تراجع عجز ميزان المدفوعات المصري إلى 1.9 مليار دولار
تحسن في ميزان المدفوعات المصري خلال 9 أشهر
سجل ميزان المدفوعات المصري عجزًا كليًا قدره 1.9 مليار دولار خلال أول تسعة أشهر من السنة المالية 2024/2025، أي في الفترة من يوليو 2024 إلى مارس 2025، بحسب البيانات التي أعلنها البنك المركزي المصري ونقلتها مصادر مصرية رسمية. ويعكس هذا الرقم ضغوطًا لا تزال قائمة على القطاع الخارجي، لكنه يأتي بالتوازي مع تحسن واضح في عدد من البنود الرئيسية، وعلى رأسها تحويلات المصريين العاملين بالخارج وإيرادات السياحة.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة لقراء قطاع بنوك واستثمار مصر، لأن ميزان المدفوعات يعد من أبرز المؤشرات التي تراقب قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية، وتمويل الواردات، وتخفيف الضغوط على سوق الصرف والاحتياطيات الدولية.
الحساب الجاري يتقلص بدعم التحويلات والسياحة
البيانات أظهرت أن عجز الحساب الجاري تراجع بنحو 22.6% على أساس سنوي ليصل إلى 13.2 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من السنة المالية 2024/2025، مقابل 17.1 مليار دولار في الفترة نفسها من العام المالي السابق. وكان العامل الأكثر تأثيرًا في هذا التحسن هو القفزة الكبيرة في تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
فقد ارتفعت التحويلات إلى 26.4 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2024 إلى مارس 2025، مقارنة مع 14.5 مليار دولار قبل عام، بزيادة قوية بلغت 82.7%. كما سجل الربع الثالث وحده، أي من يناير إلى مارس 2025، تدفقات بقيمة 9.4 مليار دولار، ما يعكس استمرار التعافي في هذا المصدر الحيوي للنقد الأجنبي.
كذلك واصلت إيرادات السياحة دعم الحساب الجاري، بعدما ارتفعت إلى 12.5 مليار دولار مقابل 10.9 مليار دولار في الفترة المقارنة، مع زيادة عدد الليالي السياحية إلى 134.3 مليون ليلة بدلًا من 116.4 مليون ليلة. ويشير ذلك إلى أن القطاع السياحي لا يزال أحد أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري، رغم حالة عدم اليقين الإقليمية.
لماذا بقي العجز الكلي قائمًا رغم هذا التحسن؟
رغم التحسن في الحساب الجاري، فإن العجز الكلي في ميزان المدفوعات لم يختفِ، بسبب تراجع صافي التدفقات الداخلة إلى الحساب الرأسمالي والمالي. ووفق البيانات، هبط صافي التدفقات في هذا الحساب إلى نحو 7.7 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من 2024/2025، مقارنة مع 20 مليار دولار في الفترة نفسها من العام السابق.
ويرتبط هذا الفارق الكبير جزئيًا بقاعدة المقارنة المرتفعة في العام السابق، حين استفادت مصر من تدفقات استثنائية مرتبطة بصفقة رأس الحكمة، وهو ما رفع أرقام المقارنة بصورة غير متكررة. وبالتالي، فإن قراءة أرقام العام الحالي تحتاج إلى فصل التحسن التشغيلي في مصادر النقد الأجنبي عن غياب التدفقات الاستثنائية التي دعمت السنة السابقة.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر فسجل 9.8 مليار دولار، انخفاضًا من 23.7 مليار دولار في الفترة المقارنة، لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة هبوطًا حادًا في شهية المستثمرين بقدر ما يعكس أثر المقارنة مع عام شهد صفقة ضخمة غير اعتيادية. وفي المقابل، أظهرت البيانات أن صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى القطاع غير البترولي بلغ 9.1 مليار دولار، مدفوعًا باستثمارات جديدة وزيادات رؤوس أموال وأرباح معاد استثمارها.
ضغوط التجارة الخارجية ما زالت ثقيلة
التحسن في التحويلات والسياحة لم يكن كافيًا لتعويض الضغوط الناتجة عن التجارة السلعية. فقد اتسع عجز الميزان التجاري البترولي إلى 10.3 مليار دولار مقابل 5.1 مليار دولار قبل عام، مع ارتفاع الواردات البترولية إلى 14.5 مليار دولار من 9.7 مليار دولار. ويعود ذلك إلى زيادة واردات الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية والنفط الخام، في وقت تراجعت فيه الصادرات البترولية إلى 4.2 مليار دولار.
