تعثرات تجارب نوفارتس تعيد الجدل حول صفقات الاستحواذ
تعثرات سريرية تضغط على نوفارتس وتفتح ملف الاستحواذ من جديد
دخلت شركة نوفارتس السويسرية مرحلة أكثر حساسية أمام المستثمرين بعد سلسلة انتكاسات حديثة في تجاربها السريرية، وهو ما أعاد النقاش بقوة حول كفاءة استراتيجية الاندماج والاستحواذ التي تبناها الرئيس التنفيذي فاسانت «فاس» ناراسيمهان (@vasnarasimhan على إنستغرام) لبناء خط أنابيب الأدوية المستقبلية. فبالنسبة إلى أسواق المال، لا تُقاس قيمة شركات الدواء فقط بمبيعاتها الحالية، بل أيضاً بقدرتها على تحويل أبحاث باهظة التكلفة إلى منتجات ناجحة تحمي النمو عند اقتراب انتهاء براءات الاختراع.
وجاءت الضغوط الأخيرة بعد إعلان نوفارتس في 8 سبتمبر 2026 أن دراسة المرحلة الثالثة HARBOR الخاصة بالعقار del-desiran لعلاج مرض الضمور العضلي التوتري من النوع الأول لم تحقق تفوقاً ذا دلالة إحصائية على العلاج الوهمي في المؤشر الرئيسي للدراسة. وأوضحت الشركة أن الدواء كان من بين ثلاثة أصول علاجية أُضيفت إلى محفظة الأعصاب والعضلات عبر صفقة استحواذها على Avidity Biosciences. هذا الإخفاق جاء بعد أيام قليلة من تحديث آخر من الشركة بشأن نتائج pelacarsen، ما جعل المستثمرين يتعاملون مع التطورين باعتبارهما اختباراً مباشراً لرهانات الإدارة على الصفقات الخارجية لتغذية الابتكار.
لماذا تحوّل الاهتمام إلى صفقات الاستحواذ؟
في قطاع الأدوية، تعني أي ضربة لدواء متأخر التطوير أكثر من مجرد خبر علمي سلبي؛ فهي قد تهز التقديرات المستقبلية للإيرادات والتدفقات النقدية. ولهذا السبب بدأ بعض المستثمرين يسلطون الضوء على ما إذا كانت نوفارتس دفعت مبالغ كبيرة مقابل أصول لم تثبت نفسها بعد بالقدر الكافي. تقارير صحفية دولية نقلت عن مساهمين بارزين أن الوقت قد حان لإعادة النظر في نهج إبرام الصفقات، بل إن أحد المستثمرين دعا إلى مراجعة أوسع لحوكمة مجلس الإدارة بعد الهبوط الحاد في السهم هذا الأسبوع.
هذه الحساسية مفهومة إذا وُضعت في سياق التحول الذي تقوده نوفارتس منذ سنوات. فالشركة خرجت من أنشطة لا تراها أساسية، وركّزت على الأدوية المبتكرة، مع التعويل على مجالات مثل الأورام، وأمراض القلب والكلى والتمثيل الغذائي، والمناعة، وعلوم الأعصاب. لكن هذا التركيز يعني أيضاً أن أي تعثر في الأصول الرئيسية داخل خط الأنابيب ينعكس سريعاً على تقييم المستثمرين للشركة.
صفقات بمليارات الدولارات تحت المجهر
خلال الأعوام الأخيرة، نفذت نوفارتس صفقات كبيرة لتقوية محفظتها البحثية. من أبرزها صفقة Chinook Therapeutics التي أُعلن عنها في 2023 بقيمة 3.2 مليار دولار مقدماً، مع قيمة إجمالية قد تصل إلى 3.5 مليار دولار متضمنة حقوقاً إضافية مشروطة. كما أظهرت إفصاحات الشركة أن صفقات الاستحواذ كان لها أثر واضح على استخداماتها النقدية، إذ ذكرت نوفارتس في نتائج الربع الأول 2026 أن صافي التدفقات الخارجة المرتبطة بعمليات الاندماج والاستحواذ والمعاملات الخاصة بالأصول غير الملموسة بلغ 12.5 مليار دولار، بالتزامن مع استكمال الاستحواذ على Avidity Biosciences في 27 فبراير 2026.
