الإقتصادي

حرب إيران تعيد رسم خريطة عقود الغاز المسال عالمياً

اضطراب جيوسياسي يعيد ترتيب أولويات شركات الغاز

أعادت الحرب المرتبطة بإيران ومخاطر تعطل الملاحة في مضيق هرمز تشكيل حسابات شركات الغاز الطبيعي المسال حول العالم، سواء على جانب المشترين أو البائعين. فالسوق التي كانت تركز خلال السنوات الماضية على تأمين الكميات والأسعار، باتت اليوم تمنح أولوية متزايدة لمسألة تنويع مصادر الإمداد ومسارات الشحن وهيكلة العقود، في محاولة لتقليل التعرض لأي اختناق جغرافي أو سياسي قد يهدد التدفقات التجارية.

أهمية هذا التحول لا تنبع فقط من حساسية المنطقة، بل من الوزن الفعلي لهرمز في تجارة الطاقة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، كان المضيق ممراً لنحو 20% من الإمدادات العالمية للغاز الطبيعي المسال، كما شكّل في 2025 ما يقرب من 27% من واردات آسيا من الغاز المسال، مقابل حصة أقل بكثير لأوروبا عند نحو 7% من تدفقات الغاز المسال إليها. هذه الأرقام تفسر لماذا تتحول أي اضطرابات في الخليج سريعاً إلى عامل مؤثر في استراتيجيات الشراء والتسعير وإدارة المخاطر لدى الشركات والمرافق الكبرى.

قطر في قلب المعادلة التجارية

تظل قطر للطاقة هي الاسم الأكثر حضوراً في هذه المعادلة، باعتبار قطر أحد أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم. وتعمل الشركة على زيادة طاقتها التسييلية بشكل كبير عبر توسعات حقل الشمال. ووفق البيانات الرسمية للشركة، سترتفع القدرة الإنتاجية من 77 مليون طن سنوياً إلى 110 ملايين طن سنوياً في مرحلة North Field East، ثم إلى 126 مليون طن سنوياً مع North Field South. كما أُعلن لاحقاً عن مشروع North Field West بما يعزز موقع الشركة في سوق الإمدادات طويلة الأجل.

لكن المفارقة أن اتساع الطاقة الإنتاجية وحده لم يعد كافياً لطمأنة السوق. فالمشترون في آسيا وأوروبا باتوا يقيّمون ليس فقط من يملك الغاز، بل أيضاً كيف سيصل الغاز، وكم تبلغ درجة الاعتماد على ممر ملاحي واحد. ولهذا تتجه شركات الاستيراد والمرافق إلى مزيج أوسع من العقود: بعضه طويل الأجل مع موردين تقليديين مثل قطر، وبعضه مرن من الولايات المتحدة أو من محافظ تداول عالمية تسمح بإعادة توجيه الشحنات إذا تغيرت الظروف.

ما الذي تغير في سلوك المشترين والبائعين؟

التغير الحالي لا يقتصر على المشترين وحدهم. فحتى البائعون يعيدون ترتيب محافظهم التسويقية. الموردون الكبار يسعون الآن إلى توزيع مبيعاتهم بين مناطق مختلفة، وتقوية شبكات النقل والأساطيل البحرية، وتضمين بنود تعاقدية أكثر مرونة تتعلق بمواعيد التسليم وموانئ الوصول وآليات التعويض حال التعطل. وفي المقابل، يبحث المشترون عن تقليل الاعتماد على نقطة اختناق واحدة، سواء عبر زيادة التخزين، أو التعاقد مع أكثر من منشأ، أو تنمية قدرات إعادة التغويز محلياً.

وكالة الطاقة الدولية أشارت في تقاريرها خلال 2026 إلى أن إغلاقاً فعلياً لمضيق هرمز في بداية مارس أدى إلى اضطراب غير مسبوق في توازنات السوق، وأن تدفقات الغاز المسال عبر المضيق بدأت ترتفع مجدداً بعد تفاهم تهدئة مؤقت في يونيو، لكنها ظلت أقل من مستويات ما قبل الأزمة. كما أوضحت الوكالة أن تعطّل العبور عبر هرمز خفّض إمدادات الغاز المسال من قطر والإمارات بأكثر من 300 مليون متر مكعب يومياً منذ مطلع مارس في ذروة الاضطراب، وهو ما يوضح حجم الضغط الذي تعرضت له السوق.

