الإقتصادي

جولسبي: الفيدرالي لا يستبعد التثبيت أو رفع الفائدة

رسالة جديدة من الفيدرالي تبقي كل السيناريوهات مفتوحة

أعاد أوستان جولسبي، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو، التأكيد على أن مسار السياسة النقدية الأمريكية لم يُحسم بعد، وأن خيار تثبيت أسعار الفائدة أو حتى رفعها لا يزال قائمًا بحسب ما ستقوله البيانات المقبلة. وجاءت تصريحاته خلال مقابلة تلفزيونية، في وقت تتابع فيه الأسواق العالمية أي إشارة تصدر عن مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي لفهم الاتجاه التالي للفائدة الأمريكية.

جولسبي، الذي يشغل منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو منذ يناير 2023، قال إن أحدث مؤشرات التوظيف توحي بأن سوق العمل الأمريكي يبدو مستقرًا، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التضخم ما زال المشكلة الأكبر من منظور السياسة النقدية. وهذه الرسالة تعني عمليًا أن البنك المركزي الأمريكي لا يريد التسرع في إعلان الانتصار الكامل على التضخم، حتى لو كانت سوق العمل لم تُظهر حتى الآن تراجعًا حادًا.

لماذا تكتسب تصريحات جولسبي أهمية خاصة؟

رئيس فرع شيكاغو ليس مجرد معلق اقتصادي؛ فهو جزء من منظومة الاحتياطي الفيدرالي التي تشارك في صياغة السياسة النقدية الأمريكية. وعلى الموقع الرسمي للاحتياطي الفيدرالي، يُدرج أوستان جولسبي ضمن مسؤولي النظام الفيدرالي، بينما يوضح بنك شيكاغو الفيدرالي أنه الرئيس التنفيذي للبنك الإقليمي. لذلك فإن تصريحاته تُقرأ في الأسواق باعتبارها مؤشرًا على المزاج الداخلي داخل المؤسسة النقدية الأمريكية، حتى لو لم تكن تعبر وحدها عن القرار النهائي للجنة السوق المفتوحة.

كما أن متابعة المستثمرين لتصريحات المسؤولين الأمريكيين تنبع من حقيقة أن سعر الفائدة في الولايات المتحدة يظل المحرك الأهم للدولار، وعوائد السندات، وشهية المخاطرة عالميًا. وهذا مهم أيضًا للقارئ في مصر، لأن أي تغير في مسار الفائدة الأمريكية ينعكس عادة على حركة رؤوس الأموال، وأسعار الذهب، وقوة الدولار أمام العملات في الأسواق الناشئة.

البيانات التي تدعم موقف الحذر

1) سوق العمل: لا انهيار.. ولا سخونة مفرطة

أحدث بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أظهرت أن الاقتصاد الأمريكي أضاف 254 ألف وظيفة في سبتمبر 2024، بينما استقر معدل البطالة تقريبًا عند 4.1%. هذه الأرقام تعزز فكرة أن سوق العمل لا يزال متماسكًا، لكنها لا تعني بالضرورة عودة الضغوط التضخمية بقوة. ومن هنا جاء توصيف جولسبي بأن السوق تبدو مستقرة أكثر من كونها في حالة ضعف حاد.

بالنسبة للأسواق، هذا النوع من البيانات معقد التفسير: فهو ليس ضعيفًا بما يكفي ليدفع الفيدرالي سريعًا نحو خفض الفائدة، وليس قويًا بصورة تجبره تلقائيًا على تشديد إضافي. لذلك تزداد أهمية بيانات التضخم نفسها عند تقييم الخطوة المقبلة.

2) التضخم: تراجع نسبي لكن المعركة لم تنته

في المقابل، أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة أن التضخم السنوي تباطأ إلى 2.5% في أغسطس 2024، وهو أدنى مستوى في تلك السلسلة منذ أوائل 2021، بينما بلغ التضخم الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 3.2%. ورغم هذا التراجع، فإن المعدل الأساسي لا يزال أعلى بوضوح من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% على المدى الطويل.

هنا يمكن فهم منطق جولسبي: صحيح أن التضخم نزل كثيرًا عن ذروته، لكن البنك المركزي لا يكتفي بالتباطؤ المؤقت، بل يريد ثقة أكبر بأن التضخم يتحرك بصورة مستدامة نحو 2%. ولهذا فإن أي مفاجآت صعودية في الأسعار أو الأجور قد تعيد الحديث عن إبقاء السياسة النقدية مشددة لفترة أطول.

أين تقف الفائدة الأمريكية حاليًا؟

في اجتماعه بتاريخ 31 يوليو 2024، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على النطاق المستهدف للفائدة بين 5.25% و5.50%، مع تأكيده أن أي تعديل قادم سيعتمد على البيانات الواردة وتطور التوقعات وتوازن المخاطر. وكان البيان الرسمي وقتها واضحًا في أن اللجنة لا ترى خفض الفائدة مناسبًا قبل اكتساب ثقة أكبر في عودة التضخم بشكل مستدام إلى الهدف.

