انكماش القطاع الخاص غير النفطي في مصر يتواصل خلال يوليو
مؤشر مديري المشتريات في مصر يتحسن هامشيًا.. لكن الانكماش لم ينتهِ
أظهرت بيانات شهر يوليو 2026 أن أوضاع القطاع الخاص غير النفطي في مصر ما زالت تتحرك داخل منطقة الانكماش، رغم تسجيل مؤشر مديري المشتريات قراءة أعلى من الشهر السابق لتصل إلى 46.8 نقطة. ورغم أن هذه النتيجة تعني تحسنًا طفيفًا مقارنة بقراءة يونيو البالغة 46.0 نقطة، فإنها تبقى أقل بوضوح من مستوى 50 نقطة الذي يفصل بين النمو والانكماش في نشاط الأعمال.
وبالنسبة لقراء سوق المال والمستثمرين في مصر، فإن هذا النوع من المؤشرات يحظى بمتابعة خاصة لأنه يقدم إشارة مبكرة إلى اتجاهات الطلب والإنتاج والتوظيف وتكاليف التشغيل داخل الشركات الخاصة بعيدًا عن قطاع النفط. وعندما يبقى المؤشر دون 50 نقطة لعدة أشهر متتالية، فهذا يعني أن بيئة الأعمال لا تزال تواجه ضغوطًا تحد من التوسع والاستثمار.
ماذا تعني قراءة 46.8 نقطة في يوليو؟
الارتفاع من 46.0 في يونيو إلى 46.8 في يوليو لا يعني تحول الاقتصاد غير النفطي إلى النمو، لكنه يشير إلى أن وتيرة التراجع أصبحت أقل حدة من الشهر السابق. وبعبارة أبسط، الشركات ما زالت ترى انكماشًا في نشاطها، ولكن بدرجة أخف نسبيًا من يونيو الذي سجل أدنى مستوى منذ يناير 2023 وفق التغطيات المعتمدة على بيانات ستاندرد آند بورز جلوبال.
وتستند قراءة المؤشر إلى مسح شهري لمديري المشتريات في شركات القطاع الخاص، ويغطي عناصر رئيسية تشمل الإنتاج، والطلبات الجديدة، والتوظيف، ومواعيد تسليم الموردين، ومخزون المشتريات. لذلك فإن أي تحسن أو تراجع فيه ينعكس عادة على تقييمات المستثمرين لأسهم الشركات المحلية، خاصة تلك المرتبطة بالاستهلاك المحلي والتجارة والصناعة والخدمات.
لماذا لا يزال النشاط تحت الضغط؟
القراءات الأخيرة خلال 2026 تكشف أن القطاع الخاص غير النفطي لم ينجح بعد في استعادة زخم مستدام. فقد سجل المؤشر 46.6 نقطة في أبريل، ثم 47.1 نقطة في مايو، قبل أن يتراجع إلى 46.0 نقطة في يونيو ثم يرتفع إلى 46.8 نقطة في يوليو. هذا المسار يعكس حالة من التذبذب داخل نطاق انكماشي، بما يوحي بأن التحسن لا يزال هشًا ولم يتحول إلى اتجاه صاعد ثابت.
ومن بين العوامل التي ضغطت على الشركات خلال الأشهر الماضية: ضعف الطلب، وارتفاع تكاليف التشغيل، وصعوبات السيولة، واضطرابات سلاسل الإمداد. وقد أشارت تقارير سابقة مرتبطة بمؤشر مصر إلى أن بعض الشركات واجهت تحديات في توافر النقد الأجنبي ومستلزمات الإنتاج، وهو ما انعكس على حجم الأعمال الجديدة والإنتاج الفعلي.
الصورة الكلية للاقتصاد المصري: إشارات متباينة
تأتي قراءة يوليو في وقت تظهر فيه مؤشرات كلية مصرية إشارات مختلطة. فمن ناحية، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي أن الناتج المحلي الإجمالي نما بنسبة 5.3% في الربع الثاني من العام المالي 2025/2026، كما سجل الاقتصاد 5% في الربع الثالث من العام المالي نفسه، ما يعكس تحسنًا في بعض القطاعات الاقتصادية على مستوى النشاط الكلي.
