الإقتصادي

توطين الدواء في مصر ينتقل من بديل الاستيراد إلى التصدير

توطين الدواء في مصر.. مرحلة جديدة تتجاوز إحلال الواردات

لم يعد ملف توطين صناعة الدواء في مصر مقتصرًا على سد احتياجات السوق المحلية وتقليل الاعتماد على الاستيراد فقط، بل يتجه بصورة أوضح نحو بناء صناعة قادرة على المنافسة الخارجية وزيادة الصادرات. هذا التحول تدعمه الدولة عبر مسارين متوازيين: أولهما توسيع التصنيع المحلي للمستحضرات الاستراتيجية والمواد ذات الأهمية العلاجية، وثانيهما تطوير البيئة التنظيمية والاستثمارية بما يسمح بنقل التكنولوجيا وفتح أسواق جديدة أمام المنتج المصري.

التحركات الرسمية خلال 2025 و2026 أظهرت أن القطاع الدوائي بات أحد الملفات الصناعية ذات الأولوية، سواء في اجتماعات الحكومة أو في أجندة هيئة الدواء المصرية. وتؤكد البيانات الرسمية أن الهدف لم يعد مجرد تعويض الواردات، بل تحويل مصر إلى قاعدة إقليمية للإنتاج والتصدير، مستفيدة من حجم السوق المحلي الكبير، والقدرات التصنيعية القائمة، والاعتراف التنظيمي الذي حصلت عليه الهيئة خلال السنوات الأخيرة.

91% توطين.. لكن الطموح أكبر

بحسب تصريحات رسمية حديثة، وصلت نسبة توطين تصنيع المنتجات الدوائية والطبية في مصر إلى نحو 91%، مع استهداف تجاوز 95%، وهو ما يعكس اتساع القاعدة الصناعية المحلية مقارنة بسنوات سابقة. كما أكد الدكتور أحمد السبكي أن الصادرات الدوائية مرشحة للزيادة في السنوات المقبلة، في ظل التوسع الصناعي والطلب الخارجي على المنتجات المصرية.

وفي السياق نفسه، شدد الدكتور علي الغمراوي، رئيس هيئة الدواء المصرية، على أن ملف التوطين يمثل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن الدوائي، وأن الهيئة تعمل على دعم تسجيل وتوطين الصناعات الدوائية الحديثة ورفع تنافسية المستحضرات المصرية عالميًا. وتظهر هذه الرؤية أيضًا في خدمات دعم المستثمرين التي تتيحها الهيئة لتسهيل إجراءات التصنيع والتسجيل، خصوصًا في المجالات ذات الطبيعة الاستراتيجية مثل المستحضرات الحيوية واللقاحات.

قفزة في الصادرات.. والأرقام تتحسن

من أبرز المؤشرات التي تدعم هذا التحول، نمو صادرات المنتجات الدوائية والمستلزمات الطبية المصرية. ووفق بيانات هيئة الدواء المصرية، ارتفعت هذه الصادرات من نحو 950 مليون دولار في 2023 إلى حوالي 1.07 مليار دولار في 2024، مع استمرار النمو خلال 2025 إلى قرابة 1.3 مليار دولار بمعدل سنوي يقترب من 21%.

هذه الأرقام تعكس أن الصناعة لم تعد تتحرك داخل السوق المحلية فقط، بل بدأت تستفيد من تحسن إجراءات الاعتماد والرقابة والجودة. كما أن المسؤولين المصريين يربطون بوضوح بين التوطين والتصدير: فكلما ارتفعت نسبة التصنيع المحلي في المستحضرات المعقدة، زادت قدرة الشركات العاملة في مصر على المنافسة في أفريقيا والأسواق الناشئة.

من اللقاحات إلى المستحضرات الحيوية

التحول الأهم في المشهد لا يتعلق بالأدوية التقليدية وحدها، بل بتوسيع التصنيع المحلي في المجالات الأعلى قيمة مضافة، مثل اللقاحات والمستحضرات الحيوية والأدوية المعقدة. وكانت وزارة الصحة قد أعلنت سابقًا عن تعاون مع شركة روش مصر لتوطين تصنيع أدوية حيوية معقدة في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها في المنطقة وأفريقيا، بما يدعم نقل التكنولوجيا إلى المصانع الوطنية ويعزز فرص التصدير لاحقًا.

كما أشارت بيانات رسمية إلى أن مصر تستهدف إنتاج أكثر من 50% من اللقاحات محليًا بحلول 2030. ويكتسب هذا الهدف أهمية إضافية في ضوء توجه أفريقي أوسع لزيادة حصة اللقاحات والأدوية المصنعة محليًا داخل القارة. وهنا تستفيد القاهرة من الخبرات التنظيمية والتصنيعية التي تراكمت بعد تطوير البنية المؤسسية للقطاع، إلى جانب التوسع في الشراكات مع المصنعين العالميين.

