جولدمان ساكس يرجح رفعًا جديدًا للفائدة الأمريكية في أكتوبر
جولدمان ساكس يعيد ضبط توقعاته بعد رسائل متشددة من الفيدرالي
رفع بنك جولدمان ساكس سقف توقعاته بشأن مسار الفائدة الأمريكية، مرجحًا أن يلجأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى زيادة جديدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماع أكتوبر، وذلك بعد أن أظهرت رسائل البنك المركزي الأمريكي تمسكًا واضحًا بخيار التشديد النقدي إذا تباطأ مسار هبوط التضخم.
هذا التحول في تقديرات البنك الاستثماري جاء بعد اجتماع الفيدرالي في 20 سبتمبر 2023، عندما أبقى البنك المركزي سعر الفائدة دون تغيير عند نطاق 5.25% إلى 5.50%، لكنه أرسل في الوقت نفسه إشارات متشددة عبر توقعات أعضائه، بما يعكس استعدادًا لزيادة إضافية قبل نهاية العام إذا استدعت البيانات ذلك.
وبالنسبة لقرّاء السوق في مصر، فإن أهمية هذا التطور لا ترتبط بالاقتصاد الأمريكي وحده، بل تمتد إلى تكلفة التمويل العالمية، واتجاهات الدولار، وعوائد السندات، وشهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة، وهي ملفات تؤثر بشكل غير مباشر على بيئة الأعمال وتقييمات الشركات حول العالم.
ماذا قال الفيدرالي في اجتماعه الأخير؟
في بيانه الصادر عقب اجتماع 19 و20 سبتمبر 2023، قرر الفيدرالي تثبيت الفائدة، لكنه أشار إلى أن النشاط الاقتصادي الأمريكي يتوسع بوتيرة قوية، وأن سوق العمل لا يزال متماسكًا، في حين يبقى التضخم أعلى من المستوى المستهدف البالغ 2%. هذا المزيج من النمو الأفضل نسبيًا واستمرار الضغوط السعرية عزز التوقعات بإمكانية تنفيذ رفع إضافي.
كما أظهرت التوقعات الاقتصادية المحدثة الصادرة عن أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن الرؤية الرسمية أصبحت تميل إلى بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول. ووفق تلك التقديرات، ارتفع الوسيط المتوقع لنمو الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في 2023 إلى 2.1%، مقابل 1.0% في توقعات يونيو، بينما جرى خفض تقدير البطالة إلى 3.8% بدلًا من 4.1%. وفي المقابل، بقيت معركة التضخم غير محسومة، مع توقعات تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي عند 3.3% لعام 2023.
أغلبية داخل الفيدرالي أبقت الباب مفتوحًا
محضر الاجتماع أظهر أن أغلبية المشاركين رأت أن زيادة أخرى في سعر الفائدة قد تكون مناسبة في اجتماع لاحق. هذه النقطة تحديدًا كانت جوهر القراءة التي تبناها جولدمان ساكس، إذ اعتبر البنك أن الفيدرالي يريد الحفاظ على قدرته على التحرك سريعًا إذا ظلت البيانات الاقتصادية قوية أو إذا تباطأ انحسار التضخم.
لماذا رجح جولدمان ساكس تحديدًا اجتماع أكتوبر؟
وفق ما نقلته تقارير مالية دولية عن تقديرات البنك، فإن جولدمان ساكس انتقل من ترجيح تحرك لاحق إلى توقع رفع في أكتوبر، مستندًا إلى أمرين رئيسيين:
- أولًا: التوجيهات المتشددة الصادرة عن مسؤولي الفيدرالي، والتي أظهرت أن خيار الزيادة الإضافية لا يزال قائمًا بقوة.
- ثانيًا: مرونة الاقتصاد الأمريكي، سواء من حيث النمو أو قوة سوق العمل، وهو ما يمنح البنك المركزي مساحة للاستمرار في التشديد دون خوف فوري من ركود حاد.
ومن زاوية تغطية قطاع شركات ونتائج الأعمال، فإن مثل هذه التوقعات لها أثر مباشر على المؤسسات المالية الكبرى، لأن مسار الفائدة الأمريكية ينعكس على هوامش الإقراض، وتسعير الأصول، وتكلفة إصدار الديون، فضلًا عن أداء أنشطة التداول وإدارة الثروات والاستثمار المصرفي.
