تعافي الخام عبر هرمز لا ينهي ضغط السولار على مصر
عودة الخام عبر هرمز.. لكن أزمة الديزل لم تنتهِ
تقترب حركة شحنات النفط الخام عبر مضيق هرمز من مستوياتها المعتادة بعد فترة اضطراب حادة، لكن هذا التحسن لا يعني تلقائيًا انفراجًا في سوق الوقود المكرر، وخصوصًا السولار أو الديزل. فالمشكلة الآن لم تعد مرتبطة فقط بمرور الخام من الممر البحري الأهم للطاقة في العالم، بل أيضًا بقدرة المصافي على تحويل هذا الخام إلى منتجات نهائية تكفي الطلب العالمي، وهي الحلقة التي ما زالت تعاني اختناقات واضحة.
أهمية هذه التطورات لا تقتصر على الأسواق العالمية وحدها. في مصر، يظل السولار عنصرًا شديد الحساسية لأنه يدخل في تكلفة النقل والبضائع والخدمات والإنتاج الصناعي والزراعي. ولهذا فإن أي توتر مستمر في سوق الديزل العالمي ينعكس مباشرة على فاتورة الاستيراد وعلى حسابات التسعير المحلية، حتى لو هدأت أسعار الخام نسبيًا.
ماذا جرى في هرمز؟
بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أظهرت أن النفط والمنتجات البترولية العابرة لمضيق هرمز تمثل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، كما تعادل نحو خُمس الاستهلاك العالمي من النفط والمنتجات البترولية، ما يفسر الحساسية الشديدة لأي اضطراب في هذا الممر البحري بين إيران وسلطنة عمان. كما تشير البيانات إلى أن معظم هذه التدفقات تتجه إلى آسيا، خاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وهي الأسواق الأكثر تعرضًا لأي تعطل هناك.
وفي قراءة أحدث للسوق، أوضحت تقارير متابعة الشحن أن تدفقات الخام استعادت جزءًا كبيرًا من نشاطها بعد اضطرابات الحرب، مع عودة الناقلات تدريجيًا إلى مساراتها وارتفاع الشحنات مقارنة بفترة الذروة في التوتر. كما لفتت تقديرات سوقية إلى أن شحنات الخام اقتربت من مستويات ما قبل الأزمة بدرجة كبيرة، في وقت ظل فيه تعافي شحنات المنتجات المكررة أبطأ بكثير.
لماذا لا ينعكس تعافي الخام على السولار؟
السبب الرئيسي هو أن الخام وحده لا يحل أزمة المنتجات. عندما تتعطل مصافٍ أو تتراجع معدلات تشغيلها، تقل كميات الديزل والبنزين ووقود الطائرات المطروحة في السوق حتى لو توافرت إمدادات الخام. هذا ما تشير إليه تحليلات السوق الأخيرة التي رصدت استمرار ضعف تدفقات الوقود المكرر بسبب أعطال وصيانات وتعطل بعض الوحدات التكريرية في المنطقة، إلى جانب بقاء جزء من الإنتاج داخل الأسواق الآسيوية لتلبية الطلب المحلي بدلًا من تصديره.
وتوضح بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أيضًا أن زيادة طاقات التكرير في دول الخليج خلال السنوات الأخيرة غيّرت خريطة التدفقات، إذ جرى استهلاك وتكرير المزيد من الخام داخل المنطقة بدلًا من تصديره خامًا فقط. هذا التحول مفيد على المدى الطويل، لكنه يجعل أي توقف أو خلل في المصافي أكثر تأثيرًا على سوق المنتجات النهائية من تأثيره على سوق الخام نفسه.
كذلك، أظهرت تقارير سوقية أن بعض المصافي الآسيوية كانت قد أمنت بالفعل شحنات خام لفترات لاحقة، بينما ظلت هوامش الربحية والتشغيل في قطاع التكرير تحت ضغط. وفي مثل هذه الظروف، لا يتحول انخفاض القلق على الخام بسرعة إلى وفرة في السولار، لأن دورة التكرير والإمداد والنقل تحتاج وقتًا أطول، فضلًا عن أن المنتجين قد يفضلون الاحتفاظ بجزء من الإنتاج محليًا إذا كانت الأسواق الداخلية بحاجة إليه.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، فإن الرسالة الأساسية هي أن هدوء سوق الخام لا يضمن هدوء سوق السولار. الدولة تتابع باستمرار تطورات السوق الدولية لأن السولار من أكثر المنتجات تأثيرًا على الاقتصاد اليومي، سواء في نقل الركاب والبضائع أو في تشغيل قطاعات إنتاجية وخدمية واسعة.
