تحذير أوروبي: توترات إيران قد تعرقل هبوط التضخم
توترات الشرق الأوسط تعود إلى صدارة حسابات المركزي الأوروبي
عاد ملف الشرق الأوسط، وبالأخص المخاطر المرتبطة بإيران وأسواق الطاقة، إلى واجهة النقاش داخل دوائر السياسة النقدية الأوروبية، بعدما حذر أولي رين من أن أي تصعيد مطول قد يعرقل مسار تراجع التضخم في منطقة اليورو. وتأتي هذه الرسالة في وقت كان فيه البنك المركزي الأوروبي قد بدأ بالفعل تخفيف القيود النقدية بعد انحسار الضغوط السعرية مقارنة بذروة أزمة التضخم السابقة.
رين، الذي يشغل منصب محافظ بنك فنلندا وعضوية مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، قال إن الخطر لا يقتصر على الارتفاع المباشر في أسعار الطاقة، بل يمتد إلى ما قد يسببه الاضطراب الجيوسياسي من آثار أوسع على تكلفة النقل والإنتاج وثقة الشركات والمستهلكين داخل القارة الأوروبية. وهذا التقييم يكتسب أهمية خاصة لأن أوروبا، حتى مع تراجع اعتمادها النسبي على بعض مصادر الطاقة التقليدية، ما زالت شديدة الحساسية لأي هزة في سوق النفط والغاز العالمية.
من هو أولي رين ولماذا يهم تحذيره؟
أولي رين هو محافظ بنك فنلندا وعضو في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي منذ توليه رئاسة البنك المركزي الفنلندي في 12 يوليو 2018، كما يشغل منذ 2023 منصب النائب الأول لرئيس المجلس الأوروبي للمخاطر النظامية. وبحكم موقعه، فإن تصريحاته تُقرأ داخل الأسواق باعتبارها جزءًا من النقاش المؤثر في توجهات الفائدة الأوروبية، لا مجرد تعليق سياسي على تطورات الشرق الأوسط.
وتبرز أهمية هذا التحذير لأن البنك المركزي الأوروبي خفّض في 5 يونيو 2025 أسعار الفائدة الرئيسية بمقدار 25 نقطة أساس، لتصل فائدة الإيداع إلى 2.00%، وسعر إعادة التمويل الرئيسي إلى 2.15%، وسعر الإقراض الهامشي إلى 2.40%. يومها شدد البنك على أن قراراته المقبلة ستظل مرتبطة ببيانات التضخم وقوة انتقال السياسة النقدية وتطورات البيئة الاقتصادية والمالية.
التضخم كان يقترب من الهدف.. لكن الطاقة قد تغير الصورة
التحذير الأوروبي يأتي رغم أن بيانات يوروستات أظهرت تراجع معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو إلى 1.9% في مايو 2025، انخفاضًا من 2.2% في أبريل، أي دون مستوى الهدف المتوسط الأجل للبنك المركزي الأوروبي البالغ 2%. لكن القراءة التفصيلية للبيانات أظهرت أن الخدمات ظلت المساهم الأكبر في التضخم، فيما قدمت الطاقة مساهمة سالبة في ذلك الشهر، وهو ما يعني أن أي انعكاس صعودي جديد في أسعار النفط أو الغاز قد يبدل الصورة بسرعة.
ومن هنا تنبع حساسية تصريحات رين: فحين يكون التضخم قريبًا من الهدف، فإن أي صدمة طاقة خارجية قد تمنع تثبيته عند هذه المستويات، أو تدفعه للارتفاع مجددًا، وهو ما يعقد قرار صانعي السياسة النقدية بين دعم النمو والحفاظ على استقرار الأسعار.
لماذا يظل مضيق هرمز عنصرًا حاسمًا؟
القلق الأوروبي لا يرتبط بإيران بوصفها منتجًا للطاقة فقط، بل كذلك بموقعها الجغرافي على واحد من أكثر الممرات حساسية في العالم: مضيق هرمز. ووفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، تعتمد دول مثل إيران والعراق والكويت وقطر والبحرين على المضيق في تصدير الجزء الأكبر من شحناتها النفطية، كما أن أي تعطيل لتدفقات الغاز الطبيعي المسال عبره سيشكل صدمة كبيرة للسوق العالمية، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه قطر في تجارة الغاز المسال.
