بيث هاماك تضغط لرفع الفائدة مع تعثر تراجع التضخم الأمريكي
ضغوط جديدة داخل الفيدرالي مع عودة نبرة التشدد
عادت بيث إم. هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إلى صدارة المشهد في الأسواق العالمية بعد موقف واضح يدعو إلى تحرك أسرع لمواجهة التضخم في الولايات المتحدة. هاماك، التي تتولى رئاسة البنك الإقليمي منذ 21 أغسطس 2024، قالت إن بقاء التضخم فوق المستوى المستهدف لفترة طويلة يبرر تشديدًا أكبر في السياسة النقدية، معتبرة أن المستوى الحالي للفائدة لا يفرض قيودًا كافية على النشاط الاقتصادي. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة لأنه يعكس انقسامًا حقيقيًا داخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي حول المسار المناسب للفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب البيان المنشور باسمها على موقع بنك كليفلاند بعد اجتماع لجنة السوق المفتوحة يومي 28 و29 يوليو 2026، فإن هاماك اعترضت رسميًا على قرار تثبيت الفائدة، وفضّلت رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية. وأوضحت أن التضخم ظل “مرتفعًا أكثر مما ينبغي لفترة أطول مما ينبغي”، وأن التأخر في التحرك قد يجعل إعادة التضخم إلى الهدف البالغ 2% أكثر صعوبة وتكلفة لاحقًا. كما رأت أن ضغوط الأسعار لم تعد مقتصرة على عوامل العرض، مثل الطاقة، بل أصبحت مدفوعة أيضًا بجانب الطلب.
ماذا قالت هاماك تحديدًا؟
جوهر موقف هاماك يتمثل في أن بيانات الاقتصاد الأمريكي لا تعطي، من وجهة نظرها، إشارات كافية على انحسار الضغوط التضخمية تلقائيًا. ففي بيانها المؤرخ 31 يوليو 2026، أشارت إلى أن الشركات داخل نطاق البنك الاحتياطي في كليفلاند تتحدث عن اتساع ضغوط التسعير بدلًا من تراجعها، بينما يواصل المستهلكون الشكوى من استمرار الأسعار المرتفعة. كما اعتبرت أن استقرار سوق العمل يجعل التضخم هو المشكلة الأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن، وهو ما يدعم، برأيها، الإبقاء على سياسة نقدية أكثر تقييدًا.
هذا الخطاب لا يأتي من فراغ، بل يتسق مع نبرة أكثر تشددًا ظهرت لدى بعض مسؤولي الفيدرالي خلال صيف 2026. تقارير صحفية دولية نقلت في 17 يوليو 2026 أن هاماك انضمت إلى مجموعة صغيرة لكنها آخذة في الاتساع داخل الفيدرالي ترى أن رفع الفائدة قد يصبح ضروريًا إذا ظل التضخم عنيدًا. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن حديثها عن سماع مطالب من قادة أعمال برفع الفائدة كان أمرًا غير معتاد، لأن الشركات عادةً ما تفضل كلفة اقتراض أقل لا أعلى.
الفيدرالي ثبت الفائدة.. لكن الخلافات اتسعت
رغم هذه الدعوات، قررت لجنة السوق المفتوحة في 29 يوليو 2026 الإبقاء على النطاق المستهدف للفائدة بين 3.5% و3.75%. وجاء القرار بتصويت 9 أعضاء مقابل 3 معارضين، في إشارة نادرة نسبيًا إلى عمق الخلاف الداخلي بشأن أفضل طريقة لإعادة التضخم إلى هدف البنك المركزي الأمريكي. هذا يعني أن السوق لم تعد تنظر إلى قرارات الفيدرالي باعتبارها محسومة سلفًا، بل باتت تترقب كل قراءة تضخم وكل تعليق من الأعضاء المؤثرين.
ومن زاوية المستثمرين في مصر والمنطقة، فإن أهمية هذا الانقسام لا تقتصر على الولايات المتحدة وحدها. فكل ميل نحو تشديد إضافي في السياسة الأمريكية ينعكس عادة على شهية المخاطرة عالميًا، وعلى اتجاهات الدولار، وعوائد السندات، وتكلفة التمويل في الأسواق الناشئة. ولذلك فإن تصريحات هاماك لا تُقرأ فقط بوصفها موقفًا محليًا أمريكيًا، بل باعتبارها إشارة قد تؤثر على تدفقات الأموال عبر الحدود وأسعار الأصول عالميًا. وهذا مهم بشكل خاص للمتابع المصري الذي يراقب أثر الفائدة الأمريكية على الذهب، والدولار، وأسواق الدين، وتكاليف الاقتراض الدولية.
