الإقتصادي

رسوم الألومنيوم الكندية تعيد رسم رهانات ريو تينتو وألكوا

رسوم الألومنيوم بين كندا والولايات المتحدة: من يدفع الكلفة ومن يقتنص الفرصة؟

دخلت صناعة الألومنيوم في أمريكا الشمالية مرحلة أكثر حساسية بعد جولة جديدة من التصعيد التجاري بين كندا والولايات المتحدة، وهي جولة تهم المستثمرين وقطاعات التصنيع عالميًا، كما تهم القارئ المصري المتابع لشركات التعدين والمعادن الأساسية. فالأثر لا يتوقف عند الحدود الكندية أو الأمريكية، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد وأسعار المعادن واتجاهات الاستثمار في الألومنيوم منخفض الكربون.

أحدث التطورات جاءت بعد إعلان الحكومة الكندية في 25 أغسطس 2026 فرض إجراءات مضادة على واردات أمريكية بقيمة 27.6 مليار دولار كندي، ردًا على الرسوم الأمريكية الجديدة البالغة 50% على سلع كندية دخلت حيز التنفيذ في 22 أغسطس 2026. وتشمل السلع الخاضعة للتعريفة الكندية المضادة منتجات الصلب والألومنيوم التي كانت خاضعة سابقًا لتعريفة 25% فقط، وفق وزارة المالية الكندية.

لماذا يهم ذلك ريو تينتو وألكوا تحديدًا؟

السبب بسيط: كندا مورد محوري للألومنيوم إلى السوق الأمريكية، وأي تغيير في الرسوم ينعكس مباشرة على شركات الإنتاج الكبرى ذات الأصول الكندية. هنا تبرز ريو تينتو بوصفها من أكبر اللاعبين في ألومنيوم كندا، مع قاعدة تشغيلية قوية في كيبيك، كما تبرز ألكوا التي تمتلك وجودًا صناعيًا واسعًا في المقاطعة نفسها.

ريو تينتو أعلنت في 29 مايو 2026 بدء تشغيل التوسعة الجديدة لمصهر AP60 في مجمع أرفيدا بكيبيك، باستثمار يبلغ 1.5 مليار دولار أمريكي. وذكرت الشركة أن المشروع سيرفع الطاقة الإنتاجية بنحو 160 ألف طن متري سنويًا من الألومنيوم الأولي، ليصل إجمالي الإنتاج بتقنية AP60 إلى 220 ألف طن سنويًا بحلول نهاية 2026، مع دعم نحو 100 وظيفة دائمة مباشرة. هذا مهم لأن الشركة تراهن على الألومنيوم منخفض الانبعاثات كميزة تنافسية في وقت ترتفع فيه تكلفة الوصول إلى السوق الأمريكية بفعل الرسوم.

بالنسبة إلى ألكوا، تظهر الضغوط أوضح في نتائجها المالية. الشركة أعلنت في نتائج الربع الثاني 2026 أن الأرباح التشغيلية المعدلة قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بلغت 901 مليون دولار، لكنها أشارت صراحة إلى أن ارتفاع تكاليف الرسوم على الألومنيوم المستورد كان من بين العوامل التي حدّت من المكاسب. وفي كندا، تعمل ألكوا في أربعة مواقع داخل كيبيك وتوظف نحو 2500 شخص، ما يجعلها أكثر حساسية لأي تغير في تدفقات التجارة عبر الحدود.

مصهر ABI: نقطة تقاطع بين الشركتين

واحدة من أكثر النقاط دلالة في القصة هي مصهر ألومينيري دو بيكانكور (ABI) في كيبيك، لأنه مشروع مشترك يجمع ألكوا وريو تينتو. وتوضح بيانات الشركة أن ألكوا تملك 74.95% من المصهر بينما تمتلك ريو تينتو 25.05%. كما يعتمد المصنع على أكثر من 1200 عامل ويبلغ إنتاجه السنوي نحو 470 ألف طن متري من الألومنيوم. وفي مايو 2026 تم التصديق على اتفاق عمل جماعي جديد لخمس سنوات يغطي نحو 1000 موظف نشط، ما وفر درجة من الاستقرار التشغيلي في توقيت حساس للصناعة.

هذا الاستقرار لا يلغي المشكلة الأساسية: إذا استمرت الرسوم المرتفعة لفترة طويلة، فإن المنتجين سيضطرون إما إلى تمرير جزء من التكلفة إلى المشترين الأمريكيين، أو إعادة توجيه كميات أكبر إلى أسواق أخرى، أو قبول هوامش ربح أقل. وبالنسبة لشركات تملك أصولًا كثيفة رأس المال مثل ريو تينتو وألكوا، فهذه القرارات لا تكون تكتيكية فقط، بل قد تؤثر في خطط الاستثمار لسنوات.