البيئة التنظيمية.. عنصر حاسم في الجاذبية الاستثمارية

لا تنجح خطط الاستثمار في قطاع الدواء دون إطار رقابي وتنظيمي موثوق. ولهذا تركز هيئة الدواء المصرية على تحديث الإجراءات، وإطلاق مسارات رقمية، وتبسيط التسجيل، فضلًا عن دعم المستثمرين الراغبين في توطين إنتاج أصناف جديدة داخل مصر. وفي يونيو 2026 نظمت الهيئة، برئاسة الدكتور علي الغمراوي، جلسة متخصصة ضمن معرض Africa Health ExCon 2026 لمناقشة تحويل السياسات إلى إنتاج فعلي تحت شعار قريب من مفهوم “صنع في مصر”.

هذا التوجه التنظيمي يمنح الشركات المحلية والأجنبية وضوحًا أكبر بشأن فرص السوق، خاصة في مجالات الأجهزة الطبية والمستلزمات والمواد الفعالة والمستحضرات الحيوية. كما أن الاجتماعات المتكررة بين الهيئة وشركات محلية وعالمية، منها شركات دواء كبرى عاملة في السوق المصري، تشير إلى وجود سياسة رسمية تستهدف تعميق التصنيع بدل الاكتفاء بالتجميع أو الاستيراد النهائي.

مدينة الدواء ودور البنية الصناعية

من الصعب الحديث عن صناعة الدواء في مصر دون الإشارة إلى مدينة الدواء المصرية جيبتو فارما، التي أصبحت رمزًا لرهان الدولة على توسيع الطاقة الإنتاجية وفق معايير حديثة. وقد استقبلت المدينة خلال الفترة الماضية وفودًا دبلوماسية وتجارية للتعرف على قدرات التصنيع المصرية، في رسالة واضحة بأن القاهرة تريد تقديم نفسها كمركز إقليمي للإنتاج الدوائي، لا كسوق استهلاكية فقط.

وتكمن أهمية هذه البنية في قدرتها على خدمة هدفين في وقت واحد: توفير احتياجات السوق المحلية بصورة أكثر استقرارًا، وتهيئة خطوط إنتاج مؤهلة للتصدير عندما تتوافر الموافقات التنظيمية والأسواق المناسبة. وهذه النقطة بالذات شديدة الأهمية في ظل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكلفة الاستيراد خلال السنوات الأخيرة.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد المصري؟

اقتصاديًا، يمنح توطين الصناعة الدوائية مصر مزايا متعددة:

  • خفض الضغط على العملة الأجنبية عبر تقليل الواردات في المنتجات القابلة للتصنيع محليًا.
  • رفع القيمة المضافة الصناعية من خلال نقل التكنولوجيا والتوسع في المنتجات الأعلى تعقيدًا.
  • زيادة الصادرات إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وبعض الأسواق الدولية.
  • تعزيز الأمن الدوائي وتقليل مخاطر نقص الأدوية الحيوية خلال الأزمات العالمية.
  • جذب استثمارات جديدة في التصنيع والبحث والتطوير والخدمات التنظيمية.

لكن في المقابل، لا يزال نجاح هذه الاستراتيجية مرتبطًا بقدرة القطاع على تعميق التصنيع في المواد الخام الفعالة، وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير، وتحسين النفاذ التصديري عبر اتفاقات الاعتماد والتسجيل الخارجي. فالتوطين الحقيقي لا يقتصر على تعبئة المنتج محليًا، بل يعني امتلاك حلقات أكبر من سلسلة القيمة الدوائية.

من سوق محلية كبيرة إلى منصة تصديرية

المؤشرات الحالية توضح أن مصر تحاول إعادة صياغة موقعها في خريطة الدواء إقليميًا. فبدل الاكتفاء بدور السوق الكبيرة أو مركز التوزيع، يجري العمل على تحويلها إلى منصة تصنيع وتصدير مدعومة برقابة تنظيمية أفضل وشبكة مصانع أوسع وشراكات دولية أكثر عمقًا.

وخلال 2026، تكررت الرسائل الرسمية التي تربط بين الأمن الدوائي والتصدير والاستثمار، ما يعني أن الدولة تنظر إلى القطاع بوصفه ملفًا صحيًا وصناعيًا وتجاريًا في آن واحد. وإذا استمر نمو الصادرات بالمعدلات المعلنة، مع التقدم في توطين المستحضرات الحيوية واللقاحات، فقد تنتقل مصر خلال السنوات المقبلة من مرحلة بديل الاستيراد إلى مرحلة الطموح التصديري بصورة أكثر رسوخًا واستدامة.