الإقتصادي

باركليز: التمويل الأخضر يفتح فرصة استثمارية سنوية ضخمة

باركليز يراهن على قطاع التمويل المستدام

سلّطت تقديرات بنك باركليز الضوء مجددًا على واحدة من أكبر القصص الاستثمارية في الأسواق العالمية: التمويل المستدام والانتقالي. ووفق ما أورده البنك في إفصاحاته وتقاريره السنوية، فإن سوق أدوات التمويل المستدام — بما يشمل السندات والقروض المرتبطة بالاستدامة والتمويل الانتقالي — يمثل فرصة إصدار سنوية تتراوح بين 3.5 و6 تريليونات دولار حتى عام 2030. وعند الحديث عن مستوى يقارب 3.6 تريليون دولار سنويًا، فنحن أمام تقدير يقع داخل هذا النطاق الذي أعلنه البنك نفسه، ما يبرز الحجم الاستثنائي للسيولة المتوقعة في هذا المسار عالميًا.

هذه الأرقام لا تعكس مجرد اتجاه بيئي أو التزامًا تنظيميًا، بل تشير إلى سوق تمويل عملاق تتنافس عليه البنوك الدولية ومديرو الأصول والشركات والحكومات، خاصة مع تسارع خطط خفض الانبعاثات، وتمويل البنية التحتية النظيفة، وتوسيع الاستثمارات في الكهرباء المتجددة والنقل المستدام والهيدروجين الأخضر.

ما الذي قصده باركليز بالفرصة الاستثمارية؟

في تقاريره المتعلقة بالمناخ والاستدامة، قسّم باركليز الفرصة إلى عدة محاور، أبرزها تمويل التحول في قطاع الطاقة، وأدوات التمويل المستدام مثل السندات الخضراء والاجتماعية وسندات الاستدامة والقروض المرتبطة بالأهداف البيئية، إضافة إلى منتجات موجهة للأفراد والشركات. ووفق عرض البنك، فإن أوروبا مرشحة للبقاء السوق الرئيسية لديون ESG، مع استمرار نمو الطلب أيضًا في أمريكا الشمالية وآسيا والمحيط الهادئ.

كما وضع البنك لنفسه هدفًا بتسهيل تمويل مستدام وانتقالي بقيمة تريليون دولار بين 2023 ونهاية 2030. وتشير تحديثات لاحقة إلى أن باركليز حقق بالفعل إيرادات تقارب 500 مليون جنيه إسترليني من أنشطة التمويل المستدام ومنخفض الكربون في 2024، مع تأكيد الإدارة أن هذا المجال ليس فقط جزءًا من التزامات المناخ، بل أيضًا فرصة تجارية مباشرة للبنك.

لماذا يهم هذا المستثمر المصري؟

رغم أن القصة العالمية يقودها بنك بريطاني، فإن دلالاتها تمس القارئ في مصر بشكل مباشر. فكل توسع عالمي في السندات الخضراء والتمويل الانتقالي يعني زيادة شهية المؤسسات الدولية لتمويل مشروعات الطاقة النظيفة، وكفاءة استخدام الطاقة، وتحلية المياه، والنقل منخفض الانبعاثات، وسلاسل إنتاج الهيدروجين الأخضر. وهذه كلها ملفات تحاول مصر ترسيخ موقعها فيها خلال السنوات الأخيرة.

بالنسبة للمستثمرين في بورصة مصر، فإن هذا الاتجاه يرفع أهمية متابعة الشركات والقطاعات المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة والكيماويات والخدمات الصناعية والتمويل، لأن جزءًا من إعادة تسعير الأصول عالميًا أصبح مرتبطًا بقدرة الشركات على جذب رأس المال الأخضر أو الاندماج في سلاسل التحول الطاقي.

مصر تتحرك بقوة في مسار التحول الأخضر

التحول الأخضر في مصر لم يعد مجرد عنوان سياسي أو بيئي، بل دخل إلى صلب التخطيط الاستثماري الرسمي. فقد أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في 2 يونيو 2026 أن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027 تستهدف استثمارات كلية بنحو 3.7 تريليون جنيه، مع استحواذ الاستثمارات الخاصة على نحو 59% من الإجمالي. كما كشفت الوزارة عن قفزة بنسبة 261.1% في مخصصات قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، مع إدراج الهيدروجين الأخضر ضمن الصناعات النوعية الجاذبة للاستثمار.

