الإقتصادي

رفع إعفاء ضريبة الدخل بمصر.. ما الأثر على الرواتب والبورصة؟

ماذا يعني تحرك مصلحة الضرائب المصرية الآن؟

عادت مصلحة الضرائب المصرية إلى واجهة النقاش الاقتصادي بعد تصريحات رشا عبد العال، رئيس المصلحة، في 10 سبتمبر 2026، بأن المصلحة تدرس حاليًا موقف حد الإعفاء الضريبي للفرد من ضريبة الدخل، وهو الحد الذي يدور حاليًا عند نحو 60 ألف جنيه سنويًا. وخلال التصريحات نفسها، قالت عبد العال إن الحزمة الضريبية الخاصة بسوق المال المصري أسهمت في مضاعفة حجم تداولات البورصة المصرية بعد استبدال ضريبة الأرباح الرأسمالية بضريبة الدمغة. هذا الربط بين ضرائب الأفراد وحوافز سوق المال يجعل التحرك مهمًا للموظف والمستثمر والشركات المقيدة معًا.

ويكتسب الملف وزنًا إضافيًا لأن رشا عبد العال عُينت مجددًا رئيسًا لمصلحة الضرائب المصرية بقرار من رئيس مجلس الوزراء رقم 2556 لسنة 2026 لمدة عام، فيما تؤكد البيانات الرسمية أنها أول سيدة تتولى هذا المنصب، وهو ما يضع التحرك الحالي ضمن سياق أوسع من مراجعات تشريعية وتنفيذية تقودها وزارة المالية والمصلحة خلال 2026.

ما هو حد الإعفاء الحالي؟

بحسب المواد والبيانات المنشورة على مواقع مصلحة الضرائب ووزارة المالية، فإن الحكومة رفعت حد الإعفاء الضريبي على دخول التوظف في 2023/2024 إلى 60 ألف جنيه سنويًا بدلًا من 24 ألف جنيه، أي بزيادة 150%، لتحسين صافي الدخل في ظل الضغوط التضخمية. كما توضح مصلحة الضرائب في شرحها الحالي لضريبة المرتبات أن المحاسبة تتم سنويًا، بعد تحويل الأجر الشهري إلى أجر سنوي، مع خصم الإعفاء الشخصي البالغ 20 ألف جنيه سنويًا وحصة العامل في التأمينات الاجتماعية وغيرها من الخصومات المقررة قبل تطبيق الشرائح الضريبية.

بمعنى عملي، فإن أي زيادة جديدة في حد الإعفاء الأساسي ستؤدي مباشرة إلى توسيع الجزء غير الخاضع للضريبة من دخل الموظف، خصوصًا لأصحاب الرواتب المنخفضة والمتوسطة. وكلما ارتفع هذا الحد، زادت المساحة التي يتحرك داخلها الراتب دون استقطاع ضريبة دخل، وهو ما يظهر فورًا في صافي الأجر الشهري أو في التسوية السنوية للمرتبات.

كيف ينعكس القرار المحتمل على رواتب الموظفين؟

1) زيادة صافي الراتب

الأثر الأول والأوضح هو أن الموظف سيدفع ضريبة أقل إذا تم رفع حد الإعفاء فوق 60 ألف جنيه سنويًا. هذا لا يعني زيادة اسمية في الراتب من جهة العمل، لكنه يعني انخفاض الاستقطاع الضريبي وزيادة ما يصل إلى الموظف فعليًا.

2) استفادة أكبر للشرائح المنخفضة والمتوسطة

في السوق المصرية، تكون استفادة أصحاب الدخول الأقل عادة أكبر نسبيًا، لأن جزءًا أكبر من دخلهم يتحرك بين الشريحة المعفاة والشرائح الضريبية الأدنى. لذلك فإن رفع حد الإعفاء يحمل بعدًا اجتماعيًا واضحًا، لا سيما إذا قُدم باعتباره جزءًا من تخفيف أثر التضخم على الأجور.

3) عدم مساواة الأثر بين كل الرواتب

رغم ذلك، فإن الاستفادة النقدية لن تكون متساوية بين جميع الموظفين. فصاحب الراتب القريب من حد الإعفاء قد يخرج كليًا من نطاق الضريبة، بينما يستفيد صاحب الراتب الأعلى من تخفيض محدود نسبيًا على الجزء الأدنى من دخله فقط.

وماذا عن الشركات المقيدة في البورصة المصرية؟

الحديث عن الشركات المقيدة في البورصة المصرية لا يرتبط هنا بضريبة أرباحها مباشرة بقدر ما يرتبط بثلاث دوائر تأثير رئيسية.

أولًا: تكلفة الأجور والموارد البشرية

إذا ارتفع حد الإعفاء، فإن الشركات لن تكون مضطرة بالضرورة إلى رفع الرواتب الاسمية بنفس الوتيرة المطلوبة سابقًا لتعويض العاملين عن الاستقطاعات، لأن جزءًا من التحسن سيأتي عبر الضريبة نفسها. هذا قد يخفف نسبيًا ضغوط الأجور على بعض الشركات، خاصة كثيفة العمالة، أو على الأقل يساعدها في تحسين الرضا الوظيفي دون زيادة كاملة في بند المرتبات.

