخمة أخرى. هذه الأمثلة تعكس بوضوح أن السوق لا يتحرك فقط بحثاً عن التوسع، بل لإعادة رسم خرائط الأعمال.
العامل الثالث يرتبط بالقطاعات التي تتمتع بدعم هيكلي طويل الأجل، مثل الطاقة والدفاع والخدمات الصناعية والبنية التحتية. تقارير PwC الخاصة بالقطاع الصناعي والخدمات تشير إلى أن زيادة الإنفاق الأوروبي على الأمن والطاقة والقدرات الصناعية عززت فرص التوحيد والشراء الانتقائي، خصوصاً في الأصول التي تقدم كفاءة تشغيلية أو حماية لسلاسل الإمداد.
لكن البيئة التمويلية ليست سهلة بالكامل
رغم تحسن شهية التنفيذ، فإن تمويل الصفقات في أوروبا لا يزال يتحرك في بيئة نقدية حساسة. ففي 10 سبتمبر 2026 رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة الرئيسية مجدداً، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.50% اعتباراً من 16 سبتمبر 2026، وفق القرار الرسمي للمركزي الأوروبي. كما أظهرت تقديرات يوروستات الأولية أن التضخم السنوي في منطقة اليورو ارتفع إلى 3.3% في أغسطس 2026، مدفوعاً خصوصاً بأسعار الطاقة. هذا يعني أن مجال خفض تكلفة التمويل ما زال محدوداً، وأن الشركات الأكثر قدرة على تنفيذ الصفقات هي تلك التي تمتلك ميزانيات قوية أو وصولاً مرناً للتمويل.
لذلك، لا تعني عودة الصفقات أن السوق مفتوحة للجميع بنفس الدرجة. على العكس، كثير من المؤشرات الحالية توضح أن الصفقات العملاقة تتركز في أيدي المشترين الأقوى مالياً، بينما يظل القطاع المتوسط أكثر حذراً، مع تركيز شديد على جودة الأصل، وسرعة الدمج، وقدرته على توليد قيمة بعد الاستحواذ.
من يقود السوق الأوروبية في 2026؟
المشهد الحالي تقوده ثلاثة أنواع من المشترين. أولاً: الشركات الاستراتيجية التي تسعى لتسريع تحولها الرقمي أو الدفاعي أو الطاقي. ثانياً: صناديق الاستثمار المباشر التي عادت لاقتناص الأصول عالية الجودة، مع استمرار اعتمادها على صفقات ثانوية وبيع انتقائي. ثالثاً: تحالفات استثمارية وسيادية تدخل عبر شراكات أو هياكل غير تقليدية بدلاً من الاستحواذات الكاملة. PwC لفتت إلى أن جزءاً متزايداً من رأس المال في 2026 يتحرك عبر استثمارات أقلية ومشروعات مشتركة، وليس فقط عبر السيطرة الكاملة.
وفي القطاع المالي الأوروبي تحديداً، قالت EY إن قيمة الصفقات المعلنة ارتفعت بوضوح في 2026 بدعم من عمليات استحواذ كبرى وتحركات توحيد وزيادة النشاط العابر للحدود. كما أظهر مسح EY للرؤساء التنفيذيين أن 53% من الرؤساء التنفيذيين ينوون السعي إلى صفقات استحواذ خلال الاثني عشر شهراً التالية، فيما قال 45% إن أولويتهم من هذه الصفقات هي تسريع نمو الإيرادات.
ماذا يعني ذلك للشركات والمستثمرين في مصر؟
بالنسبة للقارئ المصري، لا تبدو هذه التطورات بعيدة. فكلما ازدادت إعادة هيكلة الشركات الأوروبية، زادت احتمالات التخارج من أصول غير أساسية، أو البحث عن أسواق نمو بديلة، أو توسيع الشراكات في مناطق مجاورة مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومصر تحديداً تظل ضمن الأسواق التي تراقبها المؤسسات الدولية عن قرب في ضوء برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحسن مؤشرات النشاط. صندوق النقد الدولي أشار في تقريره الصادر في 12 فبراير 2026 إلى أن نمو الاقتصاد المصري تسارع إلى 4.4% في السنة المالية 2024/2025 مقابل 2.4% في العام السابق.
كما أن السوق المصرية نفسها تشهد نشاطاً في ملف الصفقات. صحيفة البورصة ذكرت في مايو 2026 أن مصر جاءت ضمن أكبر 10 أسواق في المنطقة من حيث قيمة الصفقات في الربع الأول، في وقت تستهدف فيه الحكومة توسيع دور القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي. وظهرت خلال 2026 تحركات استحواذ على شركات مدرجة في قطاعات النقل والخدمات المالية والصناعة، ما يعكس أن منطق إعادة التسعير وإعادة التموضع ليس أوروبياً فقط، بل يمتد إلى المنطقة أيضاً.
من هذا المنطلق، قد تستفيد الشركات المصرية من الموجة الأوروبية بطريقتين: الأولى عبر جذب شراكات أو استثمارات من مجموعات أوروبية تبحث عن التوسع الخارجي بكفاءة أعلى. والثانية عبر مراقبة الأصول أو الأنشطة التي قد تطرحها شركات أوروبية للبيع ضمن برامج تبسيط المحافظ. لكن النجاح هنا سيظل مرتبطاً بالحوكمة، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على إقناع المستثمر الأجنبي بأن الأصل المحلي قادر على النمو بعد الاستحواذ.
الخلاصة: سوق أقوى.. لكن أكثر صرامة
الصورة العامة في أوروبا 2026 توحي بسوق اندماجات واستحواذات قوية من حيث القيمة، لكنها أيضاً أكثر صرامة وانتقائية من الدورات السابقة. الصفقات الكبرى عادت فعلاً، إلا أنها مدفوعة بإعادة التموضع الاستراتيجي، وبالسعي إلى التكنولوجيا والقدرات الصناعية والطاقة والدفاع، لا بمجرد التوسع التقليدي. وفي المقابل، تظل أسعار الفائدة والتضخم ومخاطر التنفيذ عوامل تضغط على أي صفقة لا تمتلك منطقاً تشغيلياً واضحاً.
وبالنسبة لمصر، فإن قراءة هذه الموجة مهمة داخل قسم شركات ونتائج الأعمال، لأن ما يجري في أوروبا لا يقتصر على أخبار خارجية؛ بل يحدد اتجاهات رأس المال، وسلوك المستثمرين الاستراتيجيين، وشهية الصناديق، وفرص التخارج والشراكة في الأسواق الناشئة. باختصار، 2026 قد يكون عاماً قياسياً للصفقات الأوروبية، لكن العبرة ليست في عدد العمليات فقط، بل في من يشتري ماذا، ولماذا الآن.