كما ارتفع عجز الميزان التجاري غير البترولي إلى 28 مليار دولار مقابل 23.7 مليار دولار، مع صعود واردات السلع غير البترولية إلى 53.6 مليار دولار، بينما زادت الصادرات غير البترولية إلى 25.6 مليار دولار. وشملت أبرز السلع التي دعمت الصادرات غير البترولية الذهب والملابس الجاهزة والفاكهة ومنتجات الألومنيوم والكابلات الكهربائية.
قناة السويس تحت الضغط بسبب اضطرابات البحر الأحمر
من بين أبرز العوامل التي حدّت من التحسن، التراجع الحاد في إيرادات قناة السويس، إذ هبطت إلى 2.6 مليار دولار فقط خلال أول 9 أشهر من 2024/2025، مقابل 5.8 مليار دولار قبل عام، بانخفاض نسبته 54.1%. وترتبط هذه الخسائر باستمرار اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، ما أدى إلى تراجع الحمولة الصافية للسفن المارة وعدد السفن العابرة.
هذا التطور يوضح أن الاقتصاد المصري ما زال يتعامل مع صدمات خارجية لا ترتبط فقط بالأداء المحلي، بل أيضًا بالتوترات الإقليمية ومسارات التجارة الدولية. لذلك، فإن قراءة ميزان المدفوعات لا يجب أن تقتصر على الأرقام المجردة، بل على طبيعة المخاطر التي تواجه مصادر العملة الأجنبية التقليدية.
ماذا تعني الأرقام للاقتصاد المصري؟
عمليًا، تكشف هذه النتائج أن القطاع الخارجي المصري يسير في مسار مختلط: هناك تحسن حقيقي في بعض البنود الأساسية، خاصة التحويلات والسياحة، لكن في المقابل تظل الواردات البترولية، وضعف دخل القناة، وتراجع بعض التدفقات المالية عوامل ضاغطة. كما أن صندوق النقد الدولي أشار في مراجعته للاقتصاد المصري خلال 2025 إلى أن اتساع الواردات، وضعف إنتاج الهيدروكربونات، واستمرار اضطرابات قناة السويس، كلها عوامل تضغط على الحساب الجاري، رغم تحسن السياحة والتحويلات والصادرات غير البترولية.
وفي السياق نفسه، أعلن البنك المركزي المصري أن صافي الاحتياطيات الدولية بلغ 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو 2026 بصورة مبدئية، وهو ما يعكس استمرار وجود غطاء احتياطي قوي نسبيًا، وإن كانت حركة الاحتياطيات نفسها تتأثر بطبيعة التدفقات الداخلة والخارجة، وجدولة الالتزامات الخارجية، وتكلفة الواردات.
ما الذي يراقبه السوق في المرحلة المقبلة؟
خلال الفترة المقبلة، سيركز المتعاملون في السوق المصري على عدة ملفات رئيسية:
- استدامة نمو تحويلات المصريين بالخارج بعد القفزة القياسية المسجلة خلال 2024/2025.
- تعافي إيرادات قناة السويس إذا تحسنت أوضاع الملاحة في البحر الأحمر.
- قدرة الصادرات غير البترولية على تقليص فجوة التجارة.
- تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بعيدًا عن أثر الصفقات الاستثنائية.
- تطورات برنامج الإصلاح الاقتصادي وعلاقته بتكلفة التمويل الخارجي وثقة المستثمرين.
في المجمل، فإن تراجع العجز الكلي في ميزان المدفوعات المصري إلى 1.9 مليار دولار خلال أول 9 أشهر من السنة المالية 2024/2025 يعكس تحسنًا مهمًا، لكنه ليس نهاية الضغوط. الصورة الأقرب للدقة هي أن مصر حققت تقدمًا في مصادر رئيسية للنقد الأجنبي، إلا أن الطريق إلى توازن خارجي أكثر استقرارًا ما زال مرتبطًا بزيادة الإنتاج التصديري، واحتواء فاتورة الواردات، وعودة الملاحة عبر قناة السويس إلى مستويات أكثر طبيعية.