هذا التطور مهم للغاية، لأن الرسالة التي يبعثها صانع السياسة في القاهرة متسقة مع ما تتحدث عنه البنوك العالمية: الأموال الكبيرة خلال السنوات المقبلة ستتجه إلى الطاقة النظيفة والتمويل المستدام، ومن ينجح في تجهيز المشروعات والحوافز والبنية التحتية سيكون الأقرب لاقتناص هذه التدفقات.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في قلب المشهد

أحد أبرز الأمثلة المصرية يتمثل في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي تواصل الترويج لنفسها كمركز إقليمي لمشروعات الوقود الأخضر. ففي 1 أبريل 2026 أُطلق البرنامج الوطني للهيدروجين النظيف – مصر بالتعاون بين الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، بهدف دعم الجاهزية الاستثمارية والدراسات الفنية وبناء القدرات المؤسسية المرتبطة بهذا القطاع.

وفي 13 يناير 2026، تابع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي سير مشروع إنتاج الهيدروجين الأخضر بقدرة 100 ميجاوات في منطقة السخنة، وهو المشروع الذي تنفذه Scatec بالشراكة مع صندوق مصر السيادي وأوراسكوم للإنشاءات وFertiglobe. كما أكد مدبولي في يناير 2026، خلال توقيع عقود لمشروعات في الطاقة المتجددة والتصنيع المحلي لمكوناتها باستثمارات تتجاوز 1.8 مليار دولار، أن توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة يمثل ركيزة لأمن الطاقة وجذب الاستثمار.

من السندات الخضراء إلى أسهم الشركات: أين الفرصة؟

إذا أخذنا تقدير باركليز عند مستوى 3.6 تريليون دولار سنويًا كمرجع لحجم السوق المحتمل، فإن الفرص لا تقتصر على البنوك العالمية التي ترتب الإصدارات أو تقدم القروض. هناك أيضًا امتداد واضح إلى:

  • شركات المرافق والطاقة التي تطور محطات شمسية ورياح وبنية تخزين.
  • شركات الإنشاءات والصناعة المستفيدة من مشروعات البنية الأساسية الخضراء.
  • الكيانات المصدرة للأسمدة والكيماويات التي يمكن أن تستفيد من التحول نحو الهيدروجين والأمونيا الخضراء.
  • البنوك التي تطور محافظ تمويل مستدام ومنتجات مرتبطة بالاستدامة.
  • الأسواق المالية التي تستضيف أدوات دين خضراء أو طروحات لشركات مرتبطة بالتحول البيئي.

وفي الحالة المصرية، يظل الهيدروجين الأخضر أحد أكثر المسارات جذبًا للمتابعة، ليس فقط بسبب الزخم الحكومي، ولكن لأنه يربط بين الطاقة المتجددة، والموانئ، والصناعة، والتصدير، والتمويل الدولي في قصة واحدة.

هل الرقم 3.6 تريليون دولار مؤكد حرفيًا؟

الدقة هنا مهمة. ما أمكن التحقق منه من مصادر باركليز المتاحة يشير إلى أن البنك تحدث عن فرصة إصدار سنوية تتراوح بين 3.5 و6 تريليونات دولار لأدوات التمويل المستدام حتى 2030، وليس رقمًا وحيدًا ثابتًا في كل الوثائق. لذلك فإن الإشارة إلى 3.6 تريليون دولار يمكن فهمها باعتبارها تقديرًا داخل هذا النطاق، لا رقمًا منفصلًا يناقض ما نشره البنك. وبالنسبة للقارئ المالي، فالمغزى الأهم ليس الفارق بين 3.5 و3.6، بل أن السوق نفسه يُقاس بعدة تريليونات من الدولارات سنويًا.

الخلاصة: قصة عالمية وفرصة مصرية

رسالة باركليز واضحة: التمويل المستدام لم يعد نشاطًا هامشيًا، بل صار أحد أكبر مسارات النمو في أسواق المال العالمية. وبالنسبة لمصر، فإن تزايد الاستثمارات العامة والخاصة في الكهرباء والطاقة المتجددة، وتوسيع العمل على الهيدروجين الأخضر داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، يمنحان السوق المحلية زاوية ارتباط مباشرة بهذه الموجة.

ومن هنا، فإن متابعة أسهم الطاقة والبنية التحتية والصناعة والتمويل في مصر، إلى جانب مراقبة الإصدارات الجديدة وأي شراكات دولية في مشروعات التحول الأخضر، قد تصبح أكثر أهمية خلال الفترة المقبلة. ففي عالم يبحث عن تمويل بمليارات بل وتريليونات الدولارات سنويًا، ستكون الأفضلية للأسواق القادرة على تحويل الخطط إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ.