دفاتر مبسطة للمشروعات الصغيرة قبل الإقرارات في مصر
ما الذي تغيّر فعليًا في ملف مصلحة الضرائب المصرية قبل موسم الإقرارات؟
الرسالة الأهم من آخر ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية هي أن التبسيط لم يعد يعني غياب المستندات، بل يعني الاكتفاء بحد أدنى واضح منها. فالقانون رقم 6 لسنة 2025، المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 12 فبراير 2025، منح المشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه نظامًا ضريبيًا مبسطًا ودائمًا، مع ضريبة نسبية على حجم الأعمال بدلًا من التعقيد التقليدي. لكن هذا القانون نفسه نص في المادة 13 على إعفاء هذه المشروعات من السجلات والدفاتر المنصوص عليها في قانون الإجراءات الضريبية الموحد، على أن تلتزم بدلًا منها بالنظم المبسطة للسجلات والدفاتر والمستندات التي يصدر بها قرار من وزير المالية. هذا القرار جاء لاحقًا في قرار وزير المالية رقم 420 لسنة 2025، الذي نُشر في الوقائع المصرية بتاريخ 23 أكتوبر 2025.
وبذلك، انتقلت المشروعات الصغيرة من مرحلة “إعفاء من الدفاتر التقليدية” إلى مرحلة “إلزام بدفاتر مبسطة”، وهي نقطة مفصلية لكل صاحب نشاط يستعد لموسم الإقرارات، لأنها تغيّر طريقة تجهيز الحسابات والملفات المؤيدة للإيرادات والمصروفات وحركة الضريبة.
قانون 6 لسنة 2025: تبسيط مستمر وليس مهلة مؤقتة
بحسب ما أعلنته مصلحة الضرائب المصرية، فإن النظام الضريبي المبسط الوارد في القانون 6 لسنة 2025 هو قانون دائم وليس مبادرة مؤقتة، ويستهدف المنشآت التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 20 مليون جنيه. رئيس المصلحة رشا عبد العال أكدت أن هذا النظام يهدف إلى تشجيع المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر على الانضمام للاقتصاد الرسمي، مع تخفيف الأعباء الضريبية والإجرائية عليها.
الأهم ماليًا أن الضريبة على الدخل أصبحت تُحسب وفق شرائح بسيطة من حجم الأعمال السنوي نفسه، وليس عبر معالجات أعقد يتهيبها كثير من أصحاب المشروعات الصغيرة. وتبدأ النسبة من 0.4% للمشروعات التي يقل حجم أعمالها عن 500 ألف جنيه، ثم 0.5% من 500 ألف إلى أقل من 2 مليون جنيه، و0.75% من 2 مليون إلى أقل من 3 ملايين جنيه، و1% من 3 ملايين إلى أقل من 10 ملايين جنيه، و1.5% من 10 ملايين وحتى 20 مليون جنيه.
ما المزايا التي بقيت كما هي؟
- عدم الخضوع لنظام الخصم أو الدفعات المقدمة تحت حساب الضريبة.
- إقرار سنوي مستقل لضريبة الدخل.
- إقرار قيمة مضافة كل ثلاثة أشهر بدلًا من الإقرار الشهري، أي 4 مرات سنويًا.
- الاكتفاء بتسوية سنوية لضريبة المرتبات وما في حكمها.
- تأجيل الفحص الضريبي إلى ما بعد مرور 5 سنوات من تاريخ طلب الاستفادة.
- إعفاءات تشمل ضريبة توزيعات الأرباح، وضريبة الأرباح الرأسمالية على بيع الأصول الثابتة، ورسوم التوثيق والشهر، وضريبة الدمغة ورسم تنمية الموارد المالية للدولة في الحالات المنصوص عليها.
أين جاء التعديل العملي؟
التعديل العملي ظهر مع قرار 420 لسنة 2025. فبعد أن نص القانون على “نظم مبسطة” دون تفصيل، جاءت مصلحة الضرائب المصرية لتحدد الحد الأدنى المطلوب إمساكه من دفاتر وسجلات ومستندات. ووفق ما نشرته المصلحة، فإن المشروع المنضم للنظام المبسط أصبح مطالبًا بالالتزام بالآتي:
- السجلات: سجل الأصول الثابتة، وسجل مخزون الخامات.
- الدفاتر: دفتر يومية المبيعات، دفتر يومية المشتريات، دفتر ملخص الضريبة.
- المستندات: الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني، بحسب الأحوال.
كما أوضحت المصلحة أن إمساك هذه السجلات والدفاتر والمستندات يجوز أن يكون ورقيًا أو إلكترونيًا. وهذه نقطة مهمة جدًا للمشروعات الصغيرة في مصر، لأن كثيرًا منها كان يفهم التبسيط على أنه لا يحتاج سوى تقديم الإقرار في موعده. الآن أصبح واضحًا أن الإقرار وحده لا يكفي دون ملف حسابي مبسط ومنظم يمكن الرجوع إليه.
