جولدمان ساكس يتوقع بقاء الديزل مرتفعًا حتى 2027
توقعات ممتدة لأسعار الديزل عالميًا.. ومصر تراقب الأثر المحلي
تتجه أنظار أسواق الطاقة إلى توقعات جديدة من جولدمان ساكس ترجّح استمرار قوة أسعار الديزل على المستوى العالمي حتى عام 2027، في إشارة تعكس اختناقات مستمرة في طاقات التكرير مقابل تعافٍ في الاستهلاك، إضافة إلى مساعي الحكومات والشركات لإعادة تكوين المخزونات بعد فترات سحب مكثفة. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في مصر، حيث يبقى السولار عنصرًا أساسيًا في تكلفة النقل البري، وحركة البضائع، وبعض الأنشطة الصناعية والزراعية.
وبحسب ما نُسب إلى نيخيل بهانداري، الرئيس المشارك لأبحاث الموارد الطبيعية في آسيا والمحيط الهادئ لدى جولدمان ساكس، فإن السوق قد تحتاج إلى بقاء هوامش التكرير عند مستويات مرتفعة نسبيًا حتى تكبح جزءًا من الاستهلاك وتحد من وتيرة إعادة بناء المخزون، بما يسمح بموازنة الطلب مع قدرة المصافي على توفير الديزل ومنتجات أخرى مثل البنزين ووقود الطائرات. كما تناول بهانداري هذا الطرح في مقابلة مرئية حديثة حول أسواق الطاقة وتقلبات المعروض العالمي.
لماذا يظل الديزل أكثر حساسية من غيره؟
خصوصية الديزل تعود إلى أنه ليس مجرد وقود للمركبات، بل يدخل في النقل الثقيل، والشحن، والمعدات، والأنشطة اللوجستية، وهو ما يجعل الطلب عليه مرتبطًا بدورة الاقتصاد الحقيقي أكثر من ارتباطه بالاستهلاك الفردي فقط. وعندما تكون المصافي العالمية محدودة القدرة أو تتعرض لتعطل في بعض المناطق، يصبح توازن السوق أكثر هشاشة.
وتظهر تقديرات منشورة استنادًا إلى أبحاث جولدمان ساكس أن التحول داخل بعض المصافي لزيادة إنتاج الديزل قد يضغط في المقابل على إمدادات البنزين، ما يعني أن سوق المنتجات المكررة ككل يواجه معادلة صعبة، لا سيما إذا استمرت الاضطرابات الجيوسياسية أو تعثرت عودة بعض الطاقات المتوقفة. هذه الصورة تفسر لماذا لا يرتبط تسعير الديزل فقط بحركة خام برنت، بل أيضًا بقدرة التكرير وهوامش المصافي ومعدلات السحب من المخزون.
ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لمصر؟
في السوق المصرية، تمثل أسعار السولار قضية بالغة الحساسية لأنها ترتبط مباشرة بتكاليف النقل الجماعي ونقل السلع والمواد الغذائية والخامات. ولهذا فإن أي اتجاه عالمي يبقي الديزل مرتفعًا لفترة أطول يظل عاملًا مهمًا في حسابات التسعير المحلية، حتى مع وجود آليات حكومية لمراجعة الأسعار وأخذ الأبعاد الاجتماعية في الاعتبار.
وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي قد أعلن في 1 يوليو 2026 عودة عمل لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية بصورة ربع سنوية خلال السنة المالية 2026/2027، على أن تدرس اللجنة السعر العادل للمنتجات البترولية وفق المعادلة المعتمدة وبناءً على تطورات السوق العالمية والعوامل الفنية. كما أشارت مراجعة حديثة لصندوق النقد الدولي إلى أن استئناف آلية الفهرسة التلقائية للوقود في يوليو 2026 يأتي ضمن مسار يستهدف العودة إلى تغطية التكلفة والحد من أعباء الدعم على الموازنة.
أين تقف أسعار السولار في مصر الآن؟
تشير بيانات منشورة خلال الأيام الأخيرة إلى أن سعر السولار في مصر يبلغ 20.50 جنيهًا للتر، وهو المستوى الساري منذ تعديل الأسعار في 10 مارس 2026. كما أفادت تغطيات اقتصادية حديثة بأن الأسعار ظلت دون تغيير حتى مطلع أكتوبر 2026، في ظل عدم صدور قرار جديد من الجهات المعنية خلال تلك الفترة.