هذه الصياغة تساعد على تفسير سبب تمسك بعض المسؤولين بلغة حذرة. فعندما يقول جولسبي إن التثبيت أو الرفع كلاهما مطروح، فهو يرسل رسالة انضباط للأسواق: لا ينبغي افتراض أن مسار السياسة النقدية أصبح أحادي الاتجاه، ولا أن البنك المركزي الأمريكي دخل تلقائيًا مرحلة التيسير الكامل.

ما الذي يعنيه ذلك للأسواق العالمية؟

في قسم الأسواق العالمية، تبدو أهمية هذه التصريحات مباشرة للغاية. أي تغير في توقعات الفائدة الأمريكية ينعكس سريعًا على عدة أصول:

  • الدولار الأمريكي: التوقعات ببقاء الفائدة مرتفعة تدعم العملة الأمريكية غالبًا.
  • السندات الأمريكية: نبرة التشدد تدفع العوائد للصعود أو تمنعها من الهبوط السريع.
  • الذهب: استمرار الفائدة المرتفعة يضغط عادة على المعدن الأصفر، لأن تكلفة الفرصة البديلة ترتفع.
  • الأسواق الناشئة: أي تشديد أمريكي أو تأخير في الخفض قد يقلل جاذبية الأصول الأعلى مخاطرة ويزيد حساسية التدفقات الأجنبية.

ومن منظور القارئ المصري، فإن هذه الحلقة لا تتوقف عند وول ستريت. فالدولار القوي وارتفاع العوائد الأمريكية يؤثران على تكلفة التمويل العالمية، وعلى اتجاهات المستثمرين الأجانب بين الأسواق المتقدمة والناشئة، كما ينعكسان على أسعار السلع المقومة بالدولار.

هل يميل الفيدرالي إلى التشدد أم الانتظار؟

الرسالة الأقرب للواقع الآن هي أن الفيدرالي لا يريد التعهد المسبق. فاستقرار التوظيف يمنحه مساحة للتريث، لكن بقاء التضخم فوق الهدف يجعله غير مستعد لإعلان نهاية دورة التشديد نهائيًا. لذلك، فإن السيناريو المرجح في مثل هذا المناخ هو استمرار الاعتماد على البيانات اجتماعًا باجتماع بدل الالتزام بمسار ثابت.

المهم هنا أن المستثمرين أصبحوا يقرؤون تصريحات المسؤولين ليس فقط من زاوية القرار المقبل، بل أيضًا من زاوية مدة بقاء الفائدة مرتفعة. وحتى إذا لم يحدث رفع جديد، فإن مجرد تأكيد أن الخيار ما زال موجودًا يكفي أحيانًا لتشديد الأوضاع المالية عبر دعم الدولار ورفع عوائد السندات.

جولسبي في الصورة العامة للفيدرالي

أوستان جولسبي، المعروف في الأوساط الاقتصادية الأمريكية بخلفيته الأكاديمية وظهوره الإعلامي المنتظم، يحظى بمتابعة واسعة بين المتعاملين. ويشير بنك شيكاغو الفيدرالي أيضًا إلى حسابه الرسمي المرتبط به على منصة إكس، بينما يملك البنك نفسه حضورًا رسميًا على إنستغرام عبر Chicago Fed (@chicagofed على إنستغرام). ومع ذلك، يبقى الأهم بالنسبة للأسواق هو مضمون الرسالة: الاقتصاد الأمريكي لم يمنح الفيدرالي بعدُ سببًا كافيًا للتساهل الكامل.

الخلاصة

تصريحات جولسبي تعكس مرحلة دقيقة في السياسة النقدية الأمريكية: سوق العمل متماسكة نسبيًا، لكن التضخم لم يُهزم تمامًا. لهذا يصر مسؤولو الفيدرالي على إبقاء جميع الخيارات مطروحة، بما في ذلك التثبيت أو حتى الرفع إذا اقتضت البيانات ذلك. بالنسبة للأسواق العالمية، تعني هذه الرسالة أن الرهان على خفض سريع ومتواصل للفائدة الأمريكية قد يكون سابقًا لأوانه.

وبالنسبة للمستثمرين في مصر والمنطقة، فإن متابعة تطورات الفائدة الأمريكية لم تعد شأنًا أمريكيًا داخليًا فقط؛ بل أصبحت عاملًا رئيسيًا في فهم اتجاه الدولار، والذهب، وأسعار التمويل، وحركة الأموال عبر الحدود. وفي هذا السياق، تبدو كلمات جولسبي بمثابة تذكير واضح بأن معركة التضخم لم تُغلق صفحاتها الأخيرة بعد.