لماذا يهم هذا مصر تحديداً؟

بالنسبة إلى مصر، لا يُنظر إلى هذا الملف باعتباره خبراً دولياً بعيداً، بل باعتباره تطوراً يمس مباشرة تكلفة الإمدادات وأمن الطاقة. فوزارة البترول والثروة المعدنية أعلنت خلال 2026 جاهزية منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال في العين السخنة، مع تشغيل ثلاث سفن تغييز هي هوج جاليون وإنرجوس إسكيمو وإنرجوس باور، بهدف دعم الشبكة القومية خلال فترات ذروة الاستهلاك الصيفي.

ووفق تصريحات المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، فإن مصر أنشأت منظومة متكاملة لاستيراد الغاز المسال بطاقة تصل إلى 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، بما يساهم في تنويع مصادر الإمداد وتأمين احتياجات السوق المحلية خلال السنوات المقبلة. هذا يعني أن أي تحولات في سوق الشحنات الفورية أو في تكلفة الغاز المسال العالمية ستنعكس سريعاً على الشركات المستوردة، وعلى خطط توفير الوقود لمحطات الكهرباء والصناعة.

من زاوية شركات ونتائج الأعمال، يبرز هنا أثر مزدوج: الأول على شركات الطاقة والتوزيع التي تحتاج إلى إدارة أكثر تعقيداً لمشترياتها ومخزونها، والثاني على القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة التي تتأثر بأي قفزات في الأسعار أو تغيرات في أولويات تخصيص الغاز.

العقود طويلة الأجل تعود إلى الواجهة

واحدة من النتائج الأهم للأزمة أن كثيراً من المشترين عادوا لإعادة تقييم الرهان المبالغ فيه على السوق الفورية. فخلال فترات الاستقرار، كانت الشحنات الفورية تمنح مرونة وفرصة للاستفادة من التراجعات السعرية. لكن في أوقات التوتر الجيوسياسي، تتحول المرونة نفسها إلى مصدر مخاطرة إذا انكمشت الإمدادات المتاحة أو ارتفعت علاوات الشحن والتأمين.

لهذا يتزايد الاهتمام عالمياً بالعقود الأطول أجلاً مع موردين كبار يمتلكون مشروعات توسع واضحة وأساطيل شحن متنامية. وفي هذا الإطار، تبرز قطر للطاقة كفاعل محوري؛ إذ أظهرت مراجعتها السنوية لعام 2024 أنها وقعت منذ 2022 سلسلة اتفاقات لاستئجار وتشغيل 104 ناقلات غاز طبيعي مسال تقليدية قيد الإنشاء في أحواض صينية وكورية، في خطوة تستهدف دعم قدرتها على تلبية الطلب العالمي المتزايد وتعزيز مرونة التسليم.

ما الذي تراقبه الشركات المصرية الآن؟

الشركات العاملة في السوق المصرية تتابع عدة مؤشرات رئيسية:

  • استقرار المرور في مضيق هرمز ومدى استمرار أي تهدئة إقليمية.
  • أسعار الغاز المسال الفورية وتكلفة الشحن والتأمين على الناقلات.
  • بدء دخول طاقات جديدة من مشروعات التسييل العالمية، خاصة في قطر والولايات المتحدة.
  • مرونة التعاقدات وإمكانية المزج بين الشحنات الفورية والعقود طويلة الأجل.
  • أمن الإمداد المحلي خلال ذروة الطلب على الكهرباء والصناعة في مصر.

هذه العوامل لا تحدد فقط تكلفة الاستيراد، بل تؤثر أيضاً في قرارات الاستثمار والتشغيل لدى الشركات، من مصانع الأسمدة والبتروكيماويات إلى شركات الكهرباء والخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة.

خلاصة المشهد

الرسالة التي خرجت بها السوق من أزمة الحرب المرتبطة بإيران واضحة: أرخص إمداد ليس دائماً الأكثر أماناً. ومع بقاء الخليج مركزاً رئيسياً لتجارة الغاز الطبيعي المسال، يتجه المشترون والبائعون معاً إلى نموذج أعمال أكثر حذراً، يقوم على تنويع المصادر، وتوسيع الأساطيل، وبناء عقود أكثر مرونة في مواجهة الصدمات.

وبالنسبة إلى مصر، فإن هذا التحول يعزز أهمية الإسراع في تأمين مزيج متوازن من الإمدادات، مع الاستفادة من البنية التحتية القائمة في البحر الأحمر والمتوسط. وفي بيئة تتغير فيها خرائط الطاقة بسرعة، تصبح القدرة على إدارة المخاطر التجارية لا تقل أهمية عن القدرة على شراء الغاز نفسه.