الإقتصادي

إيران تفتح هرمز لناقلات العراق بعد زيارة قاليباف

انفراجة محدودة لصادرات العراق عبر الممر النفطي الأخطر عالمياً

سمحت إيران لعدد من ناقلات النفط العراقية بالعبور عبر مضيق هرمز، في خطوة جاءت بعد طلبات عراقية متكررة ومباحثات سياسية تصدّرها رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف خلال زيارته الأخيرة إلى بغداد. التطور يبدو في ظاهره فنياً وملاحياً، لكنه في جوهره يحمل دلالة أكبر لأسواق الطاقة العالمية، لأن المرور عبر هرمز يظل عاملاً حاسماً في تدفق الخام من الخليج إلى المشترين في آسيا والأسواق الدولية.

وسائل إعلام إيرانية وعراقية نقلت أن السماح شمل عدداً من الناقلات العراقية بتصاريح خاصة، بعدما كان ملف مرور الصادرات العراقية من بين القضايا التي طرحتها بغداد خلال زيارة قاليباف إلى العراق. كما ربطت تقارير عراقية وإيرانية القرار مباشرة بالمطالب العراقية الرامية إلى حماية مصالح بغداد الاقتصادية وسط استمرار القيود والاضطرابات الأمنية في هذا الممر البحري الحيوي.

لماذا يهم القرار الأسواق العالمية؟

أهمية الخبر لا تتعلق بالعراق وحده. فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، يظل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة عالمياً، وكانت التدفقات عبره قد بلغت في 2023 نحو 20.9 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل قرابة 20% من استهلاك العالم من السوائل البترولية. وفي الربع الثاني من 2026 تراجعت الشحنات المارة عبر المضيق إلى متوسط 4.9 ملايين برميل يومياً فقط، قبل أن تتوقع الإدارة الأميركية استئنافاً تدريجياً للشحنات خلال الربع الثالث من 2026 مع حاجة السوق إلى عدة أشهر للعودة إلى مستويات ما قبل الاضطرابات.

هذه الأرقام تفسر سبب متابعة المتعاملين لأي خبر يتعلق بحرية الملاحة في هرمز. فمجرد السماح لناقلات عراقية بالعبور لا يعني عودة كاملة للحركة الطبيعية، لكنه يمنح السوق إشارة إلى وجود استثناءات أو ترتيبات تشغيلية يمكن أن تخفف جزءاً من الضغوط على الإمدادات القادمة من الخليج.

زيارة قاليباف إلى بغداد والطلب العراقي

المعطيات المتداولة في التغطيات الإقليمية تشير إلى أن زيارة محمد باقر قاليباف إلى بغداد جاءت في منتصف أغسطس 2026، وتضمنت مباحثات سياسية واقتصادية وأمنية، كان من أبرزها ملف مرور النفط العراقي عبر هرمز. وتقارير عراقية تحدثت عن أن بغداد طلبت من طهران منح صادراتها النفطية “خصوصية” أو معاملة خاصة بما يضمن استمرار التدفقات ويخفف أثر التوترات الإقليمية على المالية العامة العراقية.

بالنسبة للعراق، المسألة تتجاوز الاعتبارات الدبلوماسية. فالاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على إيرادات النفط، وأي تعطيل أو تباطؤ في التصدير ينعكس سريعاً على التدفقات النقدية والموازنة والإنفاق العام. لذلك بدا منطقياً أن تتحول قضية المرور البحري إلى بند رئيسي في المحادثات العراقية الإيرانية الأخيرة.

أرقام التصدير العراقية تعكس حجم الضغوط

تشير تقارير منشورة هذا الشهر إلى أن العراق صدّر من موانئه الجنوبية في يوليو 2026 نحو 35.5 مليون برميل خلال شهر واحد، وهو مستوى يقل كثيراً عن المعدلات التي كانت بغداد تعتمد عليها قبل أزمة الملاحة الأخيرة، حين كانت الصادرات الشهرية تدور قرب 105 ملايين برميل، بما يعادل حوالي 3.5 ملايين برميل يومياً. هذا الفارق يوضح لماذا كانت بغداد تضغط من أجل استثناء ناقلاتها من القيود المفروضة على العبور.

وفي لغة الأسواق، فإن تراجع الصادرات الفعلية إلى نحو ثلث المستويات السابقة ليس مجرد رقم في تقرير شحنات، بل عامل مؤثر في تسعير الخام، وفي حسابات المشترين الآسيويين، وفي حركة الناقلات والتأمين البحري أيضاً.

