الإقتصادي

دعوات في طوكيو لمواصلة رفع الفائدة لدعم الين

دعوة جديدة في طوكيو لاستكمال تشديد السياسة النقدية

عاد ملف أسعار الفائدة في اليابان إلى واجهة اهتمام المستثمرين العالميين، بعد تصريحات لتوشيهيرو ناغاهاما، كبير الاقتصاديين في معهد أبحاث داي-إيتشي لايف وعضو القطاع الخاص في مجلس السياسة الاقتصادية والمالية، قال فيها إن بنك اليابان ينبغي أن يواصل رفع الفائدة بوتيرة معتدلة من أجل معالجة الهبوط المفرط في الين. ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة لأن الاقتصاد الياباني ظل لسنوات طويلة نموذجا للسياسة النقدية شديدة التيسير، قبل أن يبدأ أخيرا مسار التطبيع النقدي.

الرسالة الأساسية في تصريحات ناغاهاما هي أن تأجيل التحرك النقدي قد يزيد الضغوط على العملة اليابانية، وهو ما ينعكس بدوره على تكلفة الواردات وأسعار السلع والطاقة داخل ثالث أكبر اقتصاد في العالم. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذا التطور لا تقتصر على اليابان وحدها، لأن تحركات الين الياباني وأسعار الفائدة هناك تؤثر في شهية المستثمرين تجاه الأصول العالمية، كما تنعكس على اتجاهات الدولار، والسندات، وأسواق الصرف عبر العالم.

من هو توشيهيرو ناغاهاما؟

يشغل ناغاهاما منصب كبير الاقتصاديين التنفيذيين في إدارة البحوث الاقتصادية لدى Dai-ichi Life Research Institute، كما يشارك بصفته عضوا من القطاع الخاص في مجلس السياسة الاقتصادية والمالية في اليابان. ووفقا لبيانات مركز الصحافة الأجنبية في اليابان، وُلد عام 1971، والتحق بشركة داي-إيتشي لايف بعد تخرجه في جامعة واسيدا، ثم أتم دراسة الماجستير في الاقتصاد بجامعة طوكيو، قبل أن يتولى منصبه الحالي في 2016.

هذا الموقع يمنحه وزنا خاصا في النقاش الاقتصادي الياباني، لأنه يجمع بين الدور الاستشاري الحكومي والخلفية البحثية في مؤسسة مالية كبرى. كما أن تقارير رويترز أشارت إلى أنه يُنظر إليه باعتباره من الوجوه الاقتصادية القريبة من دوائر صنع القرار في طوكيو، مع تركيز على ضرورة الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على انضباط مالي يمنع الأسواق من فقدان الثقة.

لماذا يركز المسؤولون على الين؟

ضعف الين لم يكن مجرد مسألة فنية في سوق العملات، بل تحول خلال 2024 إلى مصدر قلق اقتصادي وسياسي واضح. فكلما تراجعت العملة، ارتفعت كلفة استيراد الوقود والمواد الخام والغذاء، وهو ما يضغط على الشركات والأسر. وفي بلد يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات في الطاقة، يصبح سعر الصرف عاملا مباشرا في تكوين التضخم المحلي. لهذا السبب، باتت سوق العملات عنصرا مؤثرا في حسابات بنك اليابان، حتى لو بقي هدفه الرسمي هو استقرار الأسعار والنمو المستدام للأجور.

وزارة المالية اليابانية تدخلت بالفعل لدعم العملة خلال الربع الثاني من 2024. ووفقا للبيانات الرسمية، بلغ إجمالي عمليات التدخل في سوق الصرف بين أبريل ويونيو 2024 نحو 9.7885 تريليون ين، منها 5.9185 تريليون ين في 29 أبريل و3.87 تريليون ين في 1 مايو، عبر بيع الدولار وشراء الين. كما أظهرت بيانات الاحتياطيات الدولية أن أصول الاحتياطي الياباني هبطت إلى 1.231 تريليون دولار بنهاية مايو 2024، بانخفاض 47.405 مليار دولار عن نهاية أبريل، وهو ما يعكس كلفة التحرك في السوق.

كيف تحرك بنك اليابان في 2024؟

شهد 2024 نقطة تحول مهمة في السياسة النقدية اليابانية. فبعد سنوات من الفائدة السلبية، أنهى بنك اليابان هذه الحقبة في مارس 2024، ثم واصل مسار التطبيع لاحقا. وفي 31 يوليو 2024 رفع البنك سعر الفائدة الرئيسي إلى نحو 0.25% من نطاق 0% إلى 0.1%، بالتوازي مع خطة لتقليص مشترياته من السندات الحكومية، في إشارة إلى تصميمه على العودة التدريجية إلى أوضاع نقدية أكثر طبيعية.

