الإقتصادي

خفض «القيمة المضافة» إلى 5%: مكاسب مباشرة للأجهزة الطبية

موافقة البرلمان تضع مصلحة الضرائب المصرية في قلب المشهد

أعادت موافقة مجلس النواب نهائيًا، في جلسة 29 يونيو 2026، على مشروع قانون تعديل بعض أحكام قانون الضريبة على القيمة المضافة رقم 67 لسنة 2016، ترتيب حسابات قطاعين مهمين داخل السوق المصرية: شركات الأجهزة الطبية، والمصانع التي تعتمد على شراء معدات وآلات وأجهزة مرتبطة بالإنتاج. أهمية الخطوة لا تتوقف عند خفض العبء الضريبي فقط، لكنها تمتد إلى نقطة شديدة الحساسية لمديري الماليات والمحاسبة داخل الشركات، وهي تسريع رد الرصيد الدائن بما يخفف الضغط على السيولة النقدية.

وبحسب ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية، فإن التعديلات التي أقرها النواب جاءت ضمن حزمة تستهدف دعم الاستثمار والإنتاج، تنفيذًا لتوجهات وزارة المالية بقيادة أحمد كجوك، مع تركيز واضح على القطاع الصحي والصناعات الطبية والأنشطة الإنتاجية. كما أكدت رئيس المصلحة رشا عبد العال أن المعالجات الجديدة تقلل الأعباء على الجهات العاملة في هذا القطاع الحيوي وتدعم التوسع في التصنيع المحلي.

ما الذي تغيّر فعليًا في ضريبة الأجهزة الطبية؟

أبرز بند في التعديلات هو إخضاع الأجهزة الطبية والأجهزة المستخدمة في الأغراض الطبية لفئة ضريبة قيمة مضافة 5% بدلًا من خضوعها للسعر العام البالغ 14%. هذه النقلة ليست رقمًا محاسبيًا صغيرًا؛ فهي تعني هبوطًا واضحًا في تكلفة الضريبة المستحقة على شراء أو بيع هذه الفئة من الأجهزة داخل السوق المصرية.

كذلك أوضحت مصلحة الضرائب المصرية أن الحزمة تضمنت إعفاء مدخلات تصنيع وأجزاء ولوازم وأجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى من ضريبة القيمة المضافة، وهو بند له أثر مباشر على تكلفة تقديم خدمات الغسيل الكلوي، وعلى الشركات والمصانع التي تعمل في هذا النشاط المتخصص داخل القطاع الصحي.

كيف تستفيد شركات الأجهزة الطبية عمليًا؟

1) خفض تكلفة التشغيل والتسعير

عندما تهبط الفئة الضريبية من 14% إلى 5%، فإن المستورد أو المصنع أو الموزع يحصل على مساحة أوسع لإعادة تسعير منتجاته أو الحفاظ على هامش ربحه دون تحميل العميل النهائي كامل الزيادة في التكاليف. وفي سوق مثل السوق المصرية، حيث تواجه المستشفيات والمراكز الطبية ضغوطًا مستمرة على المصروفات، يصبح هذا الخفض أداة لتحسين القدرة التنافسية.

2) دعم التصنيع المحلي بدلًا من الاكتفاء بالاستيراد

مصلحة الضرائب ربطت صراحة بين التعديلات وبين تشجيع التوسع في تصنيع وإنتاج الأجهزة الطبية محليًا. والرسالة هنا مهمة: إذا كانت الضريبة على المنتج أو الجهاز الطبي أصبحت أقرب في معاملتها إلى الآلات والمعدات، فإن المصانع المصرية قد تجد بيئة أكثر توازنًا عند المفاضلة بين التجميع المحلي، أو التصنيع، أو الاستيراد الكامل.

3) تخفيف العبء على الأنشطة المرتبطة بالغسيل الكلوي

الإعفاء الخاص بمدخلات وأجزاء ولوازم الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى يمنح الشركات العاملة في هذا المجال ميزة نوعية، لأن هذا النشاط يرتبط باستهلاك مستمر ومستويات طلب مرتفعة من المستشفيات ومراكز العلاج. أي خفض في التكلفة هنا ينعكس سريعًا على هيكل المصروفات.

لماذا يمثل رد الرصيد الدائن نقطة فاصلة للمصانع المصرية؟

الفائدة الثانية، وربما الأهم ماليًا لكثير من الشركات، هي تقليص مدة رد الرصيد الدائن للمسجلين في ضريبة القيمة المضافة. ووفق ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية، أصبحت المدة بعد مرور أكثر من أربع فترات ضريبية متتالية بدلًا من ست فترات. وبصياغة عملية، فهذا يعني تقليص الانتظار من نحو 6 أشهر إلى 4 أشهر في الحالات المعتادة.

بالنسبة للمصانع، الرصيد الدائن ليس بندًا نظريًا في الدفاتر. هو أموال مجمدة ناتجة عن ضريبة مسددة على مدخلات أو مشتريات أو معدات، بينما التدفقات النقدية مطلوبة يوميًا لشراء خامات، وسداد أجور، وتمويل التشغيل، وخدمة التزامات الموردين والبنوك. لذلك فإن استرداد هذه المبالغ أسرع بشهرين يمكن أن يحدث فارقًا حقيقيًا في دورة رأس المال العامل.

