تقديرات جديدة ترفع حجم اقتصاد الفضاء العالمي حتى 2040
اقتصاد الفضاء يدخل مرحلة تجارية أوسع
أعاد بنك UBS تسليط الضوء على واحد من أسرع القطاعات نموًا على مستوى العالم، بعدما أشار إلى أن السوق الكلية القابلة للاستهداف في اقتصاد الفضاء قد تصل إلى نحو 1.3 تريليون دولار بحلول 2040. ورغم أن وثائق البنك المتاحة علنًا تُظهر أيضًا تقديرًا يقارب تريليون دولار لاقتصاد الفضاء بحلول 2040، فإن الرسالة الأساسية تبقى واحدة: القطاع يتحول من نشاط تقني عالي الكلفة إلى ساحة أعمال واسعة تمس الاتصالات، والأمن، والملاحة، وتحليل البيانات، والخدمات الأرضية المرتبطة بالأقمار الصناعية.
وتأتي هذه النظرة في وقت تتزايد فيه تقديرات المؤسسات الدولية لحجم السوق. فبحسب تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي بالتعاون مع ماكينزي، قد يرتفع اقتصاد الفضاء إلى 1.8 تريليون دولار بحلول 2035، مقارنة مع 630 مليار دولار في 2023، مدفوعًا بانخفاض كلفة الوصول إلى الفضاء واتساع استخدام الخدمات الفضائية في قطاعات مدنية وتجارية عديدة.
لماذا تتسابق البنوك والمؤسسات على هذا القطاع؟
اللافت أن الحديث عن الفضاء لم يعد محصورًا في الإطلاقات الصاروخية أو المهمات العلمية فقط. UBS أوضح في مذكرة منشورة في 16 أبريل 2024 أن اقتصاد الفضاء مرشح للنمو من 386 مليار دولار في 2021 إلى نحو تريليون دولار في 2040، مع اعتماد متزايد على الأقمار الصناعية في الاتصالات، والإنترنت، والملاحة، ومراقبة الأرض، إلى جانب تطبيقات جديدة مثل السياحة الفضائية والطاقة الشمسية الفضائية.
هذا التحول يهم المستثمرين لأن الجزء الأكبر من القيمة الاقتصادية لا يقتصر على شركات الإطلاق، بل يمتد إلى سلاسل أعمال كاملة تشمل:
- تصنيع الأقمار الصناعية ومكوناتها الإلكترونية.
- خدمات الاتصالات الفضائية والإنترنت عريض النطاق.
- تحليل بيانات رصد الأرض للاستخدامات الزراعية والبيئية والتخطيط العمراني.
- أنظمة الأمن والدفاع والمراقبة والاستشعار.
- الخدمات الأرضية من تشغيل ومحطات استقبال وتحكم وبرمجيات.
وبحسب UBS، فإن الانخفاض الحاد في تكاليف الإطلاق، بالتوازي مع تحسن تقنيات الأقمار الصغيرة وإعادة استخدام الصواريخ، من أهم العوامل التي تدفع الشركات الخاصة للدخول بقوة إلى هذا المجال.
أرقام السوق: بين تقديرات UBS ومؤسسات أخرى
عند مقارنة التوقعات، تظهر صورة متقاربة في الاتجاه حتى لو اختلفت الأرقام النهائية. UBS يتحدث في مواده المنشورة عن اقتصاد فضائي يقترب من تريليون دولار في 2040. وفي المقابل، تشير تقديرات Novaspace إلى أن السوق العالمية نمت إلى 596 مليار دولار في 2024 مع توقع بلوغها 944 مليار دولار بحلول 2033. كما أعلنت الشركة لاحقًا في يناير 2026 أن الاقتصاد الفضائي العالمي بلغ نحو 626.4 مليار دولار في 2025، وقد يصل إلى 1.01 تريليون دولار في 2034.
بالنسبة لقراء قطاع شركات ونتائج الأعمال، فإن دلالة هذه الأرقام ليست في الرقم المجرد فقط، بل في اتساع قاعدة الشركات المستفيدة. فكلما زادت التطبيقات التجارية للفضاء، توسعت الفرص أمام شركات الاتصالات، والمكونات الصناعية، والبرمجيات، وتحليلات البيانات، وحتى شركات التأمين والخدمات اللوجستية.
أين تتركز الفرص التجارية فعليًا؟
أكثر المجالات جاذبية للشركات في السنوات المقبلة تبدو مرتبطة بما يسمى الأنشطة اللاحقة للإطلاق، أي الخدمات التي تستخدم البنية الفضائية لتوليد إيرادات على الأرض. تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي أشار إلى أن معظم القيمة المستقبلية ستأتي من الاستخدامات المرتبطة بالاتصال والتموضع والملاحة ورصد الأرض، وليس فقط من نشاط الإطلاق نفسه.
وهذا يعني أن الشركات التي تطور تطبيقات تعتمد على صور الأقمار الصناعية أو خدمات التتبع أو الاتصالات المؤمنة قد تكون من أكبر الرابحين، خاصة مع اتساع الطلب من الحكومات والشركات الزراعية والمرافق ومشروعات البنية التحتية.
