الإقتصادي

تمديد إنهاء المنازعات الضريبية: دفعة للخزانة وبورصة مصر

لماذا عاد ملف إنهاء المنازعات الضريبية إلى الواجهة؟

عاد ملف مصلحة الضرائب المصرية إلى صدارة النقاش الاقتصادي مع موافقة مجلس النواب في يونيو 2026 على مشروع قانون تجديد العمل بالقانون رقم 79 لسنة 2016 بشأن إنهاء المنازعات الضريبية حتى 31 ديسمبر 2026. التطور ليس إجرائيًا فقط، بل يحمل دلالة مالية واضحة: الدولة تريد آلية أسرع لتحويل المنازعات العالقة إلى تسويات قابلة للتحصيل، بدلًا من بقائها لسنوات في مسار التقاضي ولجان الطعن.

وبحسب ما أعلنته رشا عبد العال، رئيس مصلحة الضرائب المصرية، فإن تجديد العمل بالقانون يعكس توجه الدولة نحو ترسيخ الاستقرار الضريبي وتوفير بيئة أكثر جذبًا للاستثمار، عبر تسوية المنازعات خارج الإجراءات القضائية المطولة. كما أكد أحمد كجوك، وزير المالية، أن مد العمل بالقانون حتى نهاية 2026 يأتي ضمن الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية التي تضم 33 إجراءً تشريعيًا وتنفيذيًا بعد نحو 40 لقاءً للحوار المجتمعي مع ممثلي المجتمع الضريبي.

كيف يمكن أن يسرّع القانون تحصيلات الخزانة العامة؟

من زاوية المالية العامة، الفكرة الأساسية بسيطة: عندما تتحول النزاعات الضريبية من ملفات متراكمة أمام المحاكم ولجان الطعن إلى تسويات توافقية داخل لجان متخصصة، تصبح فرصة التحصيل الفعلي أعلى وأسرع. تقرير اللجنة البرلمانية، كما نشره مجلس النواب، ربط صراحة بين تجديد العمل بالقانون وبين تحسين الأداء المالي وتنشيط المتحصلات الضريبية مع الحفاظ على التوازن بين حقوق الخزانة وحقوق الممولين.

هذا مهم في توقيت تتبنى فيه وزارة المالية مسارًا أوسع لتخفيف الاحتكاك بين الإدارة الضريبية ومجتمع الأعمال. فالحزمة الثانية لا تقتصر على إنهاء المنازعات، بل تشمل أيضًا آليات مثل المقاصة بين الأرصدة الدائنة والمدينة، واسترداد الرصيد الدائن من واقع إقرار ضريبة الدخل، ومنح مزايا للممولين الملتزمين عبر «القائمة البيضاء» و«كارت التميز». وجود هذه الأدوات بجوار قانون إنهاء المنازعات يزيد فرص الوصول إلى تسويات عملية قابلة للتنفيذ بدلًا من بقاء المستحقات محل نزاع طويل.

ومن الناحية التشغيلية، أوضحت مصلحة الضرائب أن اللجان المشكلة وفقًا للقانون ستستمر في مباشرة اختصاصاتها، ونظر الطلبات التي لم يُفصل فيها، إلى جانب تلقي طلبات جديدة حتى 31 ديسمبر 2026. هذا يعني أن أثر التمديد لا يقتصر على إحياء أداة قديمة، بل يمنع أيضًا حدوث فجوة تشريعية تؤدي إلى تراكم منازعات جديدة أو تعطيل تسويات بدأت بالفعل.

ما الذي يعنيه ذلك للشركات المقيدة في البورصة المصرية؟

بالنسبة إلى الشركات المقيدة، فإن أي نزاع ضريبي ممتد يخلق ثلاث مشكلات مباشرة: ضبابية في الالتزامات المستقبلية، وضغطًا على التدفقات النقدية، وحاجة محتملة إلى تكوين أو الإبقاء على مخصصات مرتبطة بمخاطر ضريبية. لذلك فإن تمديد آلية التسوية الودية قد يكون أكثر أهمية لسوق المال من مجرد كونه إجراءً ضريبيًا.

في الشركات المدرجة، يظهر الملف الضريبي عادة داخل الإيضاحات المتممة للقوائم المالية تحت بند الموقف الضريبي، وأحيانًا يرتبط بمخصصات أو التزامات محتملة وفقًا لتقييم الإدارة والمراجعين. وكلما أمكن إغلاق النزاع أو تقليص نطاقه، تحسنت قدرة الشركة على تقديم صورة أكثر وضوحًا للمستثمرين، سواء في الأرباح أو الالتزامات أو السيولة.

مثال ذلك أن القوائم المالية المجمعة لـإي إف جي القابضة عن الربع الثاني من 2025 أشارت إلى تسوية نقاط الخلاف الخاصة بضريبة الدخل حتى 2019 مع اللجنة الداخلية، وتسوية نقاط ضريبة المرتبات حتى 2022، وضريبة الدمغة حتى 2022، بينما بقيت سنوات لاحقة لم تُفحص بعد. هذا المثال لا يعني بالضرورة وجود مخصصات جديدة لدى الشركة، لكنه يوضح كيف أن تسوية الملفات الضريبية تقلل مساحة عدم اليقين في الإفصاحات الدورية، وهو أمر تراقبه السوق بعناية عند تقييم المخاطر.