كيف يغيّر ذلك حسابات المشروعات الصغيرة قبل الإقرارات؟
قبل هذا القرار، كان بعض أصحاب الأنشطة الصغيرة يتعاملون مع النظام المبسط باعتباره عبورًا سريعًا إلى محاسبة أخف، من دون بناء دورة مستندية واضحة. أما بعد تحديد الدفاتر المطلوبة، فأصبحت الحسابات اليومية نفسها بحاجة إلى تنظيم مسبق، خاصة قبل تجهيز الإقرار السنوي.
1) المبيعات لم تعد رقمًا تقديريًا
وجود دفتر يومية المبيعات يعني أن كل عملية بيع يجب أن تسجل بشكل منتظم، وأن تتطابق مع الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني عندما يكون النشاط ملزمًا بأي منهما. هذا يقلل هامش التقدير الشخصي عند إعداد الإقرار، ويجعل رقم الأعمال السنوي أكثر دقة.
2) المشتريات والمخزون صارا جزءًا من الرقابة الذاتية
إلزام دفتر يومية المشتريات مع سجل مخزون الخامات مهم للغاية للأنشطة التجارية والصناعية الصغيرة في مصر، خصوصًا الورش، والمطاعم الصغيرة، والمحال التي تعتمد على دورة شراء سريعة. صحيح أن الضريبة في القانون تُحسب على حجم الأعمال، لكن انتظام هذه الدفاتر يحمي المشروع عند مراجعة مدى صحة الأرقام، ويمنع تضارب البيانات بين الشراء والبيع والمخزون.
3) الأصول الثابتة أصبحت أوضح
وجود سجل الأصول الثابتة يساعد في حصر الآلات والمعدات والأجهزة والسيارات أو غيرها من الأصول المستخدمة في النشاط. وهذا لا يفيد فقط في التنظيم، بل يرتبط أيضًا بمزايا القانون التي تعفي الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأصول الثابتة أو معدات الإنتاج للمشروعات الخاضعة له.
4) الضريبة صارت أسهل في الحساب وأصعب في الإهمال
من زاوية عملية، احتساب الضريبة لا يزال سهلًا نسبيًا لأن النسب ثابتة ومربوطة بحجم الأعمال. لكن قرار 420 جعل الإهمال في التسجيل اليومي أكثر كلفة، لأن أي رقم في الإقرار السنوي يجب أن يستند إلى دفاتر مبسطة معترف بها من المصلحة.
ما الذي يجب أن يفعله صاحب المشروع الآن؟
قبل موسم الإقرارات، الخطوة الأولى ليست البحث عن “صيغة إقرار” فقط، بل بناء ملف امتثال مبسط ومتسق. والمصلحة أوضحت أن طلب الاستفادة من النظام يتم إلكترونيًا عبر النموذج (1/10) طلبات، بينما يقدم الإقرار السنوي لضريبة الدخل للمشروعات الخاضعة للقانون على النموذج رقم (20) إقرارات. كذلك لا يجوز العدول عن الاستفادة من النظام قبل مرور 5 سنوات تبدأ من اليوم التالي لتقديم طلب الاستفادة.
عمليًا، هذا يعني أن صاحب المشروع الصغير يحتاج الآن إلى:
- مراجعة ما إذا كان حجم أعماله السنوي لا يتجاوز 20 مليون جنيه.
- التأكد من تقديم طلب الانضمام إلكترونيًا إذا لم يكن قد فعل.
- بدء إمساك السجلات والدفاتر المبسطة من الآن وليس عند موعد الإقرار فقط.
- الالتزام بمنظومات الفاتورة الإلكترونية أو الإيصال الإلكتروني طبقًا لمراحل الإلزام التي تحددها المصلحة.
- تجهيز بيانات المبيعات والشراء والمخزون والأصول بشكل شهري حتى لا تتراكم الأخطاء بنهاية السنة.
الخلاصة: تبسيط مع انضباط أكبر
ما فعلته مصلحة الضرائب المصرية في أحدث تعديلات التطبيق لم ينسف فلسفة قانون 6 لسنة 2025، بل أعطاها شكلًا تنفيذيًا واضحًا. فالمشروع الصغير ما زال يستفيد من ضريبة منخفضة نسبيًا، وفحص مؤجل 5 سنوات، وإقرارات أقل في القيمة المضافة، وإعفاءات متعددة. لكن في المقابل لم يعد مقبولًا أن يدخل موسم الإقرارات بلا دورة مستندية.
بمعنى أدق، المعادلة الجديدة أصبحت: ضريبة أبسط، لكن حسابات أكثر انتظامًا. وهذا قد يكون خبرًا جيدًا للمشروعات الجادة، لأنه يقلل النزاعات المحتملة مع المصلحة لاحقًا، ويجعل الإدارة المالية الداخلية أكثر انضباطًا، خاصة في سوق مصري يتجه بسرعة إلى التوثيق الإلكتروني والربط الرقمي.