ما الذي يعنيه ذلك لمصر؟
بالنسبة لمصر، تبدو القصة أكثر ارتباطًا بالتصنيع المحلي وبناء القدرات التقنية وربط الفضاء بالاقتصاد الحقيقي. وكالة الفضاء المصرية، التي أُنشئت كهيئة عامة اقتصادية في أغسطس 2019، تواصل دفع مشروعات فضائية ذات طابع تطبيقي، مع تركيز على استخدام التكنولوجيا في التخطيط وإدارة الموارد والتنمية.
وفي 2 أبريل 2026، شدد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي خلال اجتماع مجلس إدارة وكالة الفضاء المصرية على أهمية دور الوكالة في دعم أهداف الدولة وتعزيز استخدام تكنولوجيا الفضاء في التخطيط والتنمية وإدارة الموارد. وخلال الاجتماع، استعرض مسؤولو الوكالة ملفات بحثية ومشروعات شراكة دولية، بينها أعمال مرتبطة بالأقمار الصناعية وبناء القدرات المحلية.
كما أعلنت وكالة الفضاء المصرية نجاح إطلاق القمر SPNEX في ديسمبر 2025، وهو قمر نانوي جرى تطويره داخل معامل الوكالة بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا. ووفق البيانات الرسمية، بدأ المشروع منذ أوائل 2022، وتم تنفيذ عمليات التجميع والاختبار داخل مركز التجميع والتكامل والاختبار بمدينة الفضاء المصرية، مع استقبال أولى الإشارات التشغيلية بنجاح في 12 ديسمبر 2025.
هذه التطورات لا تعني أن مصر تنافس عمالقة الإطلاق التجاري في المدى القريب، لكنها تشير إلى مسار مختلف وأكثر ارتباطًا بسوق الأعمال المحلي: توطين جزء من سلسلة القيمة، ورفع الاعتماد على البيانات الفضائية في قطاعات مثل الزراعة، والموارد المائية، والبيئة، والتخطيط العمراني، وإدارة المخاطر.
فرص للشركات المصرية لا تقتصر على وكالات الفضاء
من زاوية الأعمال، فإن استفادة مصر من نمو اقتصاد الفضاء قد تمر عبر عدة مسارات عملية:
- شركات الاتصالات التي يمكنها الاستفادة من حلول الربط الفضائي في المناطق الأبعد أو لدعم الشبكات الحرجة.
- شركات البرمجيات وتحليل البيانات التي تطور أدوات لاستخدام صور الأقمار الصناعية في الزراعة والعقارات والبنية التحتية.
- المصنعون المحليون القادرون على دخول سلاسل توريد مكونات أو أنظمة مساندة.
- شركات الاستشارات والهندسة التي تقدم حلولًا مبنية على بيانات الاستشعار عن بعد.
كما أن التعاون المعلن بين وكالة الفضاء المصرية والهيئة القومية للاستشعار من البعد وعلوم الفضاء خلال 2026 يعزز هذا الاتجاه، خاصة مع التركيز على تحويل بيانات الأقمار الصناعية إلى حلول تنفيذية مباشرة في الزراعة والمياه والبيئة والتخطيط الساحلي والتعامل مع التغيرات المناخية.
هل الأرقام الكبيرة تعني بالضرورة عوائد سريعة؟
ليس بالضرورة. فحتى مع تنامي التفاؤل حول القطاع، ما زال اقتصاد الفضاء يحتاج إلى استثمارات ضخمة وأفق زمني طويل، كما أن جزءًا معتبرًا من الإيرادات المستقبلية مرهون بقدرة الشركات على تحويل التقنية إلى خدمات مربحة ومستدامة. لهذا تميل البنوك الكبرى مثل UBS إلى الإشارة إلى فرص الاستثمار غير المباشر عبر شركات الطيران والفضاء، والاتصالات، والدفاع، والأمن، بدلًا من التركيز فقط على الشركات الناشئة الأكثر مخاطرة.
ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يبدو واضحًا: الفضاء لم يعد قطاعًا هامشيًا في أسواق المال أو في استراتيجيات النمو الصناعي. ومع دخول مزيد من الشركات الخاصة، وتوسع دور البيانات الفضائية في الاقتصاد اليومي، يتحول هذا المجال تدريجيًا إلى سوق أعمال متعددة الطبقات، تمتد من تصنيع المكونات إلى الخدمات الرقمية النهائية.
الخلاصة
سواء استقر تقدير UBS عند نحو تريليون دولار أو ارتفع في بعض التقديرات إلى 1.3 تريليون دولار بحلول 2040، فإن المعنى الاقتصادي واحد: اقتصاد الفضاء أصبح ملفًا تجاريًا واستثماريًا جادًا. وبالنسبة لمصر، فإن الرهان الأكثر واقعية ليس في سباق الإطلاقات فقط، بل في بناء شركات وخدمات محلية تستفيد من الطلب المتزايد على الاتصالات الفضائية، ورصد الأرض، والبيانات، والحلول التطبيقية المرتبطة بالتنمية والإنتاجية.