الإقتصادي

تحويلات المصريين بالخارج تسجل 47.3 مليار دولار في 2025/2026

قفزة تاريخية في تحويلات المصريين العاملين بالخارج

سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج مستوى غير مسبوق خلال السنة المالية 2025/2026، بعدما بلغت 47.3 مليار دولار، بحسب ما أعلنه البنك المركزي المصري. وتمثل هذه القفزة امتدادًا لمسار صعودي واضح شهدته التحويلات على مدار الأشهر الماضية، لتؤكد مكانتها كأحد أهم موارد النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، إلى جانب إيرادات السياحة والصادرات وقناة السويس. واستنادًا إلى البيانات الرسمية التي نشرها البنك المركزي المصري، كانت التحويلات قد بلغت 34.9 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من السنة المالية نفسها، أي في الفترة من يوليو 2025 إلى مارس 2026، بزيادة سنوية قدرها 32% مقارنة بنحو 26.4 مليار دولار في الفترة المناظرة من السنة السابقة. كما أظهرت بيانات أخرى للمركزي أن تحويلات المصريين بالخارج خلال عام 2025 وحده صعدت إلى 41.5 مليار دولار مقابل 29.6 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 40.5%، وهو ما كان أعلى مستوى سنوي مسجل وقتها.

لماذا تكتسب هذه الأرقام أهمية استثنائية؟

أهمية هذه الأرقام لا تتوقف عند تسجيل مستوى قياسي جديد فحسب، بل ترتبط أيضًا بدور التحويلات في دعم استقرار سوق النقد الأجنبي داخل مصر. فهذه التدفقات تمثل مصدرًا مباشرًا للعملة الصعبة للأسر والقطاع المصرفي، كما تمنح الاقتصاد مساحة أوسع للتعامل مع الالتزامات الخارجية وتمويل الواردات وتقليص الضغوط على ميزان المدفوعات. ووفق ما أبرزه البنك المركزي المصري، ساعدت التحويلات المرتفعة خلال 2025 في دعم الاحتياطيات الدولية وتخفيف الضغوط على القطاع الخارجي. كما أعلن البنك أن صافي الاحتياطيات الدولية وصل إلى 55.072 مليار دولار بنهاية يونيو 2026، وهو مستوى يعكس تحسنًا في قدرة الدولة على مواجهة الالتزامات الخارجية القصيرة الأجل ودعم الثقة في السوق الرسمية.

من أين جاءت الطفرة في التحويلات؟

القراءة الاقتصادية للأرقام تشير إلى أن التحسن لم يكن عارضًا، بل جاء نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها عودة الثقة إلى القنوات المصرفية الرسمية بعد إصلاحات سوق الصرف التي بدأت في مارس 2024، فضلًا عن اتساع الخدمات البنكية المقدمة للمصريين في الخارج. هذا التوجه ظهر في استمرار ارتفاع التحويلات عبر الأشهر والفترات المختلفة؛ فخلال النصف الأول من السنة المالية 2025/2026 وصلت التحويلات إلى 22.1 مليار دولار مقابل 17.1 مليار دولار في الفترة المقابلة من السنة السابقة، بينما سجل شهر ديسمبر 2025 وحده نحو 4 مليارات دولار، وهو أعلى مستوى شهري تاريخيًا وفق بيانات البنك المركزي.

كما دعمت الحكومة والقطاع المصرفي هذا الاتجاه عبر مبادرات موجهة للمصريين بالخارج لتسهيل تعاملاتهم المصرفية. ففي 2 أغسطس 2026 أعلن البنك المركزي المصري، بالتعاون مع وزارة الخارجية والهجرة وشركاء مصرفيين، إطلاق مبادرة "حدث بياناتك في مصر" لتيسير تحديث البيانات البنكية للمصريين العاملين بالخارج عبر البعثات الدبلوماسية والقنصلية، وهي خطوة تستهدف إزالة العقبات الإجرائية وتشجيع مزيد من التحويلات عبر القنوات الرسمية. ويمكن الإشارة هنا إلى البنك المركزي المصري (@centralbankofegypt_ على إنستغرام) باعتباره الجهة الرسمية التي تنشر بيانات القطاع النقدي والمصرفي للمواطنين والمتابعين.

انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المصري

في السياق المصري، تنعكس زيادة تحويلات العاملين بالخارج على أكثر من مستوى. فهي أولًا تدعم دخول ملايين الأسر التي تعتمد جزئيًا أو كليًا على الأموال الواردة من ذويها في الخارج، وثانيًا توفر سيولة دولارية تعزز قدرة البنوك على تلبية الطلبات المشروعة على العملة الأجنبية، وثالثًا تسهم في تحسين مؤشرات الاستقرار الكلي، لا سيما في فترات حساسة تشهد تقلبات في مصادر النقد الأجنبي الأخرى. لهذا السبب، ينظر المستثمرون ومتابعو بورصة مصر إلى أرقام التحويلات باعتبارها مؤشرًا مهمًا على متانة التدفقات الخارجية غير الدَينية.

وتكتسب هذه التطورات وزنًا إضافيًا عندما توضع في إطار المؤشرات الاقتصادية الأوسع. فالبنك المركزي المصري، برئاسة حسن عبدالله، واصل خلال 2026 إبراز تقدم عدد من المؤشرات المرتبطة بالاستقرار المالي، من بينها تراجع التضخم من ذروته السابقة وبلوغ الاحتياطي النقدي مستويات مرتفعة تاريخيًا بحلول الربع الأول من 2026، بحسب تصريحات رسمية نشرها البنك في أبريل 2026. ورغم أن التحويلات ليست العامل الوحيد في هذا التحسن، فإنها تظل من أكثر المصادر استقرارًا نسبيًا مقارنة بتدفقات المحافظ الاستثمارية سريعة الحركة.

موقع مصر عالميًا في خريطة التحويلات

الزخم الذي حققته التحويلات المصرية ينسجم أيضًا مع مكانة مصر ضمن الدول الكبرى المتلقية لتحويلات العاملين بالخارج. ووفق ما أورده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في يونيو 2026 استنادًا إلى البيانات الدولية والمحلية، جاءت مصر في المرتبة السابعة عالميًا بين أكبر الدول المتلقية للتحويلات. هذا الترتيب يوضح أن التحويلات لم تعد مجرد بند مالي مهم، بل أصبحت عنصرًا استراتيجيًا في دعم الاقتصاد الوطني وتمويل الاستهلاك والاستثمار العائلي، خصوصًا في المحافظات التي ترتفع فيها معدلات الاعتماد على دخول العاملين بالخارج.

ماذا تعني أرقام 47.3 مليار دولار للأسواق؟

بالنسبة للأسواق المحلية، فإن تسجيل 47.3 مليار دولار في سنة مالية واحدة يبعث برسالة واضحة حول استمرار فعالية السياسات التي تهدف إلى جذب العملات الأجنبية إلى الجهاز المصرفي الرسمي. كما يعزز ذلك قدرة البنوك على إدارة السيولة الدولارية، ويدعم الثقة في الأسهم والقطاعات المرتبطة بالنشاط الاستهلاكي والتمويل والخدمات المصرفية، خاصة مع تحسن الرؤية تجاه توافر النقد الأجنبي. كذلك تمنح هذه التدفقات صناع القرار مساحة أكبر في إدارة الملفين النقدي والتمويلي دون الاعتماد المفرط على الأدوات قصيرة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تبقى المحافظة على هذا المسار مرهونة باستمرار تطوير الخدمات المقدمة للمصريين بالخارج، وتخفيض كلفة التحويل، وتسريع الإجراءات الرقمية، والحفاظ على جاذبية القنوات الرسمية مقارنة بأي بدائل غير مصرفية. وتشير الأرقام المرحلية التي أعلنها المركزي خلال 2026 إلى أن الاتجاه الصاعد كان متماسكًا بالفعل على مدار السنة المالية، ما يجعل الرقم النهائي البالغ 47.3 مليار دولار نتيجة منطقية لمسار بدأ بوضوح منذ النصف الثاني من 2024 ثم تسارع خلال 2025 و2026.

خلاصة المشهد

المحصلة أن تحويلات المصريين العاملين بالخارج تواصل لعب دور محوري في دعم الاقتصاد المصري، ليس فقط كرقم قياسي جديد، بل كأداة استقرار حقيقية في مرحلة تتطلب تدفقات أجنبية مستدامة وموثوقة. ووصولها إلى 47.3 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026 يعكس ثقة أكبر في النظام المصرفي الرسمي، وتحسنًا في كفاءة استقبال التحويلات، وقدرة الدولة على ترجمة الإصلاحات النقدية إلى نتائج ملموسة يشعر بها السوق والمواطن في آن واحد.