الإقتصادي

رسوم النحاس الأمريكية تربك السوق وتدفع الأسعار قرب القمة

تهديد الرسوم الأمريكية يعيد تشكيل تجارة النحاس عالميًا

دخلت سوق النحاس مرحلة شديدة الحساسية بعدما تحولت احتمالات فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية على الواردات إلى عامل يغير مسارات الشحن والتسعير في وقت واحد. فبدلًا من أن ينعكس الأمر فقط على تكلفة دخول المعدن إلى السوق الأمريكية، أدى اتساع الفارق السعري بين العقود المتداولة في نيويورك ونظيرتها في بورصة لندن للمعادن إلى جذب كميات كبيرة من النحاس نحو الولايات المتحدة، ما خلق نقصًا ملموسًا في مناطق أخرى رغم أن التقديرات الأساسية لا تشير إلى عجز عالمي شامل في المعروض.

التحول بدأ رسميًا عندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيقًا بموجب المادة 232 في 25 فبراير 2025 لفحص أثر واردات النحاس على الأمن القومي الأمريكي، وهو التحقيق الذي فتح الباب أمام توقعات فرض قيود أو رسوم على المعدن ومشتقاته. وبعد ذلك، صدر في 30 يوليو 2025 إعلان رئاسي ينظم واردات النحاس إلى الولايات المتحدة بعد انتهاء التحقيق، وهو ما أكد أن ملف النحاس انتقل من مجرد تهديد سياسي إلى أداة فعلية في السياسة التجارية الأمريكية.

لماذا ارتفعت الأسعار رغم غياب عجز عالمي؟

السبب الرئيسي لا يتعلق بنقص إنتاج عالمي بقدر ما يرتبط بإعادة توزيع الإمدادات. فعندما تصبح الأسعار في الولايات المتحدة أعلى من نظيرتها في الأسواق المرجعية، يصبح من المنطقي تجاريًا تحويل الشحنات إلى الموانئ الأمريكية للاستفادة من العلاوة السعرية. هذا السلوك يسحب المعدن من المخزونات المتاحة في أوروبا وآسيا ويضغط على الإمدادات الفورية هناك، فيظهر ما يمكن وصفه بـالعجز الفعلي الإقليمي حتى لو ظل ميزان السوق العالمي ككل في وضع أقرب إلى التوازن أو الفائض.

وتكتسب هذه النقطة أهميتها لأن النحاس ليس مجرد معدن صناعي عادي، بل عنصر أساسي في شبكات الكهرباء، والمحولات، وكابلات الطاقة، وصناعات البناء، ومكونات السيارات، ومشروعات الطاقة المتجددة. لذلك فإن أي اضطراب في مساراته التجارية ينعكس سريعًا على شركات التصنيع وعلى توقعات التضخم الصناعي عالميًا، بما في ذلك الأسواق الناشئة التي تستورد منتجات نصف مصنعة يدخل النحاس في تكلفتها النهائية.

الأسعار قرب مستويات تاريخية

المرجع العالمي الرئيسي، وهو عقد النحاس لثلاثة أشهر في بورصة لندن للمعادن، كان قد سجل ذروة تاريخية عند 11,104.50 دولار للطن المتري في 20 مايو 2024، قبل أن تصبح السوق أكثر حساسية خلال 2025 مع تصاعد رهانات الرسوم الأمريكية. وفي السوق الأمريكية، قفزت عقود النحاس في بورصة كومكس إلى مستويات قياسية جديدة في يوليو 2025 بعد إعلان ترامب عزمه فرض رسوم بنسبة 50% على واردات النحاس، قبل أن تشهد الأسعار تقلبات حادة لاحقًا مع اتضاح تفاصيل الإعفاءات واستثناء النحاس المكرر من بعض الرسوم.

هذا التباين بين سوقي لندن ونيويورك كان كافيًا لإشعال سباق شحنات نحو الولايات المتحدة. ووفق تقديرات استندت إلى بيانات السوق خلال الربع الثاني من 2025، تراجعت مخزونات النحاس في مستودعات بورصة لندن بشكل حاد منذ فبراير، بينما ارتفعت المخزونات في المستودعات المرتبطة ببورصة كومكس الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، في إشارة واضحة إلى أن المعدن لم يختف من السوق العالمية بقدر ما انتقل من مكان إلى آخر.