بالنسبة للمستثمرين، المشكلة ليست في مبدأ الاستحواذ نفسه، بل في توقيت الصفقات، وسعرها، ونوعية الأصول المشتراة. فحين تفشل أدوية مرتبطة بصفقات حديثة أو تتراجع جاذبية أصول كان يُنتظر منها دعم النمو، يصبح السؤال المشروع: هل كانت العوائد المتوقعة تعكس المخاطر العلمية الفعلية؟
نتائج مالية قوية نسبياً... لكن السوق تنظر إلى ما بعد اليوم
المفارقة أن نوفارتس لا تمر بأزمة تشغيلية آنية بالمعنى التقليدي. فبحسب نتائج الربع الثاني 2026 الصادرة في 21 يوليو 2026، سجلت الشركة مبيعات صافية قدرها 14.408 مليار دولار في الربع الثاني، مقابل 14.054 مليار دولار قبل عام، بينما بلغ صافي الدخل 3.257 مليار دولار. كذلك أبقت الشركة على توجيهاتها السنوية، وقالت إنها ما زالت تتوقع نمواً متوسطاً مركباً في المبيعات بين 5% و6% خلال الفترة من 2025 إلى 2030، مع دعم هذا المسار بأكثر من 30 أصلاً تُصنفها الشركة ضمن الأصول المحتملة عالية القيمة.
لكن في عالم أسواق المال، لا يكفي الأداء الحالي وحده لطمأنة المستثمرين، خصوصاً عندما تستعد شركة بحجم نوفارتس لمواجهة ضغوط مستقبلية من تراجع بعض الأدوية الأقدم واقتراب استحقاقات براءات اختراع مهمة في بداية العقد المقبل. لذلك ينظر السوق إلى نجاح الأدوية الجديدة بوصفه حجر الأساس لاستدامة النمو، وليس مجرد عنصر إضافي.
ما الذي يقلق المستثمرين تحديداً؟
- الاعتماد على أصول متأخرة التطوير: كلما ارتفعت التوقعات لعقار بعينه، زادت خسارة الثقة عند تعثره.
- ارتفاع كلفة الصفقات: الاستحواذات في التكنولوجيا الحيوية أصبحت أكثر كلفة، ما يرفع سقف العائد المطلوب.
- مخاطر التنفيذ العلمي: حتى الأصول الواعدة سريرياً قد تفشل في المراحل المتقدمة.
- ملف الحوكمة: مع هبوط السهم، يتحول النقاش سريعاً إلى دور مجلس الإدارة في الإشراف على تخصيص رأس المال.
هل تغير نوفارتس مسارها؟
حتى الآن لا توجد إشارة رسمية إلى تراجع الشركة عن نهجها الاستراتيجي. على العكس، ما زالت الإدارة تؤكد أن لديها محفظة متنوعة ومنصات تكنولوجية متعددة تشمل العلاجات الإشعاعية، والعلاج الجيني والخلوي، وتقنيات xRNA. كما أعلنت الشركة في 1 سبتمبر 2026 نتائج إيجابية متأخرة المرحلة لعقار remibrutinib في التصلب المتعدد الانتكاسي، وهو ما يمنحها دعماً معنوياً مهماً في مواجهة الأخبار السلبية الأخيرة.
مع ذلك، قد تدفع الانتكاسات الأخيرة نوفارتس إلى مزيد من الانتقائية في الصفقات المقبلة، وربما إلى تشديد معايير تقييم الأصول قبل الاستحواذ عليها، سواء من حيث جودة البيانات السريرية أو قابلية التصنيع أو فرص التسعير والسداد. وهذا تطور يتابعه المستثمرون عن قرب لأنه يرتبط مباشرة بكيفية إدارة رأس المال في شركة تُعد من أكبر شركات الدواء عالمياً.
ماذا يعني ذلك للقارئ الاقتصادي في مصر؟
رغم أن القصة تبدو بعيدة جغرافياً، فإنها مهمة للقارئ في مصر لأنها تعكس كيف يتحرك قطاع الرعاية الصحية العالمي الذي تعتمد عليه أسواق المنطقة في التسعير والاستيراد والشراكات الدوائية. شركات الدواء متعددة الجنسيات مثل نوفارتس تؤثر في اتجاهات الاستثمار في البحث والتطوير، وفي شهية الصناديق تجاه أسهم الرعاية الصحية، وحتى في تقييمات شركات التكنولوجيا الحيوية الناشئة التي قد تصبح أهداف استحواذ لاحقاً.
بعبارة أخرى، ما يحدث داخل نوفارتس اليوم ليس مجرد تعثر سريري عابر، بل اختبار حقيقي لقدرة الإدارة على الموازنة بين النمو عبر الابتكار الداخلي والنمو عبر الاستحواذ. وإذا نجحت الشركة في امتصاص الصدمة والحفاظ على زخمها المالي، فقد تعتبر السوق التراجعات الحالية مرحلة مؤقتة. أما إذا تكررت الإخفاقات في الأصول التي تم شراؤها بمليارات الدولارات، فسيبقى ملف صفقات الاستحواذ في صدارة أسئلة المستثمرين لفترة أطول.
وفي المحصلة، تبدو الرسالة الأوضح من السوق حالياً هي أن المستثمرين لا يعارضون الصفقات الكبرى من حيث المبدأ، لكنهم يريدون دليلاً أقوى على أن هذه الصفقات قادرة فعلاً على إنتاج أدوية ناجحة، لا مجرد وعود مستقبلية مرتفعة الكلفة.