هذه المستويات المحلية لا تعكس فقط سعر النفط الخام، بل تتأثر أيضًا بسعر الصرف، وتكلفة الاستيراد أو التوريد، ومصاريف النقل والتكرير والتوزيع، فضلًا عن اعتبارات الموازنة العامة. ولذلك فإن استمرار التشدد في سوق الديزل العالمي قد يبقي الضغوط قائمة على الحكومات التي تحاول الموازنة بين استدامة المالية العامة واحتواء أثر الوقود على تكلفة المعيشة.
تأثير مباشر على التضخم والنقل وسلاسل الإمداد
إذا استمرت أسعار الديزل العالمية مرتفعة حتى 2027 كما يتوقع جولدمان ساكس، فإن الأثر لن يقتصر على شركات الطاقة أو المصافي، بل سيمتد إلى قطاعات أوسع في مصر، أبرزها:
- النقل البري: الشاحنات وسيارات نقل البضائع تعتمد بصورة كبيرة على السولار، ما يرفع تكلفة الخدمات اللوجستية.
- أسعار السلع: أي زيادة في تكلفة النقل قد تنتقل تدريجيًا إلى أسعار الأغذية والسلع الأساسية.
- القطاع الصناعي: بعض الأنشطة الصناعية والزراعية تتأثر بصورة غير مباشرة بارتفاع تكلفة الوقود.
- الموازنة العامة: استمرار الفجوة بين الأسعار المحلية والتكلفة الفعلية قد يزيد الضغوط المالية إذا تقرر الإبقاء على مستويات دعم أو امتصاص جزء من الصدمة.
ومن هذه الزاوية، يصبح تتبع سوق الديزل العالمي مهمًا للقارئ المصري ليس بوصفه خبرًا خارجيًا فحسب، بل باعتباره متغيرًا يمس تكلفة المعيشة داخل السوق المحلية.
هل يكفي تراجع النفط الخام لتهدئة السوق؟
ليس بالضرورة. فالسوق قد يشهد أحيانًا هدوءًا نسبيًا في أسعار الخام بينما تبقى المنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل، عند مستويات مرتفعة بسبب ضيق الطاقة التكريرية أو تعطل الإمدادات من بعض المراكز الرئيسية. ولهذا يلفت محللو الطاقة إلى أن قراءة سوق الوقود تحتاج إلى متابعة عنصرين معًا: أسعار النفط الخام وهوامش التكرير.
وبالنسبة لمصر، فإن هذا يعني أن أي تحسن عالمي في سعر برنت وحده قد لا ينعكس بالكامل أو فورًا على تكلفة السولار إذا ظلت سوق المشتقات نفسها مشدودة. كما أن إعادة بناء المخزونات عالميًا يمكن أن تطيل أمد الضغوط، لأن المشترين الكبار يدخلون السوق بهدف تأمين الإمدادات لا مجرد تغطية الاستهلاك الجاري.
خلاصة المشهد
الرسالة الأساسية من تقديرات جولدمان ساكس هي أن أزمة الديزل ليست مسألة خام فقط، بل مسألة تكرير ومخزون وقدرة تشغيل. وإذا استمر هذا الوضع حتى 2027، فستظل سوق السولار العالمية عرضة للأسعار المرتفعة نسبيًا، بما يفرض تحديات على الاقتصادات المستوردة وعلى الحكومات الساعية لتخفيف أثر الطاقة على المستهلكين.
أما في مصر، فتبقى أهمية الخبر أكبر من كونه تحليلًا أجنبيًا للأسواق؛ لأنه يرتبط مباشرة بتكلفة النقل والتوريد والتضخم، وهي ملفات تمس المواطن والقطاع الخاص في آن واحد. ومن ثم، فإن أي مراجعة مقبلة لأسعار الوقود محليًا ستظل مرتبطة بمتابعة دقيقة لتطورات النفط العالمية، وأسعار المنتجات المكررة، وقدرة السوق الدولية على الخروج من ضيق المعروض خلال العامين المقبلين.