أين تكمن الفرصة إذًا؟

رغم الصورة السلبية الظاهرة، هناك جانب آخر للقصة. فالتعريفات قد تدفع المنتجين الكنديين إلى تسريع تنويع الأسواق بدل الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة. تقارير رويترز خلال موجات التصعيد السابقة أشارت إلى بدء إعادة توجيه بعض تدفقات الألومنيوم الكندي نحو أوروبا عندما تصاعدت الرسوم، وهو ما يعزز فكرة أن الشركات الكبرى يمكنها استخدام شبكاتها العالمية لتخفيف الصدمة، ولو جزئيًا.

الفرصة الثانية مرتبطة بنوعية المنتج. ريو تينتو تراهن بوضوح على الألومنيوم منخفض الكربون، وهو قطاع يجذب اهتمامًا متزايدًا من شركات السيارات والبناء والصناعات الكهربائية. ومع تشدد المعايير البيئية عالميًا، قد تستطيع الشركة الدفاع عن تسعير أفضل لمنتجاتها، خصوصًا إذا نجحت في إقناع العملاء بأن المعدن الأقل انبعاثًا يستحق علاوة سعرية تعوّض جزءًا من عبء الرسوم.

أما ألكوا، فتمتلك ميزة أخرى هي تنوعها الرأسي عبر البوكسيت والألومينا والألومنيوم النهائي، إلى جانب توسعها المعلن عبر صفقة أصول South32، وهو ما قد يمنحها مرونة أكبر في إدارة المزيج الجغرافي والإنتاجي. لكن الشركة نفسها أقرت بأن الرسوم الحالية تشكل عبئًا مباشرًا على الكلفة، ما يعني أن المرونة لا تعني الحصانة الكاملة.

وماذا عن تيك؟

اسم تيك ريسورسز يظهر في العنوان ضمن قائمة الشركات الكندية التي قد تتأثر بمشهد الرسوم، لكن من المهم التمييز بين التأثير المباشر وغير المباشر. تيك ليست منتجًا رئيسيًا للألومنيوم مثل ريو تينتو وألكوا؛ نشاطها يتركز أكثر على النحاس والزنك والمعادن المرتبطة بالتحول الطاقي. الشركة قالت في إفصاحاتها إنها تتابع عن كثب تطورات الرسوم الأمريكية والإجراءات المتبادلة، وهو موقف مفهوم لشركة تعتمد على بيئة تجارية مستقرة لتسويق المعادن الصناعية. بعبارة أخرى، استفادة تيك أو تضررها يأتيان عبر مناخ المعادن والاستثمار الصناعي الأوسع، لا من خلال التعرض المباشر نفسه الموجود لدى ريو تينتو وألكوا.

لماذا يهم القارئ في مصر؟

من زاوية مصرية، تظل تطورات شركات الألومنيوم العالمية ذات صلة لأن أي اضطراب في تجارة المعدن ينعكس على تكلفة المدخلات الصناعية، من الكابلات ومواد البناء إلى مكونات السيارات والأجهزة. كما أن متابعة نتائج شركات مثل ريو تينتو وألكوا تمنح مؤشرًا مهمًا على اتجاهات السوق العالمية للمعادن الأساسية، وهي أسواق ترتبط بها قرارات الشراء والتسعير والتحوط لدى المصنعين والمستوردين في المنطقة.

الرسالة الأهم هنا أن النزاع التجاري لا يخلق رابحين مطلقين. ريو تينتو قد تستفيد من قوة أصولها منخفضة الكربون وتوسعاتها الجديدة في كيبيك، لكن ذلك لا يلغي مخاطر انكماش الطلب الأمريكي أو تآكل الهوامش. ألكوا تملك قاعدة تشغيلية قوية وشبكة أصول واسعة، لكنها بالفعل بدأت تعترف بتكلفة الرسوم في قوائمها المالية. أما تيك فتبقى أقل انكشافًا مباشرة على الألومنيوم، وإن كانت غير معزولة عن تقلبات المشهد التجاري الكندي الأمريكي.

  • الخطر الرئيسي: استمرار الرسوم المرتفعة بما يضغط الهوامش ويعيد رسم تدفقات التجارة.
  • الفرصة الأبرز: تسريع تنويع الأسواق وتعزيز مبيعات الألومنيوم منخفض الكربون.
  • الشركة الأكثر انكشافًا تشغيليًا: ألكوا، بحكم إقرارها المباشر بارتفاع تكاليف الرسوم.
  • الشركة الأكثر رهانًا على النمو: ريو تينتو، عبر توسعة AP60 في كيبيك.

في المحصلة، ما يجري ليس مجرد خلاف جمركي عابر، بل اختبار فعلي لقدرة شركات المعادن الكبرى على حماية الربحية وسط سياسة تجارية متقلبة. ومن هذه الزاوية، ستظل كندا والألومنيوم ونتائج أعمال ريو تينتو وألكوا ضمن الملفات التي تستحق المتابعة الدقيقة خلال النصف الثاني من 2026.