كيف ينعكس السيناريو على الشركات والأسواق؟
بالنسبة إلى البنوك العالمية مثل جولدمان ساكس، فإن استمرار الفائدة المرتفعة قد يحمل وجهين مختلفين. فمن ناحية، قد يدعم بعض أنشطة الدخل الثابت والتداول ويعزز العوائد على السيولة والأدوات قصيرة الأجل. لكن من ناحية أخرى، قد يضغط على شهية الشركات للاقتراض، ويبطئ صفقات الاستحواذ والطروحات، ويرفع تكلفة رأس المال على قطاعات واسعة من الأعمال.
الشركات المقترضة بكثافة ستكون من الأكثر تأثرًا، خصوصًا تلك التي تعتمد على إعادة تمويل دورية أو تصدر سندات لتمويل التوسع. كما أن ارتفاع العائد على أدوات الخزانة الأمريكية يخلق منافسة أقوى لرأس المال العالمي، بما قد يقلص تدفقات الاستثمار نحو الأصول الأعلى مخاطرة.
أما في الأسواق الناشئة، ومنها المنطقة العربية، فإن أي اتجاه لاستمرار التشديد الأمريكي عادة ما ينعكس عبر قوة الدولار، وتشدد الأوضاع المالية، وارتفاع تكلفة الاقتراض الخارجي. ولهذا تتابع المؤسسات والشركات في مصر باهتمام كبير قرارات الفيدرالي، حتى عندما يكون الخبر في ظاهره أمريكيًا بحتًا.
ماذا تعني الرسائل الحالية للمستثمر المصري؟
الرسالة الأهم هي أن الأسواق لم تعد تركز فقط على قرار التثبيت أو الرفع في حد ذاته، بل على مدة بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة. فحتى إذا اقتصر الأمر على زيادة واحدة إضافية، فإن الإبقاء على هذا المستوى لفترة ممتدة قد يكون له أثر واسع على تسعير الدولار، والذهب، والسلع، والأسهم، وحتى خطط الشركات متعددة الجنسيات.
وفي هذا السياق، تبدو متابعة تصريحات رئيس الفيدرالي جيروم باول أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأن السوق تبني جزءًا مهمًا من توقعاتها على لهجة البنك المركزي وليس فقط على القرار الرسمي. وحتى مع توقف الفيدرالي عن الرفع في بعض الاجتماعات، فإن الإشارة إلى أن المعركة ضد التضخم لم تنته بعد تظل كافية لتحريك عوائد السندات والأسواق العالمية.
هل يعني ذلك أن الرفع أصبح محسومًا؟
ليس بالضرورة. فالتوقعات التي تضعها بنوك الاستثمار، مهما كانت مؤثرة، تبقى رهينة البيانات الاقتصادية المقبلة، خاصة أرقام التضخم والوظائف والإنفاق الاستهلاكي. وإذا جاءت هذه المؤشرات أضعف من المتوقع، فقد يفضل الفيدرالي الانتظار. أما إذا استمرت الضغوط السعرية أو أثبت الاقتصاد قدرة أكبر على تحمل التشديد، فسيصبح سيناريو الرفع أكثر ترجيحًا.
خلاصة المشهد
إعادة جولدمان ساكس توجيه توقعاته نحو رفع الفائدة الأمريكية في أكتوبر تعكس قراءة متشددة للموقف الحالي داخل الاحتياطي الفيدرالي، خاصة بعد اجتماع سبتمبر الذي جمع بين تثبيت الفائدة والإشارة إلى احتمال زيادة أخرى قبل نهاية العام. وبينما يظل القرار النهائي مرتبطًا بتطورات البيانات، فإن الواضح حتى الآن هو أن كبرى المؤسسات المالية ترى أن الفيدرالي لم يغلق بعد باب التشديد.
وبالنسبة لقطاع الأعمال، فإن هذه الرؤية تعني استمرار بيئة تمويل عالمية صعبة نسبيًا، مع بقاء تكلفة الأموال مرتفعة، وتزايد حساسية الأسواق لأي إشارة من البنك المركزي الأمريكي. لذلك سيظل مسار الفائدة في الولايات المتحدة عاملًا محوريًا في تقييمات الشركات، وخطط التمويل، وتحركات المستثمرين خلال الفترة المقبلة.