الإقتصادي

تباطؤ صفقات الاندماج العالمية في الربع الثالث تحت ضغط الفائدة

موجة الاندماجات العالمية تفقد زخمها في الربع الثالث

دخلت سوق الاندماج والاستحواذ العالمية مرحلة تهدئة ملحوظة خلال الربع الثالث من عام 2026، بعد بداية قوية نسبيًا في النصف الأول من العام. ووفق بيانات LSEG، بلغت القيمة الإجمالية للصفقات المعلنة عالميًا نحو 993 مليار دولار بين يوليو وسبتمبر، بانخفاض قدره 41% مقارنة بالربع الثاني، ليكون ذلك أول ربع تهبط فيه قيمة الصفقات دون مستوى التريليون دولار منذ الربع الثاني من 2025.

هذا التراجع لا يعني انهيار السوق بقدر ما يعكس تغيرًا في شهية التمويل والقدرة على تنفيذ الصفقات الكبرى، خاصة مع عودة تكلفة الأموال إلى الارتفاع في الولايات المتحدة وأوروبا. وبالنسبة للقارئ المصري الذي يتابع الأسواق العالمية، فهذه التحركات مهمة لأنها تؤثر في تقييمات الشركات، وتدفقات الاستثمار، ومعنويات البورصات، وحتى شهية الصناديق نحو الأسواق الناشئة.

الفائدة المرتفعة تضغط على قرار الاستحواذ

السبب الأبرز وراء تباطؤ الصفقات كان ارتفاع تكاليف الاقتراض. ففي أوروبا، رفع البنك المركزي الأوروبي في 10 سبتمبر 2026 أسعار الفائدة الرئيسية، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.50% اعتبارًا من 16 سبتمبر 2026. وفي الولايات المتحدة، رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي في 16 سبتمبر 2026 النطاق المستهدف للفائدة إلى 3.75% - 4.00%. هذه المستويات تعني ببساطة أن تمويل الاستحواذ بالدين أصبح أكثر كلفة، ما يقلص عدد الصفقات التي يمكن أن تحقق عائدًا مجزيًا للمشترين.

الضغوط لم تأتِ فقط من قرارات البنوك المركزية. فعوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، وهي مرجعية أساسية لتسعير التمويل عالميًا، واصلت الارتفاع. وتظهر بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الصادرة في 2 أكتوبر 2026 أن عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات دار حول 5.24% إلى 5.29% في الأيام الأخيرة، بينما أفادت تقارير سوقية بأن العائد لامس خلال التداولات أعلى مستوياته منذ سنوات طويلة. هذا المناخ يرفع تكلفة القروض وجسور التمويل التي تعتمد عليها صفقات الاستحواذ الضخمة.

الصفقات العملاقة تراجعت.. لكن السوق لم يتوقف

بحسب بيانات LSEG التي نقلتها رويترز في 1 أكتوبر 2026، شهد الربع الثالث الإعلان عن 10 صفقات فقط تزيد قيمة الواحدة منها على 10 مليارات دولار، وهو أدنى عدد فصلي للصفقات العملاقة منذ الربع الرابع من 2024. وعندما يتراجع هذا النوع من الصفقات، يهبط إجمالي القيمة العالمية بسرعة حتى لو استمر النشاط في الصفقات المتوسطة والصغيرة.

ومن بين أبرز العمليات التي لفتت الانتباه في الفترة الأخيرة، عرض بنكا مونتي دي باشي دي سيينا الإيطالي لشراء Banco BPM، وهي خطوة تعكس استمرار محاولات إعادة تشكيل القطاع المصرفي الأوروبي رغم ظروف التمويل الأصعب. ويقود البنك الإيطالي الرئيس التنفيذي لويجي لوفاليو، الذي تؤكد الصفحة الرسمية للبنك أنه يشغل المنصب منذ فبراير 2022 وأُعيد تأكيده في أبريل 2026.

كما ظهرت في الربع الثالث صفقة أخرى كبيرة في قطاع التعدين، تمثلت في عرض Gold Fields بقيمة 25.7 مليار دولار للاستحواذ على Northern Star Resources، ما يشير إلى أن النشاط لم يختفِ تمامًا، بل بات أكثر تركّزًا في القطاعات التي تملك مبررات استراتيجية قوية مثل الموارد الطبيعية والخدمات المالية.