ما تأثير ذلك على أسعار النفط؟

خلال الربع الثاني من 2026، شهدت سوق النفط تقلبات حادة مع اضطراب تدفقات الخام عبر هرمز، وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن خام برنت تحرك في نطاق واسع خلال تلك الفترة، إذ لامس 118 دولاراً للبرميل في 29 أبريل 2026 قبل أن يتراجع لاحقاً إلى 72 دولاراً في 26 يونيو 2026. لذلك فإن أي تخفيف لقيود الشحن، حتى لو كان جزئياً، يُقرأ عادة بوصفه عاملاً قد يساعد على تهدئة علاوة المخاطر الجيوسياسية في السوق.

لكن من المهم التمييز بين السماح لعدد من الناقلات وبين استعادة الملاحة الطبيعية بالكامل. فالسوق ما زالت تتعامل بحذر مع الأخبار الواردة من الخليج، لأن إعادة بناء الثقة في الممرات البحرية تتطلب وقتاً، كما تتطلب وضوحاً أكبر بشأن حجم الناقلات المسموح لها بالعبور، وتكرار التصاريح، وكلفة التأمين، ومدى انتظام الجداول التشغيلية.

ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، تبرز أهمية هذا التطور من زاويتين. الأولى أن أي اضطراب في أسواق الطاقة العالمية ينعكس على أسعار الخام والمنتجات البترولية والشحن البحري عالمياً، وهو ما يؤثر في تكلفة التجارة والنقل وسلاسل الإمداد. والثانية أن مصر، بحكم موقعها على قناة السويس وصلتها المباشرة بحركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب، تراقب عن قرب أي تغير في أنماط مرور الناقلات بين الخليج والبحر الأحمر والمتوسط.

صحيح أن الخبر يخص ترتيبات عراقية إيرانية مباشرة، لكنه جزء من مشهد أوسع يتصل بأمن الممرات البحرية في الشرق الأوسط، وهو ملف له وزن كبير في تقييم المستثمرين لمخاطر المنطقة، وفي تسعير الطاقة، وفي قرارات الشركات المرتبطة بالنقل البحري والتكرير والتخزين.

هل هي بداية انفراج أوسع؟

القرار الإيراني يمنح بغداد متنفساً محدوداً، لكنه لا يرقى بعد إلى وصفه بحل شامل لأزمة المرور عبر مضيق هرمز. فالمؤشرات المتاحة حتى الآن تتحدث عن إذن خاص لعدد من الناقلات، لا عن فتح كامل ومستدام للملاحة أمام كل الصادرات العراقية. ومع ذلك، فإن الخطوة تحمل قيمة سياسية واضحة، لأنها تمثل أول نتيجة عملية معلنة للمباحثات التي جرت خلال زيارة قاليباف إلى بغداد.

إذا توسعت هذه التصاريح خلال الأسابيع المقبلة، فقد ينعكس ذلك إيجاباً على قدرة العراق على استعادة جزء من صادراته المفقودة، وهو ما قد يخفف أيضاً شيئاً من التوتر في سوق الخام العالمية. أما إذا ظلت الإجراءات انتقائية ومحدودة، فستبقى الأسواق تتعامل مع الملف باعتباره استثناءً مؤقتاً لا يبدد المخاطر بالكامل.

خلاصة المشهد

  • إيران سمحت لعبور عدد من ناقلات النفط العراقية عبر مضيق هرمز بتصاريح خاصة.
  • الخطوة جاءت بعد مباحثات سياسية تزامنت مع زيارة محمد باقر قاليباف إلى بغداد.
  • العراق يسعى لحماية صادراته النفطية بعدما تراجعت الشحنات بشكل حاد خلال 2026.
  • مضيق هرمز يبقى أهم ممر نفطي عالمي، وأي تطور فيه ينعكس سريعاً على الأسعار والمخاطر الجيوسياسية.
  • حتى الآن، الحديث يدور حول انفراجة جزئية لا استعادة كاملة لحرية الملاحة.

في المحصلة، يرسل القرار رسالة مزدوجة إلى السوق: هناك هامش للحلول التشغيلية حتى في ذروة التوتر، لكن استقرار الإمدادات يظل مرهوناً بمسار سياسي وأمني أكبر من مجرد عبور بضع ناقلات. ولهذا سيبقى خبر هرمز في صدارة متابعة المتعاملين في النفط، من بغداد وطهران إلى لندن وسنغافورة، خلال الأسابيع المقبلة.