هل توجد وفرة فعلية في السوق العالمية؟

من الناحية الأساسية، لا تزال مؤسسات متخصصة ترى أن السوق العالمية للنحاس المكرر لا تعاني شحًا هيكليًا واسعًا. فقد أشارت تقديرات المجموعة الدولية لدراسة النحاس ICSG في توقعاتها لعامي 2025 و2026 إلى وجود فائض في السوق المكرر خلال 2025، كما أظهرت تقديرات لاحقة استمرار صورة الإمدادات المريحة نسبيًا مقارنة بالطلب العالمي. هذا يعني أن الأزمة الحالية أقرب إلى اختلال جغرافي ولوجستي منها إلى أزمة إنتاج عالمية شاملة.

لكن هذا التوصيف لا يقلل من أثر ما يجري على الأسعار. فالمصانع والمشترون لا يتعاملون مع أرقام الفائض السنوي فقط، بل مع قدرة الحصول على المعدن في الوقت والمكان المناسبين. وعندما تتناقص الكميات المتاحة للتسليم الفوري خارج الولايات المتحدة، ترتفع العلاوات المحلية ويشتد التنافس على الشحنات، ما يدفع الأسعار الفعلية للصناعة إلى الصعود حتى لو قالت النماذج السنوية إن السوق في حالة فائض.

ما الذي يعنيه ذلك لمصر والأسواق الناشئة؟

بالنسبة للقراء في مصر، تكمن أهمية الملف في أن النحاس يدخل في سلاسل تكلفة واسعة تبدأ من الكابلات والمهمات الكهربائية ولا تنتهي عند التطوير العقاري والتشييد والمعدات الصناعية. أي صعود مطول في أسعار النحاس أو في تكاليف الشحن والتوريد قد يضغط على الشركات المستوردة والخطط الاستثمارية المرتبطة بالبنية التحتية والطاقة، خصوصًا في وقت تراقب فيه الأسواق المحلية تكلفة الخامات ومدخلات الإنتاج بدقة.

كما أن تحركات النحاس تهم المستثمرين في أسواق السلع والأسهم على حد سواء، لأن المعدن يُنظر إليه عالميًا كمؤشر حساس على النشاط الصناعي والإنفاق على التحول الطاقي. وإذا استمرت السياسة التجارية الأمريكية في دفع الشحنات إلى الداخل الأمريكي، فقد تبقى فروق الأسعار الإقليمية مرتفعة، وهو ما يزيد صعوبة التنبؤ بالتكلفة الفعلية للمشروعات الصناعية خارج الولايات المتحدة.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

  • استمرار الفجوة السعرية: إذا ظلت أسعار كومكس أعلى بوضوح من أسعار لندن، فسيستمر سحب الإمدادات إلى الولايات المتحدة.
  • هدوء مؤقت مع اتضاح الرسوم: عندما تتضح القواعد التنفيذية والسلع المشمولة أو المستثناة، قد تتراجع بعض المضاربات وتنخفض العلاوات المبالغ فيها.
  • ضغط على الصناعات المستهلكة: الشركات المعتمدة على النحاس في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط قد تواجه تكلفة أعلى أو فترات انتظار أطول للتوريد.
  • تقلبات حادة للمستثمرين: النحاس مرشح للبقاء بين أكثر المعادن تقلبًا طالما ظل ملف الرسوم الجمركية حاضرًا في التسعير اليومي.

الخلاصة

سوق النحاس اليوم لا تتحرك فقط وفق معادلة العرض والطلب التقليدية، بل أيضًا وفق الجغرافيا التجارية والسياسة الأمريكية. ورغم أن تقديرات الفائض العالمي لا تزال قائمة على الورق، فإن التهديدات الجمركية الأمريكية صنعت عجزًا فعليًا خارج السوق الأمريكية عبر إعادة توجيه الإمدادات ورفع المنافسة على الشحنات القابلة للتسليم. ومع بقاء الأسعار قرب قمم تاريخية، تبدو المرحلة المقبلة مرهونة بما إذا كانت واشنطن ستواصل استخدام الرسوم كأداة استراتيجية، أم أن السوق ستجد توازنًا جديدًا يخفف الضغوط عن المستوردين والصناعات حول العالم.