ثانيًا: الاستهلاك المحلي وإيرادات الشركات

زيادة صافي دخل الموظفين قد تعني قدرة إنفاق أعلى، ولو تدريجيًا. وهذا مهم للشركات المدرجة التي تعتمد على الطلب المحلي، مثل شركات السلع الاستهلاكية، والتجزئة، والخدمات، وبعض قطاعات الصناعة المحلية. أي تحسن في القوة الشرائية قد ينعكس على المبيعات، ثم على هوامش الربحية لاحقًا.

ثالثًا: الإشارة السياسية والضريبية للسوق

الأسواق لا تنظر فقط إلى الأرقام، بل إلى اتجاه السياسة الاقتصادية. عندما تتحرك وزارة المالية ومصلحة الضرائب في مسارين متوازيين؛ الأول لتخفيف العبء على الأفراد، والثاني لتحفيز سوق المال، فإن الرسالة للمستثمرين تكون أن السياسة الضريبية تُستخدم لدعم النشاط الاقتصادي، لا الجباية فقط.

لماذا يرتبط هذا الملف بحزمة البورصة الأخيرة؟

في يوليو وأغسطس 2026، أُقرت تعديلات تشريعية ضمن الحزمة الثانية من التسهيلات الضريبية. ووفق البيانات الرسمية الصادرة عن مصلحة الضرائب المصرية والهيئة العامة للاستعلامات، شملت التعديلات على قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 وقانون ضريبة الدمغة رقم 111 لسنة 1980، إعفاء الأرباح الرأسمالية الناتجة عن التصرف في الأوراق المالية المقيدة بالبورصة من ضريبة الدخل، مع الاكتفاء بخضوع هذه التعاملات لـضريبة دمغة نسبية. كما تضمنت إعفاء نشاط صانع السوق من ضريبة الدمغة، ومعالجة الازدواج الضريبي المتعلق بتوزيعات الأرباح، إلى جانب حوافز للشركات التي تطرح أسهمها في البورصة.

وتظهر قاعدة القوانين المنشورة على بوابة مصلحة الضرائب أن القانون رقم 151 لسنة 2026 عدّل بعض أحكام قانون الضريبة على الدخل، بينما تناول القانون رقم 153 لسنة 2026 تعديل بعض أحكام قانون ضريبة الدمغة. كما أعلن وزير المالية أحمد كجوك أن الحزمة تضمنت حافزًا استثماريًا لتشجيع قيد الشركات بالبورصة لمدة 3 سنوات، مع التحول إلى ضريبة دمغة على تداول الأوراق المالية المقيدة بدلًا من ضريبة الأرباح الرأسمالية.

هل توجد مؤشرات على أثر فعلي في السوق؟

التصريحات الرسمية تتحدث عن تحسن قوي في التداولات، ورشا عبد العال قالت صراحة إن الحزمة ضاعفت تداولات البورصة. وبعيدًا عن الوصف السياسي، فإن بيانات السوق خلال أغسطس 2026 أظهرت نشاطًا لافتًا؛ إذ بلغت القيمة السوقية للأسهم المقيدة نحو 4.29 تريليون جنيه بنهاية الشهر، بينما سجل إجمالي قيمة التداول خلال أغسطس نحو 2.49 تريليون جنيه، مع صعود قوي في مؤشرات السوق، خاصة مؤشر EGX70 للأسهم الصغيرة والمتوسطة.

هذا لا يعني أن الحوافز الضريبية وحدها صنعت كل الصعود، لأن السوق تحركه أيضًا السيولة والمضاربات وشهية المخاطرة وتوقعات الطروحات. لكن من الواضح أن ملف الضرائب أصبح في 2026 عنصرًا مباشرًا في إعادة تسعير جاذبية البورصة المصرية.

ما الذي يراقبه المستثمرون والموظفون الآن؟

  • الموظفون: هل يتحول «الدراسة» إلى تعديل تشريعي فعلي يرفع حد الإعفاء فوق 60 ألف جنيه سنويًا؟
  • الشركات: هل يساعد القرار على تهدئة ضغوط الأجور وتحسين الطلب المحلي؟
  • المستثمرون في البورصة: هل تستكمل الحكومة مسار التيسير الضريبي بما يوسع قاعدة القيد والتداول ويشجع طروحات جديدة؟
  • السوق ككل: هل يأتي رفع إعفاء الأفراد ضمن حزمة أوسع تعيد ترتيب العلاقة بين العدالة الاجتماعية وجذب الاستثمار؟

الخلاصة

تحرك رشا عبد العال لا يمكن قراءته باعتباره ملف مرتبات فقط، ولا كخبر بورصة منفصل. الأهم أنه يعكس استخدام السياسة الضريبية في اتجاهين متكاملين داخل مصر: تخفيف العبء عن الأفراد من جهة، وتحفيز سوق المال والشركات المقيدة من جهة أخرى. وإذا تُرجمت الدراسة الحالية إلى قرار رسمي، فالأثر الأسرع سيكون في صافي رواتب الموظفين، بينما يظهر الأثر الأبطأ عبر الطلب الاستهلاكي، وكلفة الأجور، وجاذبية الشركات المقيدة للمستثمرين. ولهذا يتعامل السوق مع الملف الآن باعتباره مؤشرًا مهمًا على المسار الاقتصادي والضريبي للحكومة المصرية خلال ما تبقى من 2026.