لكن من ناحية أخرى، لا يزال أداء الشركات الخاصة غير النفطية أقل من هذا الزخم الكلي، ما يعني أن التعافي الاقتصادي ليس موزعًا بالتساوي بين القطاعات. وهذا الفارق مهم لسوق الأسهم المصرية، لأن جزءًا كبيرًا من الشركات المقيدة يتأثر مباشرة بقوة الطلب المحلي، وتكلفة التمويل، وسهولة تدبير الخامات والسلع الوسيطة. والاستنتاج هنا أن تحسن النمو الكلي لا يضمن تلقائيًا خروج كل الأنشطة الخاصة من دائرة الانكماش.
التضخم والسيولة.. عاملان حاسمان في قراءة السوق
البيئة السعرية في مصر شهدت بدورها تطورًا لافتًا قبل صدور قراءة يوليو. فبحسب بيان البنك المركزي المصري، الصادر في 9 يوليو 2026 استنادًا إلى بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل التضخم الشهري الحضري -0.4% في يونيو 2026، مقابل 1.6% في مايو. كما أشار البنك المركزي إلى تباطؤ الضغوط السعرية مقارنة بالشهر السابق.
ورغم أن هدوء التضخم قد يمنح الشركات والمستهلكين بعض الارتياح، فإن أثره على النشاط الخاص لا يظهر فورًا، خصوصًا إذا ظلت الشركات تواجه قيودًا تتعلق بالتمويل أو تكلفة المدخلات أو ضعف القوة الشرائية. ولذلك فإن المستثمرين يربطون عادة بين بيانات التضخم وبيانات PMI لتقدير ما إذا كان تباطؤ الأسعار سيتحول لاحقًا إلى دعم حقيقي للمبيعات والإنتاج.
ما الذي يهم المستثمرين في بورصة مصر؟
بالنسبة لمتابعي بورصة مصر، فإن استمرار مؤشر مديري المشتريات دون 50 نقطة قد يضغط على النظرة قصيرة الأجل لبعض الأسهم المرتبطة بالاستهلاك المحلي والأنشطة الصناعية غير البترولية. الشركات التي تعتمد على الطلب الداخلي أو على استيراد مستلزمات إنتاج قد تبقى أكثر حساسية لأي تباطؤ في الطلبيات الجديدة أو أي تشدد في شروط السيولة. وفي المقابل، قد تستفيد بعض الشركات الدفاعية أو ذات المراكز النقدية الأقوى من هذا الوضع النسبي.
كما ينظر المستثمرون أيضًا إلى مؤشرات الاستقرار الخارجي. وفي هذا السياق، أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ 55.0723 مليار دولار في نهاية يونيو 2026، وهو تطور مهم من زاوية دعم الثقة في قدرة الاقتصاد على التعامل مع الالتزامات الخارجية واحتياجات الاستيراد. غير أن تحسن الاحتياطيات، على أهميته، لا يلغي تلقائيًا التحديات التشغيلية اليومية التي تواجهها الشركات الخاصة على الأرض.
هل يمكن أن يتحسن المؤشر في الأشهر المقبلة؟
السيناريو الإيجابي يتطلب عدة عوامل متزامنة: تحسن الطلب المحلي، واستقرار تكاليف المدخلات، وتيسير أكبر في توافر السلع والخامات، واستمرار انحسار الضغوط التضخمية. وإذا استمرت هذه العناصر في التحسن، فقد يقترب المؤشر تدريجيًا من مستوى 50 نقطة خلال الفترات المقبلة. لكن حتى الآن، تبقى قراءة يوليو 2026 أقرب إلى تباطؤ في الانكماش منها إلى بداية دورة توسع واضحة.
الخلاصة أن صعود مؤشر مديري المشتريات المصري إلى 46.8 نقطة في يوليو 2026 يقدم رسالة مزدوجة للسوق: هناك تحسن طفيف مقارنة بيونيو، لكن القطاع الخاص غير النفطي ما زال بعيدًا عن النمو. ولهذا ستظل بيانات الأشهر المقبلة شديدة الأهمية للمستثمرين وصناع القرار، لأنها ستحدد ما إذا كان الاقتصاد الخاص يتجه فعلًا إلى التعافي، أم أنه لا يزال يتحرك داخل موجة ضغوط أطول مما كان متوقعًا.