الإقتصادي

تعافٍ قوي لوول ستريت لا يمحو أسوأ أسبوع لداو جونز منذ مارس

انتعاشة في نهاية الأسبوع.. لكن الضغوط لم تغادر الأسواق الأمريكية

أنهت الأسهم الأمريكية تعاملات يوم الجمعة 16 سبتمبر 2022 على ارتفاع ملحوظ، بعدما استفادت السوق من هدوء نسبي في أسعار النفط ومحاولة المستثمرين إعادة بناء مراكزهم بعد موجة بيع استمرت عدة جلسات. وصعد مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 509 نقاط، أي قرابة 1%، بينما ارتفع ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 0.9%، وأضاف ناسداك المركب نحو 1%، وفقا لبيانات وكالة أسوشيتد برس.

ورغم هذا الارتداد، فإن الصورة الأسبوعية بقيت سلبية بوضوح. فالمكاسب التي تحققت في الجلسة الأخيرة لم تكن كافية لتعويض الصدمة التي سببتها بيانات التضخم الأمريكية الصادرة قبلها بأيام، والتي أعادت الرهانات بقوة على استمرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بوتيرة حادة. وبالنسبة للمستثمر المصري الذي يتابع الأسواق العالمية من زاوية تأثيرها على شهية المخاطرة، فإن الرسالة الأساسية كانت أن الأسواق ما زالت حساسة للغاية لأي مفاجآت تخص التضخم أو الفائدة.

ما الذي دفع المؤشرات إلى الصعود في الجلسة؟

العامل الأكثر وضوحا خلال الجلسة كان تراجع أسعار الخام. فقد هبط خام برنت خلال اليوم بنحو 3% ليدور قرب 91.38 دولار للبرميل أثناء التداولات الأوروبية، وهو ما خفف بعض المخاوف المرتبطة بكلفة الطاقة والضغوط التضخمية على الشركات والمستهلكين. كما أشارت تقارير السوق إلى أن هبوط النفط أعطى دعما معنويا لأسهم عدة قطاعات غير الطاقة، بعد أيام من القلق بشأن ارتفاع التكاليف وتأثيرها على هوامش الربحية.

وذكرت أسوشيتد برس أن سعر برنت أنهى الجلسة منخفضا 2.8% عند 104.61 دولار في إحدى موجات السوق التي غطتها الوكالة، بالتزامن مع صعود داو جونز 509 نقاط، في إشارة إلى العلاقة الوثيقة التي كانت تربط تحركات الأسهم وقتها بمسار الطاقة وتوقعات التضخم.

بيانات التضخم قلبت المعادلة قبل الارتداد

السبب الرئيسي وراء بقاء الحصيلة الأسبوعية قاتمة يعود إلى تقرير مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة لشهر أغسطس 2022. فقد أعلن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن التضخم السنوي تباطأ إلى 8.3% مقارنة مع 8.5% في يوليو، لكن القراءة الشهرية سجلت 0.1% بدلا من الاستقرار الذي كان يأمله جزء من السوق. والأهم أن التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، ارتفع 0.6% على أساس شهري و6.3% على أساس سنوي، ما عكس استمرار ضغوط الأسعار في مكونات رئيسية مثل السكن والغذاء.

هذه الأرقام كانت كافية لإعادة تسعير توقعات الفائدة سريعا. فمحاضر وبيانات الاحتياطي الفيدرالي اللاحقة أوضحت أن السوق كان يتوقع على نطاق واسع زيادة قدرها 75 نقطة أساس في اجتماع 20 و21 سبتمبر 2022، وهو ما حدث بالفعل لاحقا عندما رفع البنك المركزي الأمريكي النطاق المستهدف للفائدة بهذا المقدار للمرة الثالثة على التوالي آنذاك.

لماذا يهم ذلك لقطاع الشركات ونتائج الأعمال؟

من زاوية شركات ونتائج الأعمال، لا تُقرأ هذه التحركات باعتبارها مجرد أرقام مؤشرات، بل باعتبارها انعكاسا مباشرا لتوقعات الأرباح والتمويل والطلب. فعندما ترتفع الفائدة، تصبح تكلفة الاقتراض أعلى على الشركات، وتتراجع تقييمات الأسهم، خاصة في القطاعات التي تعتمد على نمو مستقبلي قوي مثل التكنولوجيا. وفي المقابل، قد تستفيد بعض الشركات المالية من ارتفاع العائدات، لكن ذلك يظل مشروطا بعدم دخول الاقتصاد في تباطؤ حاد يضغط على جودة الائتمان والإنفاق الاستهلاكي.