رغم التباطؤ الفصلي.. 2026 ما زال عامًا قويًا

المفارقة أن الربع الثالث الضعيف نسبيًا لم يمحُ الصورة الإيجابية للعام ككل. فحتى نهاية سبتمبر 2026، وصلت قيمة صفقات الاندماج والاستحواذ العالمية إلى نحو 3.9 تريليون دولار، بزيادة تقارب 28% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وهو أعلى مستوى لهذه الفترة من السنة منذ 2001 وفق البيانات المشار إليها في التغطيات السوقية المعتمدة على LSEG. هذا يعني أن السوق لا تزال نشطة، لكنها أصبحت أكثر حساسية للسعر والتمويل والانضباط الائتماني.

وكانت LSEG قد أشارت في موادها البحثية المنشورة خلال 2026 إلى أن الربع الأول سجل مستويات قوية للغاية، مع بلوغ نشاط الاندماج والاستحواذ العالمي أعلى مستوى له في خمس سنوات من حيث أحجام الصفقات، كما أن إجمالي قيمة الصفقات في 2025 وصل إلى 4.6 تريليون دولار، بزيادة 49% عن 2024. لذا فإن ما نشهده الآن أقرب إلى تباطؤ بعد طفرة، لا إلى انعكاس كامل للاتجاه.

ماذا تعني هذه التطورات للمستثمرين في مصر؟

من منظور مصري، فإن تباطؤ الاندماج والاستحواذ العالمية له أكثر من دلالة. أولًا، عندما ترتفع كلفة التمويل في الاقتصادات الكبرى، تميل الصناديق والمؤسسات المالية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وقد تصبح أكثر انتقائية في ضخ الأموال خارج أسواقها الأساسية. ثانيًا، تراجع الصفقات الضخمة يؤثر على أسهم بنوك الاستثمار وشركات المحاماة والاستشارات المرتبطة بإنجاز تلك العمليات. ثالثًا، أي هدوء في سوق الصفقات العالمية ينعكس غالبًا على تقييمات الشركات المدرجة، خاصة في القطاعات التي كانت تستفيد من توقعات إعادة الهيكلة والاستحواذ.

وفي المقابل، قد تخلق هذه البيئة فرصًا مختلفة. الشركات التي تمتلك ميزانيات قوية وسيولة مرتفعة قد تجد نفسها في موقع أفضل لاقتناص أصول بأسعار أكثر عقلانية مقارنة بالفترات التي تشهد منافسة شرسة على الاستحواذ. لذلك فإن التباطؤ الحالي لا يُقرأ فقط باعتباره عامل ضغط، بل أيضًا كمرحلة فرز بين المشترين القادرين على التنفيذ والمراهنات التي كانت تعتمد على التمويل الرخيص.

سوق الطروحات أيضًا فقد بعض الزخم

الهدوء لم يقتصر على صفقات الاستحواذ وحدها. فبيانات رويترز المستندة إلى LSEG أوضحت كذلك أن حصيلة مبيعات الأسهم عالميًا خلال الربع الثالث بلغت نحو 284 مليار دولار، بانخفاض 26% عن الربع الثاني، رغم أنها ظلت أعلى بنسبة 39% مقارنة بالربع الثالث من 2025، بدعم من طروحات وعمليات بيع أسهم بارزة شملت SK Hynix وIntel. وتكشف هذه الأرقام أن تكلفة رأس المال باتت عاملاً ضاغطًا ليس فقط على الاستحواذات الممولة بالدين، بل أيضًا على توقيتات الطروحات وزيادات رؤوس الأموال.

الخلاصة

الرسالة الأساسية من أرقام الربع الثالث واضحة: التمويل الأغلى يبطئ الصفقات. فمع ارتفاع الفائدة في أوروبا والولايات المتحدة وصعود عوائد السندات، أصبحت القرارات الكبرى في مجال الاستحواذ أكثر حذرًا، وتقلص عدد الصفقات العملاقة التي كانت ترفع السوق فوق مستوى التريليون دولار فصليًا. ومع ذلك، لا يزال عام 2026 قويًا عند النظر إلى الأداء منذ بداية السنة، ما يعني أن السوق العالمية لم تفقد شهيتها بالكامل، لكنها دخلت مرحلة أكثر انتقائية وانضباطًا.

وخلال الشهور المقبلة، سيراقب المستثمرون ما إذا كان هذا التراجع مجرد استراحة بعد موجة قوية في النصف الأول، أم بداية دورة أطول من الحذر في الأسواق العالمية. الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على مسار الفائدة، وعوائد السندات، وقدرة الشركات على تبرير صفقات كبيرة في بيئة تمويل لم تعد سهلة كما كانت.