مثال التأثير على المصنع

المصنع الذي يتوسع في شراء خطوط إنتاج أو أجهزة أو معدات قد يراكم رصيدًا دائنًا ملحوظًا. في النظام السابق كان الانتظار الأطول يعني تمويلًا ذاتيًا إضافيًا أو الحاجة للاقتراض القصير الأجل لسد الفجوة. أما مع تقليص المدة، فتتحسن السيولة وتقل كلفة التمويل، خاصة في القطاعات الصناعية التي تعمل بهوامش ضيقة أو دورات إنتاج طويلة.

ميزة إضافية للمشروعات الصغيرة الخاضعة للقانون رقم 6 لسنة 2025

التعديل لم يكتفِ بتقليص المدة العامة إلى أربع فترات ضريبية، بل منح ميزة أسرع للمشروعات الخاضعة للقانون رقم 6 لسنة 2025 الخاص ببعض الحوافز والتيسيرات الضريبية للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه. هذه الفئة يمكنها، وفق ما أعلنته المصلحة، الحصول على رد الرصيد الدائن بعد ثلاثة أشهر فقط.

وهذه النقطة مهمة لورش التصنيع الصغيرة، ومصانع المستلزمات والأجهزة الطبية محدودة الحجم، والشركات التي قررت الانضمام إلى الاقتصاد الرسمي للاستفادة من النظام المبسط. كما أن مصلحة الضرائب المصرية تؤكد في موادها التعريفية أن هذا النظام يمنح مزايا إضافية، منها تخفيف الالتزامات الإقرارية، وتقديم إقرار القيمة المضافة 4 مرات سنويًا بدلًا من 12 مرة لبعض المستفيدين، بما يدعم الامتثال الضريبي ويقلل الكلفة الإدارية.

دور مصلحة الضرائب المصرية: من النص القانوني إلى التنفيذ

هنا تظهر أولوية مصلحة الضرائب المصرية بوضوح. فالسوق لا يحتاج فقط إلى قانون جيد، بل إلى تنفيذ سريع ويمكن التنبؤ به. وفي هذا السياق أعلنت المصلحة اعتماد ونشر الإصدار الرابع من التعليمات التنفيذية رقم 90 لسنة 2021 الخاصة بملف رد ضريبة القيمة المضافة، مع إطار موحد لوحدات رد الضريبة وجداول زمنية صارمة لإنهاء الطلبات خلال مدة أقل من 45 يومًا من تاريخ تقديم الطلب، بل وأشارت إلى أن التعليمات خفضت مدة رد الضريبة إلى 20 يومًا في سياق الإجراءات التنفيذية الداخلية لبعض الحالات المستوفاة.

كذلك شددت المصلحة على تقليص مدة مراجعة الطلبات واستيفاء المستندات إلى يومي عمل فقط بدلًا من خمسة أيام، مع الإخطار الإلكتروني لاستكمال النواقص. هذا يعني أن الاستفادة من التعديلات لن تعتمد فقط على خفض الفئة أو تقليص الأشهر قانونيًا، بل أيضًا على جاهزية الشركات في تقديم ملفات مكتملة، والالتزام بالفاتورة الإلكترونية والمنظومات الرقمية التي أصبحت جزءًا أساسيًا من كفاءة رد الضريبة.

ما الذي ينبغي على الشركات فعله الآن؟

  • مراجعة التصنيف الضريبي للمنتجات: على شركات الأجهزة الطبية التأكد من أن منتجاتها تدخل ضمن الفئات التي ستستفيد من معدل 5%.
  • إعادة احتساب التسعير والعقود: خصوصًا العقود الجارية مع المستشفيات والموزعين والموردين.
  • تجهيز ملفات رد الرصيد الدائن: لأن تسريع المدة لا يفيد دون مستندات مكتملة ومتوافقة مع متطلبات المصلحة.
  • دراسة الانضمام للنظام المبسط: إذا كان حجم الأعمال لا يتجاوز 20 مليون جنيه سنويًا، فقد تكون مزايا القانون 6 لسنة 2025 مجدية للغاية.
  • تخطيط التوسعات الرأسمالية: خاصة مع زيادة فترة تعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية المستخدمة في الإنتاج الصناعي إلى 4 سنوات بدلًا من سنتين وفق ما أعلنته المصلحة.

الخلاصة: مكسب مزدوج للقطاع الصحي والصناعة

الرسالة الأساسية من تعديلات ضريبة القيمة المضافة بعد موافقة النواب واضحة: خفض التكلفة من جهة، وتحسين السيولة من جهة أخرى. شركات الأجهزة الطبية ستستفيد من فئة 5% بدلًا من 14%، والأنشطة المرتبطة بالغسيل الكلوي تحصل على إعفاءات نوعية، بينما المصانع المصرية تستفيد من تسريع رد الرصيد الدائن ومن تمديد تعليق أداء الضريبة على الآلات والمعدات والأجهزة الطبية.

لكن المكسب الحقيقي سيتحدد بمدى سرعة تفعيل هذه البنود داخل المنظومة، وهنا يبقى دور مصلحة الضرائب المصرية محوريًا. فكل يوم أقل في دورة رد الضريبة يعني سيولة إضافية داخل الشركات، وكل تبسيط في الإجراءات يعني فرصة أفضل للتوسع والإنتاج المحلي، وهو ما يجعل هذه التعديلات من أكثر الملفات الضريبية اتصالًا المباشر بالاستثمار والصناعة في مصر خلال 2026.