أين يقف التضخم الأمريكي الآن؟
أحدث البيانات الرسمية المتاحة من مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أظهرت أن مؤشر أسعار المستهلك في الولايات المتحدة ارتفع بنسبة 3.4% على أساس سنوي في يوليو 2026، فيما سجل ارتفاعًا شهريًا قدره 0.1% بعد التعديل الموسمي. وهذه القراءة تؤكد أن التضخم لا يزال أعلى بوضوح من هدف الفيدرالي البالغ 2%، حتى مع تباطؤه مقارنة بذروات سابقة. كما أن بقاء القراءة السنوية فوق 3% يفسر استمرار اللهجة المتشددة لدى بعض صناع السياسة النقدية.
وتتفق هذه الصورة مع تقييم هاماك نفسها، التي قالت إن التضخم ظل فوق مستوى 2% لأكثر من خمس سنوات. صحيح أن بعض قراءات الشهور الأخيرة أظهرت تحسنًا نسبيًا، لكن الجدل الدائر حاليًا داخل الفيدرالي يتمحور حول سؤال أساسي: هل هذا التحسن كافٍ لضمان عودة مستدامة نحو 2%، أم أن الاقتصاد لا يزال قويًا بما يسمح بترسخ ضغوط الأسعار؟ بالنسبة لهاماك، الإجابة تميل بوضوح إلى الخيار الثاني.
لماذا تهم تصريحات هاماك الأسواق العالمية؟
لأن السياسة النقدية الأمريكية تبقى مرجعًا رئيسيًا لتسعير الأصول حول العالم. فإذا اقتنع عدد أكبر من أعضاء الفيدرالي برؤية هاماك، فقد يزيد ذلك احتمالات رفع الفائدة أو على الأقل الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول. في الحالتين، تكون النتيجة عادة ضغوطًا على الأسهم العالمية، ودعمًا للدولار، وارتفاعًا في عوائد أدوات الخزانة الأمريكية، وهو ما قد يقلص جاذبية بعض الاستثمارات في الأسواق الناشئة.
كما أن خطاب هاماك يلفت الانتباه إلى نقطة مهمة: الخطر لم يعد مقتصرًا على صدمات العرض مثل الطاقة، بل قد يكون هناك طلب داخلي لا يزال قويًا بما يكفي لإبقاء الأسعار مرتفعة. وإذا تأكد هذا التقييم في البيانات المقبلة، فقد تميل كفة النقاش داخل الفيدرالي نحو مزيد من التشدد، خصوصًا إذا بقيت البطالة منخفضة والنشاط الاقتصادي متماسكًا.
ما الذي يراقبه المستثمرون بعد ذلك؟
- قراءات التضخم المقبلة: أي هبوط أسرع من المتوقع قد يخفف الضغوط عن الفيدرالي، بينما أي مفاجأة صعودية ستقوي مواقف الصقور.
- بيانات سوق العمل: استمرار التوظيف القوي يعني أن الاقتصاد قد يتحمل فائدة أعلى لفترة أطول.
- تصويت أعضاء الفيدرالي: اتساع عدد المعارضين لقرارات التثبيت سيكون إشارة مهمة للأسواق.
- تحركات الدولار والسندات: لأنها تعكس سريعًا كيف يعيد المستثمرون تسعير احتمالات التشديد.
حتى الآن، الرسالة الأوضح من هاماك هي أن معركة التضخم لم تنتهِ بعد، وأن الاكتفاء بالانتظار قد لا يكون الخيار الأفضل. وبالنسبة للأسواق العالمية، فإن مجرد صعود هذا الصوت داخل الفيدرالي يكفي لإبقاء الترقب مرتفعًا، خصوصًا مع حساسية المستثمرين لأي تغيير في تكلفة الأموال الأمريكية.
وفي المحصلة، تكشف تصريحات بيث هاماك عن مرحلة أكثر تعقيدًا في مسار أسعار الفائدة الأمريكية: التضخم تباطأ، لكنه لم يُهزم بعد؛ والفيدرالي ثبّت الفائدة، لكن التوافق الداخلي أصبح أضعف. ومن هنا، فإن أي مستثمر أو متابع للأسواق من القاهرة إلى نيويورك سيظل مراقبًا بدقة لما إذا كانت دعوة هاماك ستبقى رأيًا فرديًا متشددًا، أم ستتحول إلى اتجاه أوسع يقود القرار المقبل للبنك المركزي الأمريكي.