هل تنخفض مخصصات النزاعات فعلًا؟

الإجابة الأدق هي: قد تنخفض لدى بعض الشركات، ولكن ليس تلقائيًا لدى الجميع. فالمخصصات المحاسبية لا تُلغى بصدور القانون نفسه، بل عندما تتحقق الشركة من أن التسوية أصبحت مرجحة وبقيمة يمكن قياسها بدرجة موثوقة، أو عندما ينخفض احتمال الخسارة في النزاع. لذلك، فإن الأثر سيختلف من شركة إلى أخرى بحسب حجم النزاعات، ومرحلة التقاضي، وطبيعة الضريبة محل الخلاف، ومدى استعداد الشركة للتسوية السريعة.

مع ذلك، فإن منطق السوق يميل إلى اعتبار التمديد إشارة إيجابية لعدد من الشركات كثيفة التعاملات أو ذات التاريخ الضريبي المعقد، لأن القانون يتيح لها مسارًا أقل كلفة زمنية وإدارية من استمرار الخصومة. كما أن التسوية قد تساعد الإدارة على إعادة توجيه السيولة المجمّدة أو المخصصة للمخاطر إلى التشغيل أو الاستثمار أو خفض المديونية، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الربحية والتقييم السوقي.

أين تظهر الفائدة للمستثمر في البورصة؟

  • وضوح أكبر في الالتزامات الضريبية المستقبلية.
  • انخفاض عدم اليقين في الإيضاحات المتممة للقوائم المالية.
  • تحسين السيولة إذا تم إنهاء النزاع دون استنزاف طويل في الرسوم والوقت.
  • تخفيف الضغط على الأرباح إذا أمكن خفض المخصصات أو تجنب زيادتها.
  • رفع قابلية التقييم لدى المستثمرين ومحللي الأسهم عندما تنخفض المخاطر غير التشغيلية.

لماذا يخدم التمديد استراتيجية مصلحة الضرائب المصرية؟

اللافت أن تجديد العمل بالقانون جاء متسقًا مع خطاب رسمي جديد من مصلحة الضرائب المصرية يقوم على «شراكة الثقة» بدلًا من التركيز على الجباية التقليدية فقط. رشا عبد العال تحدثت عن حوافز ومعالجات عملية مرنة، بينما شدد أحمد كجوك على أن الحزمة الثانية تستهدف تخفيف الأعباء عن الممولين وتعزيز الالتزام الطوعي.

هذا التحول مهم، لأن زيادة الحصيلة لا تأتي فقط من رفع العبء الضريبي، بل أيضًا من رفع كفاءة التحصيل، وتقليص الزمن بين نشوء المطالبة الضريبية وتحصيلها، وخفض تكلفة النزاع على الدولة والممول معًا. وفي هذا السياق، يصبح قانون إنهاء المنازعات أداة مالية وإدارية في وقت واحد: يخفف الضغط على المحاكم ولجان الطعن، ويمنح المصلحة فرصة لتحويل أرصدة متنازع عليها إلى حصيلة فعلية.

ما الذي يجب متابعته خلال النصف الثاني من 2026؟

السؤال الأهم الآن ليس ما إذا كان القانون مفيدًا نظريًا، بل كيف سيُستخدم عمليًا. السوق ستراقب عدة مؤشرات: حجم الطلبات الجديدة المقدمة حتى 31 ديسمبر 2026، سرعة عمل اللجان، مدى قدرة المصلحة على إنهاء الملفات المتراكمة، ثم انعكاس ذلك على إفصاحات الشركات المقيدة في نتائجها الدورية والسنوية.

إذا نجحت مصلحة الضرائب المصرية في تحويل التمديد إلى موجة تسويات فعلية، فستكسب الخزانة تدفقات أسرع، وستكسب الشركات المقيدة مساحة أكبر لإدارة مراكزها المالية بثقة أعلى. أما إذا ظل الأثر محصورًا في النص التشريعي دون تسريع ملموس في التنفيذ، فسيبقى الانعكاس على البورصة محدودًا.

الخلاصة أن تجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية حتى 31 ديسمبر 2026 يبدو أقرب إلى أداة تسريع مالية منه إلى مجرد تمديد قانوني. فهو يمنح الدولة فرصة لتحصيل مستحقات معلقة، ويمنح الشركات المقيدة فرصة لإغلاق ملفات مزمنة أو على الأقل تقليص عدم اليقين المحيط بها. وبالنسبة لسوق المال المصرية، فإن أي تقدم حقيقي في هذا الملف قد ينعكس بهدوء لكن بوضوح على جودة الأرباح، ومستوى المخاطر، وشهية المستثمرين تجاه الأسهم المحلية.