هذا التحول لا يعني أن اليابان أصبحت من الاقتصادات مرتفعة الفائدة، لكنه يكشف انتقالا واضحا من مرحلة التحفيز الاستثنائي إلى مرحلة أكثر حذرا تجاه التضخم وسعر الصرف. وبالنسبة للأسواق، فإن أي إشارة إلى استمرار الرفع التدريجي قد تعيد تسعير توقعات المستثمرين في السندات والعملات، لا سيما مع بقاء الفجوة كبيرة بين عوائد اليابان ونظيرتها في الولايات المتحدة لفترات طويلة.

ما الذي يدعم حجة رفع الفائدة؟

أنصار التشديد المعتدل، ومنهم ناغاهاما، يستندون إلى عدة اعتبارات. أولها أن ضعف الين إذا تُرك من دون رد كاف قد يغذي تضخما مستوردا يصعب احتواؤه لاحقا. وثانيها أن رفع الفائدة بشكل تدريجي قد يكون أقل كلفة من تأجيل القرار ثم الاضطرار إلى تحركات أسرع وأكثر إرباكا للأسواق. وثالثها أن التدخل المباشر في سوق الصرف، رغم فعاليته اللحظية أحيانا، لا يمكنه وحده تغيير الاتجاه ما لم تدعمه سياسة نقدية متماسكة.

كذلك، تشير البيانات الرسمية اليابانية إلى أن التضخم ظل ملفا حاضرا، بينما ركزت مناقشات صناع السياسة على أثر العملة في الأسعار والنشاط الاقتصادي. ومع أن بنك اليابان لا يريد خنق التعافي أو الإضرار بدورة الأجور، فإن بقاء الضغوط السعرية فوق المستوى المريح لفترة طويلة يدعم منطق التحرك المتدرج.

لكن ما المخاطر؟

في المقابل، لا يخلو هذا المسار من تحديات. فاليابان تحمل واحدا من أكبر أعباء الدين العام بين الاقتصادات الكبرى، وأي ارتفاع في الفائدة قد يرفع تكلفة التمويل على المدى الطويل. كما أن الاقتصاد الياباني لا يزال حساسا لتباطؤ الطلب الخارجي وتقلبات التجارة العالمية. لذلك، فإن أي رفع للفائدة في اليابان يجب أن يراعي بدقة التوازن بين دعم العملة واحتواء التضخم من جهة، والحفاظ على النشاط الاقتصادي من جهة أخرى.

هذا يفسر استخدام تعبير “الرفع المعتدل” بدلا من التشديد السريع. فالفكرة ليست نقل اليابان فجأة إلى بيئة نقدية مشددة، بل الإبقاء على مسار تدريجي يحد من الإفراط في هبوط الين ويمنح الأسواق رؤية أوضح لمسار البنك المركزي. وهذه نقطة مهمة للمستثمرين في مصر والمنطقة، لأن وضوح السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى يقلل من حدة التقلبات في الأسواق الناشئة والعالمية معا.

ماذا يعني ذلك للأسواق العالمية؟

أي تغيير في سياسة بنك اليابان يتجاوز حدود طوكيو. فاليابان لاعب رئيسي في أسواق السندات العالمية، وتحركات عوائدها قد تدفع المستثمرين اليابانيين إلى إعادة توزيع محافظهم بين الداخل والخارج. كما أن تحسن الين أو استقراره يمكن أن يخفف بعض الضغوط في أسواق العملات الآسيوية، ويؤثر بصورة غير مباشرة في تداولات الدولار عالميا. لهذا تتابع المؤسسات المالية حول العالم كل إشارة صادرة من بنك اليابان أو من الدائرة الاقتصادية المقربة من الحكومة.

الخلاصة أن تصريحات توشيهيرو ناغاهاما تعكس اتجاها متزايدا داخل اليابان يرى أن مرحلة الفائدة شبه الصفرية لم تعد ملائمة بالدرجة نفسها التي كانت عليها في سنوات الانكماش السابقة. وبينما يبقى القرار النهائي في يد بنك اليابان، فإن الرسالة الواضحة للأسواق هي أن تطبيع السياسة النقدية اليابانية لم ينته بعد، وأن مستقبل الين سيظل عاملا حاسما في تحديد سرعة الخطوات التالية.

أبرز النقاط

  • توشيهيرو ناغاهاما دعا إلى استمرار رفع الفائدة بوتيرة معتدلة.
  • الهدف الرئيسي هو الحد من الهبوط المفرط في الين الياباني.
  • اليابان تدخلت في سوق الصرف بقيمة 9.7885 تريليون ين بين أبريل ويونيو 2024.
  • الاحتياطيات الدولية تراجعت إلى 1.231 تريليون دولار بنهاية مايو 2024.
  • بنك اليابان رفع الفائدة إلى نحو 0.25% في 31 يوليو 2024 مع تقليص مشتريات السندات.