وكانت وزارة البترول والثروة المعدنية قد أعلنت في 11 أبريل 2025 أسعار بيع المنتجات البترولية الجديدة، وحددت سعر السولار عند 15.5 جنيه للتر، مع الإشارة إلى استمرار وجود فجوة بين التكلفة وسعر البيع. وفي 4 أكتوبر 2026 أكدت الوزارة رسميًا أن الأسعار المحلية ما زالت سارية دون تغيير، نافية ما تردد عن تحريك جديد للأسعار قبل انعقاد اللجنة المختصة.
هذا يعني أن أي ارتفاع طويل الأمد في تكلفة السولار المستورد أو في أقساط الشحن والتأمين قد يزيد الضغط على الموازنة العامة وفاتورة الدعم غير المباشر، حتى إذا لم يجرِ تعديل السعر المحلي فورًا. كما أن استمرار اضطراب سوق الديزل عالميًا قد يرفع تكلفة الواردات على المستوردين والمشغلين الصناعيين، وهو ما ينعكس في النهاية على سلاسل الإمداد داخل السوق المصرية.
لماذا السولار أكثر حساسية من البنزين؟
السولار في مصر ليس مجرد وقود للمركبات، بل هو مدخل رئيسي في الاقتصاد الحقيقي. الشاحنات، والأتوبيسات، وجزء من المعدات الزراعية، وبعض الأنشطة الصناعية والخدمية، كلها تعتمد عليه بصورة مباشرة. لذلك فإن أي موجة صعود عالمية في أسعار الديزل تكون آثارها أوسع من تحرك مماثل في البنزين.
- النقل: زيادة تكلفة السولار تؤثر في حركة نقل البضائع بين المحافظات والموانئ والمناطق الصناعية.
- الغذاء: ارتفاع تكلفة النقل ينعكس على أسعار السلع الأساسية والخضروات والفواكه.
- الصناعة: بعض المصانع والأنشطة اللوجستية تتأثر مباشرة بتكلفة الوقود.
- الزراعة: المعدات ووسائل النقل المرتبطة بالموسم الزراعي تتأثر بتحركات السولار.
هل تراجعت المخاطر فعلًا؟
المخاطر الجيوسياسية هدأت نسبيًا مقارنة بذروة التوتر، لكن السوق لم يعد إلى وضع طبيعي بالكامل. فحتى مع عودة قسم كبير من تدفقات الخام، تبقى المخاوف مرتبطة بعدة عوامل: مدى انتظام عمل المصافي، وتكلفة التأمين على الناقلات، واستمرار الطلب الآسيوي المحلي على المنتجات، وأي اضطراب جديد في ممرات الشحن الإقليمية.
كما أن بعض الدول الخليجية تملك بدائل جزئية لتجاوز مضيق هرمز عبر خطوط أنابيب، لكن هذه البدائل لا تعوض كامل الطاقة المارة بالمضيق. وتشير تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن جزءًا من السعات البديلة متاح، لكنه يظل محدودًا مقارنة بحجم التجارة المعتاد عبر هرمز، ما يعني أن استقرار هذا الممر سيبقى عاملًا حاسمًا للأسواق.
الخلاصة لمتابعي السوق في مصر
الخبر الإيجابي هو أن الخام لم يعد عالقًا بالقدر نفسه وأن الإمدادات البحرية تتحسن، وهو ما يقلل احتمالات القفزات الحادة جدًا في أسعار النفط. لكن الخبر الأقل إيجابية هو أن سوق السولار ما زال متوترًا لأن الاختناق الحالي يتمركز في التكرير وتوافر المنتجات النهائية، لا في إنتاج الخام وحده.
ولهذا، فإن متابعة أسعار النفط من زاوية خام برنت فقط لم تعد كافية لفهم الصورة كاملة. بالنسبة لمصر، الأهم في المرحلة الحالية هو مراقبة فروق أسعار الديزل عالميًا، وتكلفة الاستيراد، وقدرة السوق المحلية على امتصاص الصدمات. وبينما يبعث تعافي الشحن عبر هرمز على بعض الارتياح، فإن أزمة السولار لم تُغلق ملفها بعد.