كما أن هبوط أسعار النفط، رغم كونه إيجابيا من حيث كبح التضخم، يخلق في الوقت نفسه ضغوطا مختلفة على شركات الطاقة المدرجة، بينما يخفف العبء عن شركات النقل والصناعة والسلع الاستهلاكية. ولهذا شهدت السوق في تلك الفترة انتقالا سريعا للسيولة بين القطاعات، بناء على توقعات المستثمرين بشأن من سيتحمل عبء الفائدة ومن سيستفيد من انحسار تكاليف الطاقة.

أسبوع صعب رغم قفزة الجمعة

التقارير الصحفية التي تابعت تحركات السوق في ذلك الأسبوع أشارت إلى أن المكاسب اليومية القوية لم تمنع المؤشرات الأمريكية من تسجيل واحدة من أسوأ حصائلها الأسبوعية في 2022. ووصفت تقارير عدة التراجع الأسبوعي بأنه الأكبر منذ مارس أو منذ يونيو بحسب المؤشر وطريقة القياس، في ظل موجة بيع حادة أعقبت صدور بيانات التضخم. كما أفادت تغطية صحفية عربية ومصرية بأن جلسة 16 سبتمبر 2022 انتهت وسط ترقب واسع لمسار السياسة النقدية الأمريكية بعد أسبوع شديد التقلب.

وكانت الضغوط قد ظهرت بوضوح قبل جلسة التعافي، إذ فقد داو جونز في إحدى الجلسات السابقة من الأسبوع أكثر من 1,276 نقطة، فيما هبط ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 4.32% وتراجع ناسداك 5.16%، وهي خسائر يومية جسدت حجم الصدمة التي تلقتها السوق بعد صدور بيانات الأسعار.

كيف يقرأ المستثمر المصري هذه الإشارات؟

بالنسبة للمتابعين في مصر، فإن ما جرى في وول ستريت خلال تلك الفترة كان يحمل أكثر من دلالة. أولها أن قرارات الفيدرالي لا تؤثر على الأسهم الأمريكية فقط، بل تمتد آثارها إلى الدولار، والسلع، وأسواق الدين، وتدفقات الاستثمار نحو الأسواق الناشئة. وثانيها أن أي تباطؤ في الاقتصاد الأمريكي أو العالمي ينعكس سريعا على توقعات أرباح الشركات متعددة الجنسيات، وهو ما يهم المستثمرين الذين يراقبون الشركات العالمية أو الصناديق المرتبطة بها.

كذلك، فإن العلاقة بين النفط والأسهم كانت ذات أهمية خاصة لقراء السوق في مصر، لأن تغير أسعار الطاقة يظل عاملا مؤثرا في التجارة العالمية والتضخم المستورد وكلفة الشحن والإنتاج. ومع كل قراءة جديدة للتضخم الأمريكي، كانت الأسواق تعيد تقييم المسار المتوقع للفائدة، بما يضغط على الأصول عالية المخاطر ويزيد الطلب على الملاذات الدفاعية.

الخلاصة

صعود داو جونز بأكثر من 500 نقطة في ختام الأسبوع كان بمثابة ارتداد فني قوي أكثر منه تغيرا جذريا في اتجاه السوق. المحرك الأساسي ظل نفسه: تضخم أعلى من المستهدف، وفيدرالي متمسك بالتشديد النقدي، ونفط متقلب يضيف أو يخفف الضغوط بحسب اتجاهه. لذلك، فإن جلسة التعافي لم تُلغِ حقيقة أن وول ستريت خرجت من ذلك الأسبوع بخسائر كبيرة، وأن الشركات الأمريكية كانت تواجه آنذاك مزيجا معقدا من ارتفاع التكاليف وتزايد مخاطر الركود وتشدد شروط التمويل.

وفي سياق نتائج الأعمال، فإن الرسالة الأهم كانت أن المستثمرين لم يعودوا يكتفون بمتابعة نمو الإيرادات فقط، بل أصبحوا أكثر تركيزا على هوامش الربحية، وكلفة التمويل، وقدرة الشركات على تمرير التضخم إلى المستهلك النهائي. وهي معايير بقيت لاحقا في صدارة تقييم الأسهم الأمريكية طوال دورة التشديد النقدي.