صحيح أن وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن أوروبا تستقبل نحو 4% فقط من تدفقات الخام الخارجة من المنطقة عبر المضيق، لكن هذا لا يعني أن القارة بمنأى عن الخطر. فأسعار الطاقة تُحدد عالميًا، وأي نقص أو اضطراب كبير في الإمدادات ينعكس فورًا على الأسعار الدولية، ثم على تكاليف الوقود والنقل والتصنيع في أوروبا، وهو ما يصل في النهاية إلى المستهلك الأوروبي.
كيف تنظر المؤسسات الأوروبية إلى الخطر؟
المفوضية الأوروبية كانت قد قالت في أبريل 2026 إن اضطراب تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز يمثل مثالًا واضحًا على كيفية تأثير الجغرافيا السياسية في أمن الطاقة، لكنها أضافت أن انخفاض اعتماد الاتحاد الأوروبي نسبيًا على واردات المنطقة، إلى جانب إجراءات الاستعداد الأوروبية، يعني عدم وجود مخاوف فورية على الإمدادات في تلك المرحلة. وفي يونيو 2026، ناقشت مجموعة تنسيق النفط التابعة للاتحاد الأوروبي أوضاع السوق على خلفية تطورات الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن سوق المشتقات البترولية أظهرت قدرًا من المرونة.
مع ذلك، فإن عدم وجود أزمة إمداد فورية لا يلغي الخطر التضخمي. فالأسواق عادة تسعّر المخاطر قبل وقوع النقص الفعلي، وهو ما يفسر لماذا يركز مسؤولو البنوك المركزية على أثر التوقعات، وليس فقط على الأثر الفوري في براميل النفط أو شحنات الغاز.
ماذا يعني ذلك لأسواق الخليج والشرق الأوسط؟
بالنسبة لقراء مصر والمنطقة، فإن الرسالة الأوروبية مهمة لأنها تؤكد مرة أخرى أن أسواق الخليج والشرق الأوسط لا تؤثر فقط في موازنات الدول المنتجة أو في تكلفة الطاقة المحلية، بل تمتد آثارها مباشرة إلى قرارات الفائدة والنمو في أوروبا. أي ارتفاع كبير في أسعار النفط أو اضطراب في الغاز والشحن البحري قد يعيد رسم توقعات التضخم عالميًا، ويضغط على البنوك المركزية من فرانكفورت إلى لندن وحتى الأسواق الناشئة.
كما أن استمرار التوترات يرفع من أهمية المنتجين الخليجيين، خاصة الدول القادرة على المناورة في الإمدادات أو الاستفادة من البنية التحتية البديلة. وفي الوقت نفسه، يبقى السوق الأوروبي مراقبًا دقيقًا لأي تحرك في أسعار الخام، لأن فاتورة الطاقة لا تزال واحدة من أسرع القنوات انتقالًا إلى الأسعار الاستهلاكية.
السيناريوهات المحتملة أمام المركزي الأوروبي
إذا استمرت التوترات في الشرق الأوسط دون صدمة إمداد واسعة، فقد يظل التأثير محدودًا ويقتصر على تقلبات مؤقتة في الطاقة. أما إذا اتسع نطاق الاضطراب أو ارتفعت كلفة الشحن والتأمين والنقل البحري لفترة ممتدة، فقد يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه أمام تضخم أكثر لزوجة، حتى لو ظل الطلب المحلي الأوروبي ضعيفًا نسبيًا.
- السيناريو الأول: هدوء نسبي في التوترات، بما يسمح باستمرار مسار التضخم قرب 2%.
- السيناريو الثاني: ارتفاع متوسط في أسعار الطاقة، ما يدفع المركزي الأوروبي إلى التريث في أي خفض إضافي للفائدة.
- السيناريو الثالث: اضطراب حاد في الإمدادات أو الشحن عبر مضيق هرمز، بما يعيد الضغوط التضخمية بقوة ويزيد مخاطر تباطؤ النمو.
خلاصة المشهد
تحذير أولي رين لا يعني بالضرورة أن أوروبا تتجه إلى موجة تضخم جديدة مؤكدة، لكنه يكشف بوضوح أن معركة الأسعار لم تُحسم بالكامل. فبعدما اقتربت منطقة اليورو من هدف التضخم، عادت الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط لتصبح عاملًا لا يمكن تجاهله في حسابات الفائدة والأسواق.
وبالنسبة لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، فإن الرسالة الأساسية هي أن أي تطور في إيران أو في أمن الملاحة عبر مضيق هرمز لم يعد شأنًا إقليميًا فقط، بل عنصرًا مؤثرًا في السياسة النقدية الأوروبية، وفي تسعير الطاقة عالميًا، وفي مزاج المستثمرين عبر الأسواق الدولية.